المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مذكرات رجل عادي



البشير دفع الله
11-08-2008, 09:50 AM
( 1 )

أود أن أكتب مذكراتي , قلتها بجرأة لحرمنا المصون ( دائما ما أستشيرها في كل ما أكتب ) ودائما ما أعمل بمشورتها عندما تتوافق مع رغبتي ( منتهى الديمقراطية ) .
فأجابتني بصورة قاطعة وحاسمة : ولكن عظماء التاريخ فقط والمشاهير هم من يكتبون مذكراتهم وأنت على حد علمي ( وحتى الآن ) رجل عااااااااااااادي , وشد ما غاظني مد حرف الألف في كلمة ( عادي ) .
فأردفت بلهجة المنتصر : إذن فلأكن أول رجل عادي يكتب مذكراته ,,,

البشير دفع الله
11-08-2008, 09:50 AM
( 2 )
العظماء بالتاريخ والمشاهير قلة لا تذكر من إجمالي البشرية
وهذه المذكرات التي تحكي قصص أولئك المشاهير لا تهم أحدأ ولا يستفيد من تجاربها أحد من البشرية ( استنتاجي الخاص طبعا )
بينما مذكرات ( العبد لله ) الرجل العادي تنطبق على مليارات البشر , وقد يستفيد منها أحد ,,,
-------
دخلت مكتبة كبيرة بابها ( كعادتي ) فوقع بصري أولا على ثلاث مؤلفات عبارة عن مذكرات مانديلا و اولبرايت وكلينتون ,
مانديلا زعيم الحرية في أفريقيا ويستاهل ( وما بنقول حاجة )
مادلين أولبرايت أذاقت العرب الأمرين أبان توليها لوزارة الخارجية الأمريكية ( الله غالب )
وحتى كلينتون صاحب الفضيحة الشهيرة في البيت الأبيض مع المتدربة مونيكا لوينسكي كتب مذكراته , فلماذا لا أكتب أنا مذكراتي ؟ وليست لدي فضائح ( شهيرة )
كل العظام والمشاهير كتبوا مذكراتهم ,
وأهل السلطة والمال كذلك لم يبخلوا علينا بأدق تفاصيل حياتهم
توضيح :
السلطة والمال الواردة أعلاه لا علاقة لها ب ( اقتسام السلطة والثروة الواردة في اتفاق نيفاشا )

البشير دفع الله
11-08-2008, 09:54 AM
( 3 )
نصحتني حرمنا المصون ( بعد أن لمست إصراري على كتابة مذكراتي ) أن أجمل سيرتي الذاتية ما استطعت , وأن أكتب ما يجعلني بطلا قوميا أمامكم وفارسا لا يشق له غبار , وكريما يتضاءل أمامه عطاء حاتم الطائي , وشجاعا يجبن أمامه عنترة بن شداد , وصادقا ونزيها ومبرأ من كل الخطايا والآثام , طالما أنكم لن تطلبون مستندات تؤيد صحة حديثي , وهو مجرد كلام ( لا يودي ولا يجيب ) على حد زعمها .
ولأنها ( أي حرمنا ) مثقفة ومطلعة وتعلم أن كل من كتبوا مذكراتهم جعلوها مطلية بماء الذهب روعة وجمالا وصوروا أنفسهم قمة في التقى والصلاح والنزاهة والشرف الأمانة , ( والماسك القلم ما بكتب رقبتو شقي ) .
لذا علي أن أحذو حذوهم , وأسير على نهجهم ( وما فيش حد أحسن من حد ) .
آخر نصيحة لها كانت تتعلق بأسلوب الكتابة , وأن أبتعد عن ( الدراب ) في حديثي , وحياة التقشف والمشقة في طفولتي في قريتنا النائية , وأن أركز على الترف الذي عشته إبان اغترابي في الخليج , وعلى حياتي بعد الطفرة وبعد الزواج .

البشير دفع الله
11-08-2008, 09:56 AM
( 4 )
ولدت بعد أن استولى النميرى على السلطة بالسودان بخمسة أشهر , هكذا أرخ أبي لمولدي ....
بالطبع كانت لدي شهادة ميلاد ( فقريتي تبعد عن العاصمة بحوالي 40 كلم فقط ) مما يجعلني أصنف نفسي كأحد سكان العاصمة القومية , التي كنا نعتبرها قمة في الحضارة والمدنية .
لم أرى شهادة ميلادي إلا وأنا ذاهب للتسجيل في المدرسة الابتدائية يجرني أبي بيده اليسرى وممسكا بالشهادة بيده اليمنى كنت أرتدي جلبابا أبيض نظيف ولكنه غير مكوي , وانتعل حذاء ( سفنجة ) , وكانت هيئتي ككل أطفال قريتنا , أغبش , مغبر من الوجه إلى القدمين , نحيل , أسمر , ألهث وأنا أركض خلف أبي الذي يسحبني لهذه المدرسة , كانت لدي فكرة كافية عن المدرسة , وهي مكان نظيف يحبسون فيه الأطفال من الصباح إلى موعد الإفطار ( حصة الفطور ) ثم يحبسونهم مرة أخرى إلى الظهر , ومن يتكلم أثناء هذا الحبس يكن عقابه الضرب ومن يتأخر صباحا كان يضرب , مما جعلني أسير خلف أبي وأنا مكره وخائف أن يضربني أبي لو رفضت الذهاب معه .
تم قبولي بالمدرسة في العام الذي دخل فيه ( المرتزقة ) السودان قادمين من ليبيا , وكان لهم أعوان بالداخل , وتنامي إلى مسامعي أنهم كانوا ينوون القيام بعمليات إرهابية أو قلب نظام الحكم ( غير الشرعي بعملية غير شرعية ) ولكن تم القبض عليهم وعلى زعيمهم محمد نور سعد , في ذلك اليوم أجر أهالي قريتنا بعض ( البكاسي ) وكانت وسيلة الترحيل المتاحة الوحيدة في قريتنا آنذاك للذهاب إلي جبل أولياء 7 كلم من قريتنا , وذلك لمشاهدة تنفيذ حكم الإعدام على محمد نور سعد وبعض أعوانه ....
والدي من الذين ذهبوا ورأوا تنفيذ حكم الإعدام على أولئك ( المرتزقة ) , قال لي حفروا حفر متباعدة عن بعضها ولكنها في صف واحد وكان يقف على رأس كل حفرة واحد من المحكوم عليهم بالإعدام وكانوا جميعهم مقيدي الأيدي ومعصوبي الأعين , وتم إعطاء الأوامر بإطلاق النار عليهم , وما هي إلا ثواني وأنهمر الرصاص وسقط المحكوم عليهم داخل الحفر المعدة لهم , وتم إعطاء الأوامر لبعض الجنود بردم الحفر , فأهالوا عليهم التراب ولا هم أحياء ولا هم أموات .
ظلت هذه الصورة تراوح خيالي عدة أيام من فرط قسوتها و ....
نواصل

البشير دفع الله
11-08-2008, 09:56 AM
( 5 )
نواصل ....
قلت إن حادثة إعدام ( المرتزقة ) أثرت في نفسيا وجعلت الكثير من القوانين واللوائح تهتز في داخلي , بل أصبحت احتقرها , لأنها وببساطة لا تحترم كرامة الإنسان , وهذه الحادثة تذكرتها مرة أخرى عندما كنت أدرس بقاهرة المعز في بداية التسعينيات وهي حادثة إعدام 29 ضابطا كانوا ينوون القيام بانقلاب عسكري , فتم إعدامهم في شهر رمضان , والناس يبتهلون للرحمن أن يعفو ويغفر ويصفح ,,,
أحسست أن هناك تطابق بين هاتين الحادثتين فالأولى كانت في بداية تعليمي الابتدائي والثانية كانت أثناء تعليمي الجامعي فاهتزت عندي الكثير من القوانين والقيم .
ما علينا , لست المعني وحدي بهذا الأمر , والشعب السوداني كله حاضرا وشاهدا , والتاريخ لا يرحم .
أعود للمدرسة الابتدائية وأول يوم دراسة , لم أحب هذه المدرسة ولا غيرها من المدارس فلدي عنها فكرة واسعة كما أسلفت لكم , أول يوم في المدرسة كان يسمى ( يوم النظافة ) لا أعتقد أن أحدا منكم سمع بهذا اليوم من قبل , حضر المدرسون وكل منهم شاهرا سوطا طويلا عبارة عن خرطوش أسود نصف بوصة وواحد بوصة , وجمعونا في حوش المدرسة الطلاب الجدد والقدامى , وطلبوا من الجميع القيام بتنظيف الحوش من الأوراق والقاذورات والحجارة الصغيرة والحصى , وكان يوما عصيبا , أنا لا أنظف حوش بيتنا فإذا بي أنظف حوش مدرسه , وكان المعلمون يلاحقوننا بسياطهم وصراخهم يحثوننا على الإسراع .
لاحقا وأنا أقرأ كتب التاريخ وتاريخ حفر قناة السويس في مصر وكيف أن الصعايدة حفروا القناة وهم تحت السياط تذكرت يوم نظافة حوش المدرسة ,,,,
مر اليوم الأول بسلام وذهبت إلى بيتنا وأنا مغبر ومتسخ وخشمي ناشف وجلبابي بلون الأرض , وأنا أمني نفسي بعدم الذهاب للمدرسة مرة أخرى , وقطعا عندما تراني والدتي بهذه الهيئة سيرق قلبها وتعفيني من هذا العبء الثقيل ( المدرسة ) , ولكن ما إن دخلت حتى استبشرت بقدومي خيرا , لسببين الأول أن ابنها ( البكر) صار يدرس بالمدرسة , والثاني أنها كانت تريدني أحضر ( العيش ) للغداء ,,,
وهكذا ضاعت قضيتي الأولى , وصار لزاما علي أن أذهب للمدرسة كل يوم .
لم أكن متفوقا في المدرسة , ولم أكن من الأوائل وهذا شي طبيعي لعدم رغبتي في الدراسة أصلا .
بدأ العام الدراسي الأول بالنسبة لي , وأجلسونا على ( برش ) وهو عبارة عن حصيرة مصنوعة سعف النخيل وطولها يتراوح بين ثلاثة إلى أربعة أمتار وتستخدم لأداء الصلوات عادة , وفي ومضان تفرش في الطرقات يتناول الناس عليها الإفطار ويصلون المغرب بها .
أخبرونا أن علينا أن نجلس على هذا ( البرش ) من الصف الأول إلى الثالثة , ومن الصف الرابع إلى الصف السادس سوف يتم ترقيتنا ونجلس على ( كنب ) مصنوع من الخشب القوي ويرتفع عن الأرض مقدار قدم واحد تقريبا , وذلك لشح في الأساس المدرسي , وأن الوزارة لم ترسل ( كنب ) يكفي الجميع كما لم ترسل كتب وكراسات تكفي الجميع .
صرف لنا كراس للحساب ( وليتهم ما صرفوه لنا ) وقصتي مع مادة الحساب سآتيكم لها لاحقا , وطلب منا أن نشتري كراس للعربي , وصرفوا لنا كتابي الأول , كل طالبين في كتاب واحد , وكان الكتاب قديم ومهترى وبلا شك أن عمره الافتراضي قد انقضى , ولكنه ظل صامدا ويسد الحوجه لحين استلام كتب من الوزارة , التي لم تأتي في ذلك العام .
ونواصل ,,,

البشير دفع الله
11-08-2008, 09:57 AM
( 6 )

حاولت أن أجمل الصورة أعلاه , ولكنني لم أفلح , فوقتها لم تفتتح مدارس كمبوني ولا القبس ولا أي مدرسة أخرى خاصة ( ممن يقدمون الشوكولاته للطلاب ) بجبل أولياء , لذا كان نصيبي أن أدرس بمدرسة أم أرضة الابتدائية .
وأن يقوم بتدريسي أناس لو صنفتهم الآن بالمقاييس الحديثة , لوجدت نصفهم لا يستحق مجرد الانتماء لا للتربية ولا للتعليم , تراهم يتجولون والسياط لا تفارق أياديهم , والصياح أصبح سمتهم , كل فهمهم عن التربية والتعليم هو الضرب والشتم وحب الشخصية ( غير الموجودة أصلا ) .
وهؤلاء دخلوا سلك التربية والتعليم بالصدفة المحضة , بعد أن أحرزوا مجاميع لا تؤهلهم لدخول الجامعة , فابتلانا الله بهم , وبشهادة إكمال الثانوي العالي تم استيعابهم في التدريس بالمراحل الابتدائية والمتوسطة .
ونصفهم الآخر جدير بالاحترام والتقدير , ومازلت أحمل لهم كل مودة وتقدير , أولئك رجال التربية والتعليم حقا , تعلمت منهم الأدب والأخلاق قبل أن أتعلم الدروس والواجبات .
بعضهم درس في معهد التربية ببخت الرضا وبعضهم بمعهد إعداد المعلمين بشندي , هم الذين يحق لنا أن نقول فيهم : من علمني حرفا صرت له عبدا .
وهم الذين عناهم الشاعر حافظ إبراهيم بقوله :
قم للمعلم وفه التبجيلا كاد المعلم أن يكون رسولا
كانت تنتابني رهبة ووجل وخوف إن التقيت أحد الأساتذة في الطريق أو في إحدى المناسبات بقريتنا , وكانت للمدرسين مكانة مرموقة ووضع اجتماعي مميز , وكان المدرس دائما نظيفا , ومتحدثا لبقا , ويحترمه الجميع , حتى أنني تمنيت ( كغيري من الصغار ) أن أصبح مدرسا عندما أكمل تعليمي .
آآآآآآآآآخ لماذا تأخر ذلك القرار ثلاثون عاما ؟
لماذا لم يصدر قرار منع الضرب والعقاب البدني للطلاب منذ منتصف السبعينيات ؟
أألآن فقط رأت الوزارة أن الضرب وسيلة غير ملائمة للتربية والتعليم ؟
هل يا ترى من حقي وبموجب هذا القرار الصادر , أن أقاضى كل مدرس ضربني في المرحلة الابتدائية ؟
لا تتعجلوا سادتي :
فأكثر ( إن لم يكن كل ) الضرب الذي تلقيته في تلك الفترة غير مبرر على الإطلاق , ولا داعي له ألبته , وهو إن لم يفسد حالي فهو لم يصلحه إطلاقا , وأكثر ذلك الضرب الذي تلقيته كان بسبب ( جدول الضرب )
وتلك قضيتي مع الحساب والرياضيات التي لم تجد لها حلا حتى الآن ,,,
ظللت أرسب في هذه المادة طيلة مراحل الدراسة من الابتدائي إلى الثانوي , ولأن الدخول للجامعة لا يتم إلا بالنجاح في كل المواد , كان لزاما علي أن أنجح بها , وقد فعلت بصعوبة شديدة جدا وبقدرة قادر .
ولعلها من سخرية القدر وعلى الرغم من الكراهية المستفحلة بيني وبين الرياضيات , شاءت الظروف أن أدرس محاسبة في أكثر من جامعة وأن أعمل محاسبا ( هذا قبل أن أدرس الاقتصاد ) .
نعود لموضوع الضرب , الحديث فيه مؤلم , لأنه لا تحكمه أي ضوابط إلا مزاج المدرس لحظة الضرب , وغالبا لا تكون الرغبة إصلاح الطالب , بل ممارسة الضرب وكفى كشيء روتيني لا بد منه .
ونواصل ما انقطع

البشير دفع الله
11-08-2008, 09:58 AM
( 7 )
ما إن دخلت الصف الأول في اليوم الأول إلا و تذكرت رائعة الأستاذ / محي الدين الفاتح ( أتطلع إلى امرأة نخلة )
أدخلنا أذكر في غرفة لا أعرف كنت لها اسما لكني أدركها وصفا
كبرت جسما عظمت جوفا , بهتت رسما بعدت سقفا
وعلى أدراج خشبية كنا نجلس صفا صفا
والناظر جاء وتلا قائمة الأسماء
أشار لأفخرنا جسدا أن كن ألفا
كان الألفة أتذكره
إن جلس فمجلسة أوسع
وان قام فقامته أرفع
وان فهم فأطولنا إصبع
لذا كان فينا الألفة
كم كان مثيرا لا يفهم
لكن الناظر لا يرحم
من منا خطاه الألفة
كن نهديه علب العملة والحلوى لتقربنا منه زلفى
- - - - - - - - - - - -
تكن مشدوها عند دخولك فصل دراسي للمرة الأولى , فحجرة الدراسة لا تشبة الغرف التي نعيش فيها في بيوتنا , فشكلها يختلف بشبابيكها الكبيرة من الحديد المتين وسقفها المرتفع المشيد من الزنك , ومبناها بالطوب الأحمر والأسمنت و مطلي باللون الأبيض من الداخل والخارج .
وبيوتنا من الطين ( اللبن ) والحجر صغيرة وضيقة وسقفها ( حصير وقنا ) وشبابيكها صغيرة ومصنوعة من الخشب وحيطانها مطلية من الداخل بالرمل الناعم ومن الخارج مطلية ( بالزبالة ) ولمن لا يعرفونها هي عبارة عن خليط روث البهائم مع بعض الطين مع بعض القش ويسمي ( برتاب ) وذلك حتى لا تتأثر بيوتنا بالمطر .
نعود للفصل مرة أخرى , وشخصية الألفة , أيضا تم اختيار الألفة وكان أكبرنا سنا وزاده الله بسطة في الجسم , ودائما ما يتعاقب علينا ألفة غبي , وهذه أشار لها الشاعر بقوله ( إن فهم فأطولنا إصبع , كم كان كثيرا لا يفهم ) .
ذكرت في حديثي أعلاه , أنني كنت لا أفهم ولم يكن لدي الصبر ولا الرغبة الكافية لفهم واستيعاب مادة الحساب , وكنت أرسب فيها باستمرار , وقد تتساءلون سادتي : ماذا تحب في الدراسة ؟
نعم كانت تعجبني حصة الأناشيد والمحفوظات , وهي السبب الوحيد الذي جعلني أصبر على قسوة الدراسة وجلافة وصلف بعض المدرسين , وكثيرا ما تجدني أترنم بأناشيد الصف الأول :
أشرقت شمس الضحى في السماء في السماء
أشرقت شمس الضحى في السماء الصافية
وهي تؤتنا الصحة , صحة صحة
وهي تؤتنا الصحة صحة وعافية
* * *
وننشد أيضا :
دجاجي يلقط الحبا ويجري وهو فرحان
كأن عيونه خرز له في الشمس ألوان
وظل هذا العشق الغريب للأناشيد معي منذ تلك الأيام وكبر معي وأمتد حتى شمل كل ما يطرب من كلمة معبرة ولحن شجي وصوت عذب , فأحببت الغناء وتعلقت به , ولكن ,,,,
ولأنني من أسرة محافظة نتيجة للجذور الصوفية في عائلتي , ( جدي لأبي مدفون في ضريح بإحدى قري جبل أولياء ) كان من رابع المستحيلات أن أمتهن الغناء أو أمارسه كهواية حتى , لذا لم أجد التشجيع اللازم , وكان المغني وقتها ( وبفهم أهل قريتنا ) تحوم حوله الشبهات من شرب للخمر وارتكاب الموبقات وهكذا ضاعت إحدى رغباتي , فاكتفيت بعالم المدائح النبوية فوجدت فيها بعض العزاء والسلوى ويا ليلى ليلك جن ومعشوقك أوه وأن .
علما بأن منطقة جبل أولياء هي من أنجبت في عالم الطرب المبدع الهادي حامد ( ود الجبل ) والطيب مدثر , فاتكم الكثير وما عندكم نصيب تستمعون لغناء ( العبد لله ) الذي لولا الظروف المذكورة أعلاه لكان له شأن في الغناء والطرب , ولأصبح له عدة بوستات لأغانية الخالدة يقوم بتنزيلها الشادن ووليد الحسين .
لا أود أن أسرح بخيالي الجامح ولكن الحديث ذو شجون , فاغفروا لي بعض ( التخريمات ) والحديث يجر الحديث أحيانا , تلك كانت مرحلة هامة جدا في تكوين شخصيتي , في المرحلة الابتدائية تبدأ الميول والاهتمامات تتكون وتنمو بصورة طبيعية لو وجدت التشجيع والمساعدة والتوجيه السليم ( لا المنع والردع ) .
الحصة الأخرى التي كانت تعجبني هي حصة الألعاب , في ركن قصي خارج سور المدرسة كان يمد المدرس خرطوش الماء في بركة , ليصنع لنا بعض الطين ( الصلصال ) , وكل منا يأخذ كفايته من الطين , ونجلس القرفصاء ونشكل ما شئنا بأيدينا , منا من يصنع ناقة ( جمل ) ومنا من يصنع تمثال لإنسان ومنا من يصنع عربة لوري وهكذا ويمر المدرس علينا واحدا تلو الآخر , يقدم توجيهاته ومساعدته أحيانا ,,,
بعد أن اغتربت بالخليج رأيت بأم عيني ( التي سيأكلها الدود ) أن الطين ( الصلصال ) يباع في السيوبر ماركت في أكياس قوية من البلاستيك الأسود ليستعين به الطلاب في تنمية مهاراتهم , أقسم لو حكي لي أحدكم ذلك لما صدقته , من يصدق أن الطين يباع في البقالات ؟
هذه الحصص التي تعجبني , أما أن تقول لي جدول الضرب ف ( يفتح الله ) , فقد ضربت بسبب هذا الجدول ضرب غرائب الإبل ولم أحفظه حتى الآن , ولن أحفظه مستقبلا , وجزا الله خيرا من صنع الآلات الحاسبة .
ونواصل ,,,

البشير دفع الله
11-08-2008, 09:58 AM
( 8 )
نواصل ما انقطع
قلت أنه لم تكن لدي رغبة في المدرسة , ولكن والدي أجبرني على الذهاب والمداومة عليها , لاعتقاده أنها أفضل من اللعب في الشارع , وأنها تصلح الحال , ولأنه كان يمني نفسه أن أصبح شيئا ذا قيمة في المستقبل بسببها .
وقلت أيضا أنني حرمت من رغبة جياشة كانت تجتاحني وهي أن أصبح مطربا , وحرمت أيضا من هذه الرغبة لعدم القبول من الأهل , لأنني لم أكن مصادما ولا عاقا ( حسب اعتقادي وقتها ) , وأتجنب المشاكل بقدر الإمكان فلم أصر على تحقيق هذه الرغبة و أكتفيت فقط بالدندنة عندما أكون وحيدا , ولكنني مازلت أحتفظ بأذني نظيفة , في التمييز بين الغناء والطرب و ( الزعيق والصراخ ) من ناحية أخرى .
في مدرستي الابتدائية كان هناك أناس مميزون أي مشهورون ومعروفون , بالطبع ليس لتفوقهم الأكاديمي ولكن لإشكالهم ( الواضحة ) فعباس مثلا كان سمينا جدا , فكان من الطبيعي أن يعرفه كل طلاب ومدرسين المدرسة , وكذلك عبد القادر الذي كان طويلا طولا فوق المألوف , فكان ظاهرا جدا , أما الحاج ويلقب ب ( حجو ) فكان قصيرا قصرا مميزا وكان مرحا كثير الهزار فهو معروف جدا .
وكان في كل مرحلة دراسية تمر بي أجد مثل هذه النمازج وهي أوصاف لا دخل للشخص بها وانما ( خلقة ) ربنا وبالطبع لا تنقص من قدره , قلت هذا الحديث لأنه كان هناك شيئا يميزني أنا أيضا ,,,,
وهو أنني كنت أرتدي نظارة طبية , نعم ارتديت هذه النظارة وأنا في الصف السادس الابتدائي , تعرضت لضربة في عيني اليسرى ب ( تيوة ) لا تستغربوا الاسم , فالتيوة هذه لعبة من الألعاب التي كنا نمارسها في الصغر مع جملة ألعاب أخرى مثل ( شليل ) و( الرمة وحراسها ) و ( شدت حرت ) و ( ليا ) هذه الألعاب تلعب مساء في الليالي القمرية فقط , وقتها لم تعرف الكهرباء طريقها لقريتنا , وبالطبع الأتاري والبلي استيشن كانت في حكم الغيب والمستحيل , فلا أطباق فضائية , ولا تلفاز من أصلة , والمثقفون والمترفون في قريتنا كانوا يقتنون ( الراديو ) وكان حجمه كبيرا ويعمل ب ( حجر البطارية ) ماركة ( ابو كديس ) .
لا تستغربوا ان قلت لكم ان من يمتلك ( راديو ) كان يتجمع عنده الجيران يستمعون إليه وخاصة في آخر شعبان وآخر رمضان من كل عام , ليشهدوا ( تثبيت ) رمضان أو تثبيت العيد .
أعود لأكمل لكم قصة التيوة , وهي عبارة عن قطعة تصنع من البلاستيك ( كفر السيارات ) الكبيرة ويتم مواساتها بالسكين لتصبح أصغر من الليمونة ويتم ضربها بخشبه أعتدت خصيصا لهذا الغرض تسمى ( الضرابة ) وينقسم اللاعبين فيها إلي فريقين , فريق يراوغ وفريق يدافع وهي لعبة عنيفة عموما , والضربة التي حدثت لي كانت نتيجة قذف للتيوة بواسطة الضراب لتستقر في عيني اليسرى مسببة نزيفا شديدا وعدم رؤية للعين اليسرى .
أوصى بصير القرية بعمل مكمدات دافئة للعين , بوضع رماد ساخن ( هبود ) في قطعة قماش وتربط قطعة القماش ثم تمرر قطعة القماش هذه على عيني وهي مغمضة عدة مرات واستمريت على هذه الحالة ولكن الاستجابة كانت بطيئة جدا , عندما اتذكر ذلك الموقف , أتذكر طه حسين في كتابه ( الأيام ) عندما تم علاجه بواسطة بصير جاهل , وكان وقتها أي الطفل طه حسين يعاني من ألم في عينيه فطلب منهم أن يصبوا شيئا ( خلطة ما ) عليها فكان أن أصيب بالعمى التام , لا تتعجلوا بالطبع لست مثل الدكتور طه حسين ولا الموقف مشابه , ولكن لله المثل الأعلى وهذا ما تذكرته في أحد الأيام فقط .
أخذني أبي لمستشفى بحري للعيون وعرضني على الأخصائيين هناك وأعطوني قطر وعلاجات لفترة طويلة واستجبت جزئيا للعلاج , وصارت عيني ترى بصيصا من النور تزايد إلي أن وصل الحد الذي أرضى الأطباء وأعتبروه شيئا إيجابيا , وكتبوا لي وقتها نظارة طبية .
أقنعوني وقتها أن من يرتدي النظارة الطبية هم صفوة المجتمع وعلية القوم و ( الناس المهمين ) واستشهدوا لي بعدة نماذج وجدتها فعلا كذلك ( ولكنني لست منهم ) وان تمنيت ذلك واغتبطت به , ولكن فيما بعد وجدت أن الصديق ود الدود ( رحمه الله ) يرتدي نظارة ( قعر كباية ) وهو نجار مراكب وكذلك حاجة حبيب ( رحمها الله ) ترتدي نظارة ( قعر كباية ) وهي دلالية , يعني ليسوا من الناس المهمين فتيقنت عندها أنها كانت خدعة ليس إلا.
هذه النظارة جعلتني مميزا في المدرسة ومشهورا , وحرمتني من اللعب والجري و ( النطيط ) خشية أن تنكسر النظارة خاصة وأن أبي اشتراها لي من ( تبيدي للنظارات ) بشارع الجهورية بمبلغ 42 جنيها سودانيا , وهو مبلغ ضخم جدا بمقاييس ذلك الزمان , عرفت وقتها ماذا يعني أن ينفق الأب كل ما يملك ومهما تكلف في سبيل صحة وسعادة أبنائه وتيقنت أكثر من ذلك بعد أن أنجبت ابنتي بالخليج وكنت أنتظر الفراغ من عملي يوميا لأذهب للبيت لأراها وقتها عرفت وتألمت حد البكاء , كم نجحف في حق آباءنا و أمهاتنا بابتعادنا عنهم والاغتراب عنهم سنين عددا , واستفتيت شيخا فأخبرني أن ذلك يدخل ضمن ( عقوق الوالدين ) ان كنت متعمدا عدم السفر لرؤيتهم مع استطاعتك نسأل الله العفو والغفران , و أن يعيدنا إلى أهالينا سالمين غانمين .
أكملت المرحلة الابتدائية بخيرها وشرها , وخطوت خطواتي الأولى للمرحلة المتوسطة ( الثانوي العام ) وهي مرحلة تعتبر نقلة في حياتي , فالزي الذي أرتديه تغير إلى اللون ( الرداء) الرمادي الغامق , والقميص إلى اللون الرمادي الفاتح , وأفضل ما يميز هذه المرحلة أننا كنا نمتطي لها مواصلات , فالمدرسة المتوسطة كانت في جبل أولياء حوالي 7 كلم من قريتنا , وشيئا آخر مهم يميز هذه المرحلة وهو أننا سندرس اللغة الإنجليزية للمرة الأولى , وسندلف لهذا العالم الجديد الغريب المثير , و و و و
ونواصل بإذن الله

Abdelazim
11-08-2008, 03:50 PM
أشكرك ابو توتة علي الاستجابة
ونحن في انتظار المزيد

البشير دفع الله
11-09-2008, 08:32 AM
أشكرك ابو توتة علي الاستجابة
ونحن في انتظار المزيد

معك يدا بيد وساعد بساعد

كل الود

ام احمد
11-09-2008, 12:09 PM
وانا كمان منتظرة المذيد بلهفة

عادل القاسم
11-09-2008, 10:20 PM
ياخي انت كاتب بجد..
ولبق وحديثك سهل ممتنع..
ياريت لو امتعتنا بالمذيد..
منتظرين..

البشير دفع الله
11-10-2008, 09:00 AM
وانا كمان منتظرة المذيد بلهفة

أهلا ومرحبا بك أختي أم أحمد
شاكرا لحضورك الجميل
كوني معنا لنواصل

البشير دفع الله
11-10-2008, 09:01 AM
ياخي انت كاتب بجد..
ولبق وحديثك سهل ممتنع..
ياريت لو امتعتنا بالمذيد..
منتظرين..
مرحبتين بالعزيز عادل القاسم
يا ريت والله أكون كاتب بجد
لكن البوقولوا ليهو سمين يقول آمين
كل الود

البشير دفع الله
11-10-2008, 09:04 AM
( 9 )
قلت أنني خطوت نحو المرحلة المتوسطة تحدوني آمال عظام , قد يتساءل بعضكم , وما هي المرحلة المتوسطة هذه ؟ وأين توجد الآن ؟ كانت موجودة والله يا سادتي , عندما كان السلم التعليمي به ثلاثة مراحل دراسية وهي المرحلة الابتدائية وقوامها ستة سنوات , ثم المرحلة المتوسطة وقوامها ثلاثة سنوات , ثم المرحلة الثانوية وقوامها ثلاثة سنوات ولكن غيرت الوزارة السلم التعليمي وزادت سنوات المرحلة الابتدائية إلى ثمانية سنوات وأبقت المرحلة الثانوية كما هي على ثلاثة سنوات , وأصبحت المرحلة المتوسطة في عداد المفقودين يعني ( بح ) ,,,
وهذه ليست المرة الأولى التي يتغير فيها السلم التعليمي في السودان , فقد علمت أن السلم التعليمي الأول كانت به ثلاثة مراحل المرحلة الأولية وقوامها أربعة سنوات ثم المرحلة الثانوية العامة وقوامها أربعة سنوات ثم المرحلة الثانوية العليا وقوامها أربعة سنوات , ثم تغيرت للسلم الذي ذكرته لكم أولا .
أن تدرس بالمرحلة المتوسطة , ينظر لك أهل قريتنا على أساس أنك تدرس بالجبل ( لأن المدرسة كانت بجبل أولياء ) ويعطونك اهتماما أكبر وتصنف بأنك شخص كبير ومسئول , وعادة في المناسبات بالقرية ( الأفراح أو الأتراح ) يوكلون إلية مهمة مسك ( الكشف ) وهي المساعدات التي يقدمها أهل القرية فيقوم بتسجيل الاسم في الدفتر ويمسك مبلغ المساهمة في صندوق ( غالبا ما يكون الصندوق علبة حلاوة فارغة ) وغالبا ما يساعده أحد زملائه في هذه المهمة .
وطالب المرحلة المتوسطة هذا أيضا تتم الاستعانة به في كتابة الخطابات المهمة ( الخاصة ) لمن لا يعرفون القراءة والكتابة من كبار السن في قريتنا الذين لهم أبناء ( مغتربين ) بالخارج , فتتم دعوة الطالب لكتابة هذا الخطاب , ويقوم أهل المغترب بتلقينه ماذا يكتب , فيقوم هو بصياغة كلامهم بصورة جميلة ويكتبه , ثم يقاطعون كل شويه ويقولون له :قول ليهو نحن طيبين وما علينا عوجه , وقوليهو خالتك نفيسة ولدت , وأبوك الحمارة باعها , ورسل لينا المصاريف. اقرأ كتبت لينا شنو ؟ فيقرأ ويعيد ويعدل إلى أن تنتهي مهمته بسلام , ويكون قد منح كوبا من شاي الحليب المعتبر .
ويذهب وتلاحقه الدعوات الصالحات , طبعا يكون هذا الطالب مزهوا بنفسه , وفخورا جدا بالمهمة البطولية التي قام بها ويمتد إلى الفخر إلى والدة ووالدته , لأن ابنهم صار يستدعى لأداء مهام عظيمة وجسيمة .
لا تتعجبوا سادتي هذه الأحداث ليست بعيدة هي فقط منذ خمس وعشرون عاما , الذين يتعلمون بالمرحلة المتوسطة كنا نعدهم على أطراف أصابعنا وكنت بلا فخر واحدا منهم , ولا يوجد أناس بالمرحلة الثانوية , بل لا توجد مدرسة ثانوية أصلا بجبل أولياء , طبعا لا مجال للحديث عن الجامعة في ذلك الزمان .
كنا نقف في محطة المواصلات في السابعة صباحا ننتظر البص الذي يقلنا لجبل أولياء للمدرسة , وكان ذلك البص عبارة عن لوري ( بد فورد ) صنع له صندوق حديدي قوي جدا وله بابان قويان ولونه أزرق ومكتوب علية ( الخرطوم جبل أولياء وبالعكس ) بخط كبير وواضح ولم تتغير وسيلة المواصلات هذه إلا أواخر التسعينيات من القرن الماضي , وتم استخدام الحافلات ( روزا وميتسوبيشي وتويوتا ) وكان البص يأخذ منا مبلغ عشرة قروش نظير ايصالنا للمدرسة .
أما أخواتنا الطالبات وكن قلة ( ثلاث أو أربع ) يقفن بعيدا منا على استحياء بالقرب من محطة المواصلات ( وبالبعد ) منا ( تذكرت لاحقا قصة بنتي سيدنا شعيب عليه السلام مع سيدنا موسى علية السلام , قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاة وأبونا شيخ كبير ) , كانت الطالبات يرتدين زي المرحلة المتوسطة وهو عبارة عن قميص طويل يغطي الركبة بقليل مع بنطلون وكلها باللون البني الفاتح أو اللون الأحمر الغامق أو شي من هذا القبيل ( دائما ما تتهمني حرمنا المصون أنني لا أفهم في الألوان وهذا صحيح ) مع طرحة بيضاء تلف بالرأس بعناية إلا أن يأخذها الهواء يمنة ويسرى فتضطر صاحبتها إلى تعديلها واعادة تربيطها ولفها مرة ومرات خاصة خلال فصل الشتاء الذي تكثر فيه الرياح الجافة و بالطبع تلاحقها النظرات إلى أن تفرغ من مهمتها , كنا ننظر إليهن كشيء جديد علينا , أو ربنا لأننا نحس أننا وهن صرنا ( صفوة المجتمع ) و صفوة القرية .
مجتمع القرية يختلف عن مجتمع المدن في تعاملهم مع بعضهم البعض ومع الغريب حتى ( وبالذات في ذلك الوقت ) , لذا كانت نظرتنا لأخواتنا الطالبات وبنات القرية عموما نظرة الأخ لأخته لا أكثر , وترانا أكثر نخوة وشهامة من جيل اليوم في قريتنا ومن أبناء المدن تحديدا , ( وما تزعلوا يا ناس البندر دي حقيقة ) ودائما ما نقول أن ( الخرتوم لحم راس ) أي متعدد الأجناس والقبائل والسحنات كلحم الرأس .
كنا نعرف أولئك الطالبات معرفة تامة آبائهن وجدودهن وكل شجرة العائلة , ونعرفهن مذ كن يافعات ولعبنا معهن ألعاب الأطفال البريئة في وقت مضى , إلى أن كبرنا وكبرت أحلامنا , وظهرت عليهن بعض العلامات وكذلك علينا علامات أخرى , وتفرقت بنا السبل , وتوقفنا عن اللعب , وليتنا ما توقفنا ,,,
هي فطرة الله في أرضة , وغريزة لا يمكن تجاهلها بأي حال من الأحوال , تلك هي انجذاب الذكر للأنثى , لا أنكر كنا نوليهن اهتمام وعناية , بل كنا نهتم بمظهرنا عند وقوفنا بالمحطة في انتظار البص , فنعدل من هندامنا ما استطعنا ونتجمل بكل ما أوتينا من إمكانيات ( هل نشبه الطاؤوس في ذلك ؟ ) , وهن يفعلن ذلك أيضا بلا شك , الطريف في الأمر أننا لم نبلغ بعد مبلغ الرجال تماما , و لا أستطيع أن أصف الموقف بالضبط , فهو ليس حبا ولا إعجابا , لانه لا يخص بنتا بعينها , ولكنه إحساس لا أستطيع أن أنكره أو أصفه .
كم أود أن أكون بطلا أمامهن , أو أن أقوم بأعمال خارقة , فقط لأستحوذ على نظرات إعجاب واستحسان ناهيك عن ابتسامة عذبة أو كلمة إطراء ترفع من المعنويات , وتشعرك بأنك رقم مهم في الحياة .
كانت تعجبني الكلمات الإنجليزية وكنت اعوج فمي بلا داعي لأنطق بالكلمة وبالطبع لا يفوتني أن أقول ما تعلمت في البيت والشارع وفي المواصلات , لأستحوذ على إعجاب وانتباه من يسمعني , وكنت أحس بالغيظ الشديد , إذا لم ينتبه أحد لما أقول , وأكون قد اجتهدت و أخرجت كل ما عندي , وأحيانا كنت أنطق الكلمة وأضيف حروفها حرفا حرفا ( أنطق الاسبلينغ لها ) مثلا أقول ( كات ) سي أي تي ,,,
بعد أن كبرت وذادت حصيلتي من التعليم صرت أضحك على نفسي كلما تذكرت ذلك الشيء وأخجل منه ولكنه الماضي وأقوله لكم بكل صدق و و و
نواصل بإذن الله

البشير دفع الله
11-10-2008, 09:06 AM
( 10 )
نواصل
قلت أنني لم أكن أحب المدرسة عندما دخلتها مجبرا , ولكن تغير الحال تدريجيا , ربما لأنني تعودت عليها , وربما لأنني لمست فيها فائدة ما , المهم أنها لم تعد ( بعبعا ) مخيفا بالنسبة لي .
الإنسان بطبعه يميل للتغيير والجديد في كل شئ , سنوات المرحلة الابتدائية كانت طويلة ومملة ( ست سنوات ) , ودخلت المرحلة المتوسطة ومعي آمال عظيمة عن عالم جديد أرتاده للمرة الأولى , واستمتعت تماما بالسنة الأولى , بما تحمله من دهشة , وانبهار عظيمين , وبما تحمله من جديد في عالم الدراسة وعالم الحياة الاجتماعية وعالم ( الاهميات ) التي ذكرتها لكم أعلاه , وبلا مبالغة كنت أعتبر المرحلة المتوسطة هي الفيصل بين عالم الطفولة ( الابتدائية ) وعالم النضوج ( الثانوية ) فهي بين بين ولعل هذا ما عجل بإزالتها تماما من الخارطة التعليمية .
فالسنة الأولى لا تنسى في كل شئ في ( الابتدائية أو المتوسطة أو الثانوية أو الجامعة أو الحياة العملية أو الاغتراب ) فهي تشكل تعايشك مع العالم الجديد الذي ترتاده للمرة الأولى , والسنوات التالية تعتبر تكرار للسنة الأولى .
دخلت الصف الثاني بالمرحلة المتوسطة والنميري يعلن للعالم تطبيق قوانين الشريعة الإسلامية والتي تعرف أيضا بقوانين سبتمبر , والتي كان عرابها الدكتور حسن الترابي ( الرجل المثير للجدل ) وأشهر قضاتها على الإطلاق الدكتور المكاشفي طه الكباشي , ورأينا النميري وبعض مؤيديه في التلفاز يكسرون قوارير الخمرة ويسكبونها في النيل ( الخمرة التي طالما ارتشفها في حياته وحتى في أثناء اجتماعاته حسب ما يروي معاصروه ) وتم إغلاق مصانع البيرة والشري وكآفة المسكرات بالمنطقة الصناعية بحري ( ولم تفتح هذه المصانع ولم تقم لها قائمة مرة أخرى حتى كتابة هذه المذكرات ) وأغلقت البارات وبيوت الخمور البلدية ( العرقي والمريسة والخ ) وأغلقت بيوت الدعارة والرذيلة .
وتضاربت الآراء حول هذه القوانين ( بعد ذهاب النميري ) فالإسلاميون يرون أنها أول تجربة لحكم إسلامي بالسودان , ومعارضوها يرون أنها تشويه لشريعة الله في أرضه وتطبيق لها على الضعفاء دون الأقوياء , ما علينا ,,,
ذاد طولي قليلا وأصبح للرأس رقبة لا بأس بها , وكان شكل رأسي مستطيلا من أسفل إلى أعلى مع بروز في الأذنين بصورة ملفتة للنظر ( كأنه مرآة لوري سفريات ) وكنت أتعمد إطالة شعر رأسي حتى أخفي هاتين الأذنين , ولكن المدرسون كانوا لي بالمرصاد , ما إن يروني حتى يبادروني : بكرة لو ما حلقت شعرك ده ما تجي ,,,
بل أحد المدرسين ( الأشاوس ) فتح الله عليه بفكرة جهنمية , أن أحضر ( مقصا ) , وعندما يرى طالبا شعره أطول من المألوف , كان يستدعيه في طابور الصباح ويقص له شعره من الأمام فقط فيصبح مثل ( عمك تنقو ) طيلة النهار , وبعد الانصراف يذهب الطالب مجبرا للحلاق , للحلاقة و إصلاح ما يمكن إصلاحه , وكان لي عظيم الشرف بقص شعر رأسي عدة مرات على يد ذلك المدرس .
لم تتصدق علي إحدى حسان المرحلة المتوسطة ( بنظرة ما ) طيلة العامين الأولين من المرحلة المتوسطة مع أن هيئتي لا بأس بها , صحيح أنني لم أكن وسيما , قسيما , متناسقا , ولكنني كنت مؤدبا , مهذبا , أرتدي نظارة طبية جميلة , كثير الصمت , قليل الكلام والابتسام , أحمل دوما ( شنطة ) أنيقة من الجلد الفاخر , أحضرها لي والدي من السعودية ( عندما كان مغتربا ) فداء الاغتراب جاءني بالوراثة والحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه .
والمؤسف أيضا أنني لا أملك أي مواهب تجذب الفتيات , كما أسلفت لم أكن متفوقا دراسيا بشكل ملحوظ , ولم أكن أمارس الرياضة إلا بصورة عادية ( الدافورى والشليت ) في الحي فنظارتي الطبية تمنعني من كل الألعاب خشية أن تنكسر كما أسلفت , كما لم أكن فنانا ( مطربا ) , يعني لا كفر لا وتر , فان جاءني إعجاب من إحداهن فالا من الله .
والله كريم , والله بدي الجنة , ولن أيأس , ولا بد من صنعاء وان طال السفر ,,,
ونواصل ,,,

ام احمد
11-10-2008, 10:47 AM
ماتتأخر علينا بلاي منتظريين

البشير دفع الله
11-10-2008, 11:02 AM
ماتتأخر علينا بلاي منتظريين

حاضرين يام أحمد
الواحد بيسعد جدا لما يلقى زول يقرأ ( الشخبطة ) بتاعتو دي
كل التحايا والتقدير

Rahal
11-10-2008, 06:07 PM
الاخ البشيرلك التحيات الزاكيات . . . بس اقنعني هل دي مذكرات زول عادييييييييييييييييييييييييييييييييييي؟؟؟

Abdelazim
11-10-2008, 06:37 PM
الاخ البشيرلك التحيات الزاكيات . . . بس اقنعني هل دي مذكرات زول عادييييييييييييييييييييييييييييييييييي؟؟؟


انا والله من رأيك يا بابكر

سمير الروح
11-11-2008, 07:01 AM
والله مبالغة يا البشير دفع الله
معقول الحلاوة دي كلها مذكرات شخص عادي؟

البشير دفع الله
11-11-2008, 08:23 AM
الاخ البشيرلك التحيات الزاكيات . . . بس اقنعني هل دي مذكرات زول
عادييييييييييييييييييييييييييييييييييي؟؟؟

الأخ Rahal
لك التحية والتقدير
أشكرك على الحضور الجميل
هي مذكرات شخص عادي من عامة الناس , ولم يصل لشئ غير عادي ولم يسع اليه

البشير دفع الله
11-11-2008, 08:30 AM
والله مبالغة يا البشير دفع الله
معقول الحلاوة دي كلها مذكرات شخص عادي؟

أهلا ومرحبا بسمير الروح
كل التحايا والتقدير
واشكر لك الاطراء والحضور الجميل
كن دائما بخير

البشير دفع الله
11-11-2008, 08:32 AM
( 11 )
نواصل
أكملت الصف الثاني بالمرحلة المتوسطة بخيره وشره , ودخلت الصف الثالث , وأكملت استعداداتي لامتحانات الشهادة المتوسطة لكي أدخل عالما جديدا وهو الثانوي العالي , وغالبا ما تعقد امتحانات الشهادة في مارس لذا يسمى ( مارس شهر الكوارث ) ولكن امتحانات الشهادة المتوسطة كانت في أبريل , ولكن بدأت الكوارث فعلا منذ نهاية مارس , عندما عمت الإضرابات بعض نقابات العمال وأهمها نقابة الأطباء ولمع للمرة الأولى نجم الدكتور الجزولي دفع الله ( نقيب الأطباء وقتها ) الذي أصبح فيما بعد رئيس الوزراء , واندلعت بعض المظاهرات وتصدت لها قوات الأمن بالرصاص والهراوات وامتلأت المعتقلات والسجون ( ككل الأنظمة العسكرية التي حكمت السودان ) , ومارس زبانية النظام المايوي تعذيب الأبرياء ما شاء الله لهم إلى أن جاء الفرج .
لك الله يا سودان , ولك الله يا أفريقيا فكم من جنرال حكم وطغى وبغى وأذاق شعبه سوء العذاب , والنميري منهم , فحكامنا سادتي ديناصورات , من يعتلي سدة الحكم لا ينزل عنه إلا بالجليل الرحيم , عساكرا كانوا أم طائفية .
كنت ذاهبا ذلك الصباح لأتفقد موضع جلوسي لامتحان الشهادة المتوسطة ( وكان ذلك يوم توزيع أرقام الجلوس ) ولكن كانت تتعالى موسيقى عسكرية من الراديو ومارشات تتكرر وتنتهي لتبدأ من جديد , وحصلت على رقم جلوسي وعدت لمنزلنا سيرا على الأقدام ( فلم تكن توجد مواصلات ) للظروف المذكورة أعلاه , أخبرني وقتها والدي ( وكان ضليعا بالأمور السياسية والانقلابات إذ أدرك في صباه انقلاب عبود في نوفمبر 58 , وحضر في شبابه ثورة أكتوبر 64 وفي منتصف عمره أدرك انقلاب مايو 69 وأدرك حتى الانقلابات العسكرية التي لم تكلل بالنجاح ) أخبرني أن انقلابا عسكريا أو أن شيئا عسكريا كبيرا يحدث الآن , وربما أن هناك بيان عسكري تتم صياغته الآن .......
وقد كان والحمد لله , أن أعلن الفريق عبد الرحمن سوار الذهب حل الحكومة والأجهزة التابعة لها وكون مجلسا انتقاليا لحكم البلاد لمدة عام واحد يتم خلاله ممارسة العمل السياسي لحزبي للجميع بحرية تامة والاستعداد لانتخابات عامة بالبلاد ( في ذلك الوقت كان الرئيس النميري بالقاهرة ومتجها لأوربا وأمريكا في رحلة ما ).....
لا أتعمد الزج بالأحداث السياسية في كتابة المذكرات هذه فلست من روادها , كما أنني لست جزءا مباشرا أو مؤثرا بها سلبا أو إيجابا , ولكنها أحداث مرت أثناء حياتي وكان لها بالطبع الأثر الكبير على مجريات الأحداث , ما علينا .
امتحنت ونجحت آليا , وبدأت أمنى نفسي بالدراسة بالمرحلة الثانوية , وكانت تعتبر فتحا جديدا بالنسبة لي وأمنية أراها تتحقق أمامي , أن أرتدي البنطلون البني والقميص الأبيض وكان هذا زي المرحلة الثانوية , قبل أن يسود ذلك الزي القبيح الذي لا يشبه التربية والتعليم ( زي الصاعقة ) المدارس الثانوية وتم افتتاح أول مدرسة ثانوية بجبل أولياء قبل دخولي لها بعامين فقط , وكانت تستوعب الطلاب من الشجرة مرورا بالكلاكلات وحتى قري جبل أولياء جميعا , وللمرة الأولى أصبحنا نختلط بالطلاب الدناقلة والمحس من أبناء الكلاكلة .
وكونت مع أولئك الطلاب صداقات لا بأس بها , وكانوا يمنحونني البلح ( البرقاوي ) الفاخر وأنواع أخرى من التمور لا أعرف لها اسما , المهم أنها أنواع جيدة ونظيفة من التمور الطازجة , لست انتهازي وهم كرماء , وأنا استاهل على قول وردي الله يمسيه بالخير ,,,
مما حببني للمدرسة الثانوية , أن أخبروني أنه لا يوجد بها ضرب , اللهم إلا ضرب الجرس , ولكن وجدت هذه المقولة خطأ , كان يوجد في ذلك الزمان في كل مدرسة ثانوية ( صول ) , والصول هذا سادتي حكايته حكايه , فهو يتحدث في كل شي , ولا يجيد الحديث عن أي شي , ويمتاز بغبائه الشديد ( ولا ادري هل صفة الغباء هذه تخصه وحده أم أنها صفة ملازمة لكل من تعسكر وصار صولا ) , حتى أن الطلاب كانوا يطلقون عليه النكات التي تؤيد ذلك الغباء المستفحل فيه علما بأن ذلك الصول منتفخ زهوا وشموخا كأن حواء لم تلد مثله .
كانت مهمة ذلك الصول هي حفظ النظام و إعداد طابور الصباح والمشاركة فيه ( بالكلام الفارغ ) الخارم بارم ومعاقبة الطلاب بناء على تعليمات المدرسين بالإضافة إلى تدريب الطلاب بنظام يسمى ( الكديد ) ,,,

ونواصل

البشير دفع الله
11-11-2008, 08:34 AM
( 12 )
قلت إن شخصية الصول كانت مثيرة للجدل , لجمعه بين صفتين هما الجهل والغباء , وتندر الطلاب عليه بالروايات التي تؤيد هاتين الصفتين , وبالطبع بعض هذه الروايات صحيح , وبعضها من نسج خيالهم , ولكن أذكر أن الصول كان حريصا على حضور الطلاب في الموعد المحدد , ومن يتأخر عن الموعد , كان ينتظره على باب المدرسة ممسكا بخرطوش أحمر ليلهب ظهور ومؤخرة المتأخرين بثلاثة أو بخمسة سياط , وسمعت أن بعض الطلاب الذين يتأخرون عن الموعد , كانوا يقفزون من سور المدرسة الخلفي بالقرب من الحمامات ( حيث لا يراهم الصول ) ويدخلون فصولهم بسلام , وقيل أنه في إحدى المرات ضبط الصول مجموعة من الطلاب وهم يقفزون السور , فقبض عليهم ونالوا على يديه جزاءهم , وقال لهم متحديا : نحن السور ده حانهده نشوفكم تاني بتنطو بي وين ,,,
ذكرت أن السنة الأولى في أي مرحلة دائما ما تحمل الدهشة والروعة والتجديد , وتتلاشى هذه الصفات في العام الثاني , فهناك إحساس لا أستطيع وصفة تحديدا في أولى ابتدائي وأولى متوسطة وأولى ثانوي وأولى جامعة وأولى عمل و أولى اغتراب وحتى أولى زواج , ولعل الكثيرين يشاركونني هذا الشي , ما علينا
أولى ثانوي عندي صادفت أوج النشاط السياسي إبان الفترة الانتقالية التي حكم خلالها سوار الدهب ود. الجزولي دفع الله , وبالطبع وبعد طول غياب عن الديمقراطية ( 16 عاما فترة حكم النميري ) , نهضت الأحزاب السياسية من نومها , ونفضت عنها الغبار , وأصدرت صحفها , و أقامت مؤتمراتها الفرعية والمركزية , وبدأت في استقطاب الشباب الذين لا توجه سياسي لهم خاصة , باعتبارهم الدماء الحارة , ويسهل جرهم , فبهروا أعيننا بالحديث عن ( الديمقراطية والحرية , العدل , والمساواة و و الخ ) كلام كتير وكبار كبار ,,,
وكان يعجبني تحديدا حديث الشيوعيين لما يحويه حديثهم من مفردات نادرا تداولها وكلمات كبيرة ورنانة ( البروليتاريا , أفيون الشعوب , الكادحين , البيروقراطية الانتهازية و و عييييييييييييييييك ) وكنت أحب التلفظ بهذه الكلمات , حتى دون أن أفهم معناها , فهي تعطيني إحساسا أنني إنسان ناضج ومثقف ومطلع , خاصة وأنني أرتدي نظارة طبية , مما يعطي جدية وأهمية لحديثي وتوغلت , وقرأت و و و ( الكلام ده ما يزعل مني ناس هشام آدم . )
هي أحداث ووصف أقوله بصدق , وهو ما رأيته و ما كنت أحسه وقتها , ما علينا
قصدت أن أقول أن كل الأحزاب السياسية تكالبت على الطلاب بالثانوية والجامعات باعتبار أكثرهم لن يكون منتسبا لأي تنظيم ( حزب ) , وأنهم يشكلون نصف الحاضر وكل المستقبل , وهذه حقيقة , كان ذلك أول عهدي بالسياسة , وليته لم يكن , وتلاشت ( غناها وردي في يوم ما في النميري ) :
يا حارسنا ويا فارسنا
لينا زمن نفتش ليك
وجيتنا الليلة كايسنا
وتم استبدالها ب :
لاك حارسنا ولاك فارسنا وأخير منك كلابنا وكدايسنا
وكل الأغاني والأناشيد التي تمجد ثورة مايو تم حذفها من مكتبة الإذاعة والتلفزيون , ولم نعد نسمعها بعد أبريل 85 م.
وخيرا فعلوا , ما قذف بنا في هذا الدرك الأسفل ( نحن العرب والأفارقة ) إلا كثرة تمجيدنا وتغنينا وتملقنا لحكامنا وملوكنا , فجعلناهم شبه آلهة , وبما ألبسناهم لهم من ألقاب ومسميات كبيرة ورنانة .
غفر الله للجميع ذلك تاريخ سلف
ونواصل ,,,

البشير دفع الله
11-11-2008, 08:41 AM
( 13 )
نواصل ما انقطع
السودان ليس وحده الذي ابتلاه الله في القارة الأفريقية بحكم العسكر , فأغلب هذه القارة السمراء إن لم يكن كلها حكمه ويحكمه ( جنرالات ) جاءوا للسلطة بقوة السلاح , وشعوبهم المقهورة لا حول لهم ولا قوة , يرزحون تحت الثالوث المقيت ( الجهل , الفقر , المرض ) , ومازالت الدول الأوربية التي كانت تستعمره سابقا , تفرض وصايتها على حكامه وشعبه وتملي شروطها عليهم كأنه استعمار من نوع جديد ,,,
وظلت الحروب الأهلية والقبلية تعصف بهم فتنهك الاقتصاد ( الأصلا منهك ) وتقضي على مئات الآلف سنويا من الشباب والنساء والأطفال , وظلت القارة الأفريقية ومنذ مئات السنين , غنية بمواردها الطبيعية وثرواتها البكر , وفقيرة في إنتاجها , مواطنها مغلوب على أمره , ويحتل المؤخرة بين شعوب العالم وعن جدارة , ولا يتزحزح ولا يتنازل عن لقبه هذا .
السودان جزء أصيل من أفريقيا , من حيث كبر مساحته , وتعدد قبائله وأعراقه , واشتراكه حدوديا مع ثماني دول أفريقية , وانصهار قبائله مع قبائل الدول التي لها حدود مشتركة معه , واشتراكهم أو تشابههم في العادات والتقاليد ككل
هي تخريمه لا بد منها ,إذ أن نسبنا لأفريقيا أكثر من نسبنا للعرب , الذين أخذنا منهم اللغة العربية والدين الإسلامي , والدول العربية ليست بأفضل حال منا , فشعوبهم أيضا مضطهدة ( بالمعايير الحديثة للديمقراطية ) , ومازالوا يرزحون تحت حكم شمولي من نوع آخر , وهو حكم الملوك والأمراء , وهو تسلط يجعل الحكم وراثيا , وتستأثر بثروات وخيرات البلد أسرة واحدة , فتعيش حياة ترف وعز , بينما عامة الشعب يعيشون على الفتات ,,,
ده كلام شنو ؟
وأنا الجابني أصلا أتكلم في الحاجات دي شنو ؟
وأنا أعيش الآن تحت حكم ملكي
ما علينا ,,,
كانت المرحلة الثانوية مختلفة بكل المقاييس , قد اعتبرها فترة نضوج عقلي وفكري , وقد اعتبرها تغيير كبير بالنسبة لي لأنها فتحت أمامي آفاقا عريضة , وكما قلت سابقا , أن طلاب المرحلة الثانوية من قريتنا تحديدا كان يعدون على أصابع اليد الواحدة لقلتهم , أما الطالبات فكن ثلاثة فقط , يزين وجودهن محطة المواصلات بزيهن باللون الأزرق الجميل ( اللبني ) مع الطرحة البيضاء , وأصبح الزي الآن ( مبرقعا ) كزي رجال الصاعقة ( قبيح وشين ) ,,,
كن دائما يأتين مبكرات لمحطة المواصلات للذهاب للمدرسة عكسنا تماما , ولكننا ضبطنا حضورنا على موعدهن فأصبحنا نأتي مبكرين , ونقف أقرب ما يكون إليهن , خاصة عندما يأتي البص , فنفسح لهن المجال للركوب قبلنا , ويتم تبادل النظرات الجافة مع التحديق الطويل , كان أكثرنا جرأة زميلنا حسن , الذي يكثر من التبسم بسبب وبلا سبب ,فكان أوفرنا حظا , ويحظى بتبادل الابتسام , وبعض الكلمات القليلة أحيانا , وننظر إليه واليهن باعجاب وحسد .
أما شخصي ( النحيل ) وصديقي عاطف , فكنا أخيب ما يكون , ترتسم على وجوهنا البلاهة الظاهرة في مثل هذه المواقف , ولا نحسن الكلام ولا التصرف , كأنما جئنا من كوكب آخر ,,,
أوقعني حظي العاثر ذات مرة بالقرب من مقعد ( زهراء ) وكنت واقفا قبالتها وكان البص ممتلئا عن آخره , وكنت أقف مرتبكا , مقطبا وجهي , محدقا بشباك البص أرى الأشياء من خلاله تجرى للخلف بسرعة البص , حاولت أن أرجع للخلف أو للأمام قليلا فلم أفلح , لا مكان بجانبي لموضع قدم , وعلي أن أكمل الرحلة هكذا إلى أن تأتي محطة قريتنا , ومر الكثير على ذلك وأصبت ( بالتعرق ) وابتلت الكتب التي أحملها , وكذلك وجهي فتتزلق النظارة عنه فأعيدها فوق أنفي , وتتزلق مرة أخرى وهكذا ,,,
وبينما أنا هايم في ذلك الملكوت جاءني صوت ناعم كالحرير , كأنه جاءني من عالم آخر بعيد بعيد بعيد ,,,,
ممكن أمسك ليك كتبك ؟
يا الله , يارب السماوات والأرض , إنها ( زهراء ) , إنها هي نعم هي التي تتحدث
هل أصفها لكم ؟
هي فوق الوصف , فوق النهى , جميلة فوق الجمال , رائعة حد الدهشة , بسيطة , وعزيزة , وطيبة , و و و
لم أتوقع السؤال ولا الطلب , ولكنه كان حقيقة واقعة , ولا بد أنني قد أثرت إعجابها , بأدبي وخلقي ( لا خلقتي ) التي أعرفها جيدا ( لا تسر ) , وبالطبع أنها كانت تنتظر مثل هذه اللحظة منذ فترة طويلة , لتكون قريبة مني وتتكلم معي , وتمسك لي كتبي , ياه كم عانت هذه المسكينة ؟ وأنا لم أعرها اهتماما من قبل , كم كنت غبيا , كيف لم ألاحظ إعجابها بي من قبل ؟ كم كنت لا أفهم المشاعر والأحاسيس , فهمي كالعادة في مثل هذه الأمور يأتي متأخرا ,,,
ولكن لا عليك يا زهراء هاءنذا أمامك الآن بشحمي ولحمي , وتمور بداخلي العواطف الجياشة التي أكنها لك منذ زمن بعيد لا أعلم مداه , وكم كنت أنتظر قدومك للمحطة , حتى تضيفين الألق والجمال والبهجة والمسرة , كم كنت أتفقدك عندما لا تأتين في موعدك ؟
إنها غريزة الحب بلا شك , انه الحب الذي كتب فيه الأدباء , وأبدع فيه الشعراء , وتغنى به المطربون , وهام به الهائمون , فهل يا ترى أصبحت منهم ؟
بلا شك أنني منهم , ولم يتبقى لي إلا القليل وتصبح أشعاري على كل لسان , أين أنت مني يا قيس بن الملوح ؟ ويا قيس بن الزريح ؟
لن تلحق بي يا جميل بثينة , ولن تدركني يا كثير عزة .
سأدع صديقي عاطف في ( خيبته ) , وأفارقة ( فراق الطريفي لي جمله ) فأنا قد قطعت مراحل في الحب لا يستطيع حتى زميلنا حسن ( كثير التبسم ) أن يصلها , على الرغم من أنه كان خفيفا ومهزارا , كثير الكلام والحركة بلا سبب .
أما شخصي ( النحيل ) فقد كنت تقيلا , قليل الكلام والهزار والتبسم , ولعل هذه الصفات ما جلب لي الحظ السعيد , وهي ما جلب لي الإعجاب والحب من الطالبات أولاهن كانت زهراء , صاحبة القد المياس , والصوت الناعم و و
يا الهي ,,
هي سألتني الكتب لتمسكها لي ولم أجبها حتى الآن ....

( ثقيل جدا مديري في العمل لا يطلب مني انجاز شئ الا عندما أكون منهمكا في الكتابة مع لحظات ذكرياتي الجميلة بالذات )

عفوا نواصل لاحقا النشوف الزول ده داير شنو .
.
.

Abdelazim
11-11-2008, 08:58 AM
نحن في انتظار مخارجتك من مديرك الثقيل دا
وفي لهفة لمعرفة بقية قصة كتبك مع زهراء
وبعدين سؤال: الثانوي العالي فيه طابور صباح؟

البشير دفع الله
11-11-2008, 10:07 AM
نحن في انتظار مخارجتك من مديرك الثقيل دا
وفي لهفة لمعرفة بقية قصة كتبك مع زهراء
وبعدين سؤال: الثانوي العالي فيه طابور صباح؟

مرحبتين أبو مصطفى
المخارجة قاسية من مديرين البلد دي وأنت سيد العارفين .
تعرف يا أبو مصطفى الثانوي العالي عندنا فيهو طابور وفيهو جلد كمان يمارس بواسطه الصول , وبواسطه وكيل المدرسة
شخصيا , وتعاقب على مدرستنا وكيلين ا. المرحوم عيسى الحاج على ( معروف لناس الكلاكلات ) أ. عبدو .
ومدارس الأرياف غير مدارس المدن , والسلطة فيها مطلقة للمدير والمدرسين ما لوزارة التربية والتعليم .

البشير دفع الله
11-11-2008, 02:04 PM
( 14 )
حاولت أن أتحصن بكل ما أملك وكان ( الصمت ) هو السلاح الوحيد المتوفر لدي في هذه اللحظة ,وكنت أحاول التماسك , وتجنب الارتباك ( الذي بدأ علي من رأسي حتى أخمص قدمي ) , وكان سؤالها نار ونور , مع أنه ليس سؤالا في الفيزياء أو الرياضيات , ولكنه الحب , ومن الحب ما قتل ,,,
كانت المسافة من المحطة الرئيسية إلى قريتنا حوالي 7 كيلومترات , وعادة ما تقطعها العربات العادية في سبع أو عشر دقائق , ولكن البص الذي يقلنا الآن يختلف تماما , فعم ( خليل ) صاحب البص كان له رأي آخر , فالرجل مؤمن تماما بأن : في العجلة الندامة وفي التأني السلامة , كانت كنية بصه ( أبو النوم ) , إذ كان يتهادى كما يمشي الوجى الوحل , ويقف ويطيل الوقوف بكل المحطات المعروفة وغير المعروفة , بل وكان يتوقف أحيانا من باب الاحتياط ( احتمال أحد يود أن يركب , أو احتمال أحد يود أن ينزل ) أي أن الرجل معجب بنظرية الاحتمالات .
فكان يقطع هذه المسافة في نصف ساعة , وأحيانا أكثر من ذلك , وما شأني أنا بهذا الرجل ؟
وددت أن أقول : ( أن بعض لحظات العمر ذات عمق وعرض وطول , وان بدت لنا صغيرة , ليلة تحددها عقارب الساعة لا يمكن أن تسمى ليلة ) عجيب أمرنا , نتمنى أحيانا أن يتوقف الوقت , ونتمنى أحيانا أن يسرع ,,,
( الساعة جنبك تبقى أقصر من دقيقة , والدقيقة وأنت مافي مرة ما بنقدر نطيقها )
لم تكن مشاعري ( تجاه الوقت ) واضحة تماما , في اللحظة الأولى , كان الوقت يمضي بطيئا , وكأن عجلة الزمان توقفت , وكنت أركز نظري باتجاه واحد , وكان الموقف جديدا علي تماما ( وغير متوقع ) على الإطلاق , وبعدها بدأت في استيعاب الأمر وتقبله , وعرفت قدر نفسي , والمكانة التي أحظى بها , وأنني رقم ذا قيمة , وأنه تم اختياري ( أنا ) دون رجال العالمين , وما أكبر هذه ( الأنا ) التي أستمتع بها الآن .
وددت أن أسأل هل للحب علاقة بالغرور ؟
كنت أحمل كتاب اللغة الإنجليزي ( النايل كورس ) ظاهرا , وأتعمد أن أجعله فوق الكتب , فهذا الأمر يعطي انطباعا بأنني أدرس اللغة الإنجليزية ومتميزا فيها , ويمنحني مزيدا من الأهمية والرضا النفسي , وسعدت أن هذه الكتب ستحل عليها ( البركة ) بعد أن تعبث بها أنامل ( الزهراء ) , وأن مقرراتها ستصبح ( سهلة وهينة ) , وأن الرياضيات ستفك طلاسمها التي كانت تستعصي على فهم ( العبد لله ) , ويا علم جاك زول , وأمانة ما وقعتي معاي ( يا القراية ) .
كنت ( أتخيل ) كتبي في حجر ( الزهراء ) , وأمعن في التخيل , وهي تهدهدها لا إراديا , بحركة البص المتهالك , وبفعل ما يسمى ( الدقداق ) الناتجة عن الحفر والمطبات بطريق جبل أولياء , وتحرص هي عليها وتحتويها كأنها طفلنا الأول ( الذي سننجبه ) بعد أن يتم المراد , قريبا , ونتزوج , فأهلها بلا شك سيوافقون , فأنا لا يعيبني شي , فوالدي مغترب سابق , وعرف العز والنعيم طريقه إلى بيتنا ذات يوم , وأهلها طيبون , صحيح أنهم ليسوا أقاربنا بشكل مباشر , ولكننا من قرية واحدة , والترابط بين الأسر في القرى على أشده , وبالقرى أن لم يكن بالرجل ما يعيبه يوافقون على زواجه على الفور , دون أدنى تحفظات , إلا أن تكون البنت ( محجوزة ) بنظام ( غتي قدحك ) , والحمد لله أنها ليست كذلك , طمأنت نفسي بهذه الأقاويل , وسرى الي الإحساس بالرضا , وتبسمت في سري , فقد أنجزت الكثير اليوم .
وسأكمل باقي الأفكار والترتيبات بعد أن أصل البيت بإذن الله , حتى أفكر برواقه , وعلي أن أخبر أولا ( الوالدة ) وهي الأثيرة إلى قلبي , وهي بدورها ستفاتح ( الوالد ) الذي لا أظنه سيمانع , فأنا ابنه البكر وحتما يود أبي أن يرى أحفاده .
أسمع طرقعة أصابع , ما هذا ؟
آه نعم , انه الكمساري , جاء ليجمع ( الغلة ) من الركاب , اليوم يومك يا أبو زيد الهلالي لتقف منافحا عن مليكتك , ولتمارس حقك وواجبك تجاهها , للمرة الأولى , وتدفع قيمة تذكرة المواصلات نيابة عنها , يا مرحي , يا مرحي , والمال متوفر والحمد لله , ومدخراتي وما أملك , أضعه بين يدي فاتنتي , ولا أبالي ,,,
أكثر من سبعون قرشا بجيبي الآن ( القرش القديم وليس الجديد ) , قيمة التذكرة الواحدة عشرون قرشا , أسرع أيها الكمساري أسرع , ودعني أقف وقفة بطولية للحظة ما , لا تنسى , سأفرد عضلاتي , وأخرج كل النقود , وليأخذ الكمساري منها ما يشاء , ويعيد لي الباقي , ولن أبالي ,,,
كان الكمساري ينحشر وسط الركاب , ويرصهم رصا , فيدفع هذا من كتفه , ويسحب ذاك من جلبابه , ليهيئ لنفسه ممرا يدلف من خلاله للركاب , جاءني صوته قبل أراه يصرخ في هذا ويتلاءم مع تلك بصوته الأجش , الذي لا يحمل أي نبرة سواء ( الصياح وجر الشكل ) , وعندما رأيته كانت هيئته لا تختلف كثيرا عن صوته , طويلا , فارعا , فاتحا ثلاثة زراير من قميصه , مما جعل ياقة قميصه متدلية للخلف , ( مكفكفا ) أكمام القميص الي فوق الكوع أكثر من اللازم , لن يكون هناك ودا بيني وبين هذا الرجل , فمن الأفضل لي في مثل هذا الموقف تجنب الاحتكاك قدر الإمكان , وعدم إفساد الاستمتاع بهذه اللحظات , وكان علي إخراج نقودي مبكرا , حتى لا أسمع ما لا يرضيني وأدخل في حرج أمام الحسناء التي تجلس أمامي , لا بأس سأخرج نقودي دفعة واحدة , فالنقود الكثيرة في اليد تدل على الكرم , مما يبشرها بمستقبل واعد معي , وددت أن أدخل يدي اليمنى في جيب البنطلون ,,,
يا الهي ,,,
يا ألطاف الله ؟؟؟
ما زالت يداي ممسكتان بالكتب
ألم أعطها الكتب بعد ؟؟؟
ونواصل إن شاء الله
.
.

البشير دفع الله
11-12-2008, 08:50 AM
( 15 )
نواصل ما انقطع
لعن الله ( الكبكبه ) والتردد , والاسترسال في الخيال والتأملات ,
منذ متى طلبت مني ( الزهراء ) أن تمسك لي كتبي ؟
وكم من الوقت مضى علي وأنا غارقا في التفكير ؟
يا الهي ,,,
الفكه يا فردة , قالها الكمساري وهو يحدق في بلهجة المنتصر , كأنه يتوقع أن أقول له : ما عندي , أو أن أعطيه القيمة ناقصة , كما يحدث بصورة عادية في تلك الأيام نتيجة للظروف الاقتصادية القاسية .
فأمسكت كتبي باليد اليسرى , وأدخلت يدي اليمنى في الجيب الأيمن للبنطلون , نعم النقود موجودة والحمد لله , بعضها فكه ( عملات معدنية ) وتتوسط ذلك ورقه حمراء من فئة خمسة وعشرون قرشا , بها صورة مصنع ما ربما النسيج أو سكر كنانه , كنت أحاول أن أخرج النقود دفعة واحدة المعدنية والورقية , فأنا أود أن أدفع قيمة تذكرتين , لي , ولست الحسان ( الزهراء ) .
أخرجت النقود ( بخمشة ) واحدة , العملات المعدنية والورقية , ورفعتها في وجه الكمساري , الذي بادرني قائلا : ريالين بس يا فردة , مارق قروشك كلها قايل روحك ( النفيدي ) , وما إن نطق بالنفيدي حتى انفلت ريال كامل من بين أصابعي وأخذ طريقه لأرضية البص المكتظة , والتي لا يوجد فيها موطي قدم , لا مجال أن ألتقط ذلك الريال من الأرضية بفعل الزحام , جاءني صوت الكمساري ثائرا : ما قلنا ليك ريالين بس , أهه خم وصر , وأخذ يطنطن الواحد عامل لينا فيها عندو قروش , ودفعني للخلف قليلا , لاعادة ترتيب الممر وليهئ منفذا يمر من خلاله لبقية الركاب , فوجدت نفسي بعد مقعد ( الزهراء ) وبيني وبين مقعدها رجل وطالب آخر , وكانت قد أخرجت من محفظتها ورقة فئة الخمسين قرشا , وقدمتها للكمساري قائلة : اتنين وأشارت لشخصي ( المسكين ) ,
نعم دفعت لي قيمة التذكرة , ( ويا شماتة أبله ظاظا فيا ) ,
لا تسيئوا الظن بي , فلست بخيلا والله , و أسالوا عاطف صديقي , ( لا تسألوا حسن كثير التبسم بلا سبب ) , فكم من أموال أرقتها ولم أبالي , وكم من فكه ( فركشتها ) في لحظات وأنا مستمتع , ولكن هذا الموقف بالذات تداخلت فيه عوامل كثيرة , لا أستطيع أن أحصيها , لأنني لا أعرفها كلها , هل للكبكبة التي كنت فيها علاقة بالموضوع ؟
هل أنا متردد بطبعي عندما يتعلق الأمر بالفتيات كنوع من ...؟
هل أنا متردد عندما يتعلق الأمر بإنفاق المال ؟
غرقت مرة أخرى في العرق مع أننا كنا في يناير , وطأطأت رأسي خجلا , وندما , و و و
يا الهي ,,,
إن الفرصة لا تأتي إلا مرة واحدة ,,,
هل يمنحني الله فرصة أخرى , حتى أعيد ترتيب أوراقي , وأنظم كلماتي التي سأقولها , وأعيد الثقة لنفسي
وظللت ألقي باللوم على الجميع ,,,
الزهراء التي تسرعت في دفع المال , والكمساري الذي أربكني ( بالنفيدي ) , والبص الضيق , والممر المزدحم , وكل شي , نعم ألقيت باللوم على كل شئ , وأنا أولهم ,,,
وعلي أن أكون مبادرا , المرة القادمة , نعم المبادرة و المواجهة هما ما ينقصني
ولكن متى أبادر ؟ وكيف ؟
ذلك ما ظللت أفكر فيه أيام وليال طوال ,,,
ونواصل ,,,

Abdelazim
11-12-2008, 09:22 AM
البشير يا راجل يا عادي
تابعت بشغف شديد قصتك مع زهراء تلك الحسناء الرقيقة التي خفق قلبك لها مرات ومرات
وكنت انتظر نهاية رحلة البص لأطرح سؤالي ولكنني لم ولن استطيع.
ما هو شعور أم توتة عندما قرأت هذه المذكرات وهل حكيت لها هذا الموقف من قبل؟
في انتظاركم ...

البشير دفع الله
11-12-2008, 10:02 AM
البشير يا راجل يا عادي
تابعت بشغف شديد قصتك مع زهراء تلك الحسناء الرقيقة التي خفق قلبك لها مرات ومرات
وكنت انتظر نهاية رحلة البص لأطرح سؤالي ولكنني لم ولن استطيع.
ما هو شعور أم توتة عندما قرأت هذه المذكرات وهل حكيت لها هذا الموقف من قبل؟
في انتظاركم ...

تعرف يا ابو مصطفى مهما ادعت زوجاتنا التعقل والحكمة , الا أنهن لا يتساهلن في مسألة المرأءة الأخرى , وان كانت ماضي بعيد , وان مضى عليها أكثر من عشرين عاما , فالغيرة يا عزيزي هنا سيدة الموقف , ويا ما عمل ( مقصها عمايل فيما كتبت ) فأعود لأعدك وأحور ليتناسب مع رغبة ( الباشكاتب ) , وقد أحتال بعض الشئ , لأصل بالمعني للقاري , وقراءنا ما شاء الله يلتقطونها وهي طائرة .
كل الود للحضور والمتابعة

ام احمد
11-12-2008, 12:08 PM
ونحنا منتظرين الباقي وحكايتك وصلت وين مع الزهراء

البشير دفع الله
11-12-2008, 03:05 PM
ونحنا منتظرين الباقي وحكايتك وصلت وين مع الزهراء

أهلا ومرحبا مجددا يا أم أحمد

الزهراء حكايتها حكايه

تابعي معنا

البشير دفع الله
11-12-2008, 03:12 PM
نواصل
( 16 )
لم تبارح صورتها خيالي ردحا من الزمن , وظللت أتخيلها في كل وقت وفي كل مكان , وأمعن في التخيل , وتنتابني الأفكار العديدة بشأنها , الشرير منها والملائكي , وأتخيل نفسي أمامها , وحوارا يدور بيننا , وكنت أقول كلامي لها , و أعيد ترتيبه وصياغته وأقوله لها مرة أخرى بصورة أفضل , وأتخيل ردودها علي , وطمأنتها لي بأن كل شي سيكون على ما يرام , وأننا موعودون بحياة سعيدة وهانئة ملؤها الحب والحنان .
هل للخيال الجامح علاقة وطيدة بفترة ( المراهقة ) ؟
أم أن الخيال شعور يجتاح مرهفي الإحساس والشعراء فقط ؟
ما علينا ,,,
فلأتخيل اليوم ما شئت , وسيصبح غدا حقيقة بإذن الله
الإحساس الأول تجاه أي شي له طعم مختلف تماما , مازالت الأشياء الأولى في حياتي تطاردني بمتعتها وعبقها الخاص , هي اللحظة التي يخفق فيها القلب وللمرة الأولى بذلك الإحساس الغريب , الخليط من كل شي , الفريد من بين كل الأشياء , هي الإحساس الصادق , هي الرغبة , هي اللذة , هي لحظة الانتشاء , هي الفرح والحزن والغبطة , هي الدهشة بمذاقها العذب , هي ما لا يستطيع القلب والعقل أن يحتويه ويجد له تفسيرا مباشرا ومحددا أو حتى مجرد مسمى واضح , يبدو أن بعض الأشياء لا يمكن تسميتها , على الأقل في ذلك الوقت .
إدراكي للأمور كان محدودا , والحياة بالنسبة لي غاية في البساطة , والحب يبسط كل الأمور ويجعلها سهلة , كان التفاؤل يملؤني , ولا أشك في تحقيق كل أهدافي , والتي لا تعدو , بيت ملئ بالأطفال , تكن الزهراء أمهم وشخصي ( الضعيف ) أبيهم , ويكن ذلك البيت داخل حوشنا ( الوراني ) والذي تزيد مساحته على الألف متر , غير مستغلة , إلا من بعض أشجار الليمون والجوافة التي يأكلها ( الزرزور ) أولا بأول قبل أن تنضج , وشجرة أراك كان يقدرها أبي وينفح منها ضيوفه بعض ( المساويك ) ,,,
وأنا أتذكر وأكتب هذه الأشياء أضحك من ذلك الفتى الذي تجاوز عمره السادسة عشر بقليل , ويفكر بهذه الطريقة , وتلك العقلية , علما بأنه احتاج لمقدار عمره مرة أخرى ليتزوج , أي بعد أن تجاوز عمره الثلاثين بعامين .
لا أريد أن أحرق التفاصيل ,,,
هناك من يقدرون التفاصيل أكثر من النتائج , وخاصة رفيقات الزهراء ( بنات حواء ) ولا أدري لماذا
نعم نشتهي ونتمنى , ولكن تحقيق تلك الأماني مرهون بمشيئة الله سبحانه وتعالى .
كانت الزهراء أول فتاة في حياتي , ولم أكن أتخيل أو أرى زوجة لي غيرها .
و ( الله بدي الجنة ) على قول البلابل , الله يطراهن بالخير .
نواصل

البشير دفع الله
11-12-2008, 03:15 PM
نواصل
( 17 )
علوم جديدة أدرسها لأول مرة الكيمياء والفيزياء , وتشعبت الرياضيات إلى أقسام ( كالجبر والمثلثات والهندسة التحليلية والتفاضل والتكامل ) ذقت معها الأمرين , واستعصت علي ولم تكن لدي الرغبة على الإطلاق في فهمها وهضمها , ولن ألقي باللوم على طاقم التدريس فقد بذلوا معي كل ما بوسعهم ,,,
بينما فلحت في مواد أخرى ولمع بها نجمي كالأدب العربي والتاريخ , ولم أكن أبذل أي مجهود لحفظ المعلقات والنصوص , فهي تحفظ وحدها , وكثيرا ما تخيلت نفسي حاضرا تلك المناظرات بين جرير والفرزدق , كما أنني أتخيل نفسي ممتشقا حسامي ومتجولا في ديار عبس باعتباري صديقا لعنترة بن شداد , وأنني أشتري حاجياتي من سوق عكاظ , بعد أن تتورم قدماي من الوقوف استماعا للنابغة الزبياني , ومن يحضر من شعراء البوادي والأمصار ليعرضوا عليه أشعارهم ,,,

وكنت أعيش في تلك الأجواء ولا يخرجني منها إلا سؤال مفاجئي عن نظرية فيثاغورث , الذي لم أقتنع أصلا بأي من نظرياته ولا تهمني في شي ,,,
خرجت بمعلومة مفادها أن بعض المدرسين يكن لهم فضل تحبيب بعض المواد الدراسية لطلابهم , والتي قد تساهم في تغيير مسار حياتهم الأكاديمية والعملية للأفضل , والعكس صحيح , بعض المدرسين يتحملون وزر ( تطفيش ) بعض الطلاب من بعض المواد الدراسية بأسلوبهم غير السليم , فيتغير مسار حياة أولئك الطلاب للأسوأ .
بعض الزملاء في تلك المراحل , أشهد لهم بالذكاء والفطنة , ولم يكملوا تعليمهم فامتلأ بهم الشارع العريض الذي لا يلفظ أحدا , وشقوا طريقهم بجدارة كعمال وصناع ومزارعين وتجار .
بالطبع لم أذكر ذلك , لأنني أحس ناحيتهم بتفوق عنهم من نوع ما , بل فقط لأدلل أن مسألة إكمال التعليم مرتبط بظروف من بينها الذكاء والفطنة , وأعرف العديد من الخريجين من الجامعات , الصدفة المحضة فقط والحظ هما ما جعلتهم يكملون تعليمهم ليس إلا ,,,
أكملت الثانوي العالي بخيره وشره , ولم أوفق بالحصول على نسبة تؤهلني لدخول إحدى الجامعات السودانية وعددها آنذاك أربعة بالإضافة لمعهد الكليات التكنولوجية ( جامعة السودان حاليا ) وبعض المعاهد الأخرى المغمورة , وكانت جميعها لا تستوعب أكثر من أربعة آلاف طالب في العام الواحد , وكان عدد الطلاب الذين يجلسون لامتحان الشهادة السودانية آنذاك يقترب من المائة ألف طالب , فالمسألة أشبه بعنق الزجاجة ,,,
وتم قبولي لدراسة التجارة بأحد المعاهد المصرية تنفيذا لبند من بنود اتفاقية بين البلدين .
وكنت أعد العدة للسفر ,,,,
استيقظت في ذلك الصباح على المارشات العسكرية بالراديو والتلفاذ , هذه الموسيقى أعرفها جيدا , بلا شك أن انقلابا عسكريا قد وقع , وأن خطبة عصماء تدبج , وأن مسؤولين كبار قد أضحوا في السجون والمعتقلات , والسعيد منهم هو من تم فقط إعفاءه من منصبه , وطال أمد تلك الموسيقى ,,,
بعدها طالعنا العميد عمر حسن أحمد البشير بتلاوة البيان الأول لمجلس ثورة الإنقاذ الوطني , كان يرتدي بزة عسكرية كاملة , مكفكف أكمام قميصه للساعد فوق الكوع بقليل , ويميل ( البوري ) قليلا ناحية اليسار .
كان البيان ككل البيانات العسكرية , يعلن الاستيلاء على مقاليد السلطة بالبلاد , ويعلن حالة الطوارئ , ولم ينس أن يذكر من سبقة بالحكم بأنهم عملاء وخونة , وأوردوا البلاد لمهالك بسياساتهم الرعناء و و و
نواصل

ام احمد
11-12-2008, 09:47 PM
منتظرين
بالمناسبة انا مولودة بعد كم يوم من ما عمر البشير مسك الرئاسة يعني عمر البشير قدري في الرئاسة شفتوا كيف

البشير دفع الله
11-13-2008, 07:51 AM
منتظرين
بالمناسبة انا مولودة بعد كم يوم من ما عمر البشير مسك الرئاسة يعني عمر البشير قدري في الرئاسة شفتوا كيف

مرحبتين أم أحمد
عاد دي ما استوعبتها
عمر البشير المسك الرئاسة أول أمس دا ولا واحد تاني ؟

ام احمد
11-13-2008, 09:38 AM
مرحبتين أم أحمد
عاد دي ما استوعبتها
عمر البشير المسك الرئاسة أول أمس دا ولا واحد تاني ؟

اول امس شنو ياراجل
ماسكها من 30-6-89

البشير دفع الله
11-13-2008, 10:20 AM
اول امس شنو ياراجل
ماسكها من 30-6-89

30/ 6/ 89 ما ياها زااااااته أول أمس القاصدها أنا

الواحد بقى يخاف يقول تواريخ في كتاباتو , عشان ما يصنفوهو مع ناس ابو مصطفى

كل التحايا يا أم أحمد

البشير دفع الله
11-13-2008, 10:27 AM
نواصل
( 18)
أعلنت حالة الطوارئ , ودخل أناس عديدون السجون لأمد غير معروف , أوقفت الصحف , وصدرت صحيفة واحدة هي ( صحيفة القوات المسلحة ) , بدا شئ من التوجيه لوسائل الإعلام بالتطبيل لبعض الكوادر لرفعها لبعض المناصب , والتبخيس من عمل الأحزاب , بل والتعدي على بعض الرموز الوطنية ( تلميحا وتصريحا ) , وتم تجميد كل شي في الحياة العامة , إلا المجموعة الحاكمة , التي اتخذت الإصلاح و الإسلام عنوانا لها ,,,
ما يهمني من ذلك كله , هو سفري للقاهرة للدراسة الجامعية , وبدأ لي أنها أصبحت في خبر كان ,
وأخيرا جاء الفرج في نوفمبر 89 ,,,
وكان علي أن أستأنف إجراءاتي من تأشيرة وخلافه لأسافر لقاهرة المعز .
نفحني والدي بمبلغ محترم , كان يدخره للزمن , ولما كان المبلغ كبيرا , أصر والدي أن يذهب معي للخرطوم لنحول المبلغ لدولارات , وأخذ والدي ذلك المال ( 1200 جنيها ) وذهبنا معا لبنك الخرطوم , وقمنا بتحويل 250 دولارا واستلمناها بشيك يصرف على بنك القاهرة ( كان الدولار يعادل 460 قرشا بالسعر المدعوم للطلاب )
أما السعر الحقيقي للدولار بالبنك فهو اثني عشر جنيها سودانيا , وخمسة عشر جنيها سودانيا بالسوق السوداء .
الفرق بين السعر الحقيقي والسعر المدعوم كانت تتحمله وزارة المالية خصما من دعمها للتعليم العالي آنذاك.
فيما بعد ألغي هذا الدعم , ووجه لإنشاء جامعات جديده , وتم إعادة الطلاب لاستكمال دراستهم بالجامعات السودانية بشروط معينة , و إلا فان أهل الطلاب يحولون لهم مصاريفهم بالسعر الجاري للعملة الأجنبية .
فاتني أن أقول أن رفع الدعم من الدولار للطلاب صاحبه زيادة في الإعانة الحكومية التي تدفعها الدولة لطلاب البعثات التي على شكل منح ( كالبعثات المصرية ) وهي أكثر بعثة تعليمية لدولة بالخارج , وهي بند من بنود اتفاقية مياه النيل , بأن توفر الحكومة المصرية عدد من المقاعد الدراسية المختلفة بشروط معينة سنويا , تصل إلى ألفين مقعد في مختلف التخصصات , وتم زيادة المبلغ المخصص لي كإعانة من 60 جنيها مصريا إلى 150 جنيها مصريا , وهذا ما جعلني أحس بشي من الثراء المبكر , وأنني أصبحت من طبقة الأغنياء , أملك مالا يكفيني ما يزيد على الثلاثة أشهر في يدي , ودفعة واحدة , وهذا سأتي لتفاصيله لاحقا .

ونواصل

البشير دفع الله
11-13-2008, 10:28 AM
نواصل
( 19)
في الوقت الذي كنت ألملم فيه ( هلاهيلي ) , كانت الزهراء ترتب شنطتها السمسونايت الضخمة لتلحق بزوجها الذي عقد قرآنه عليها منذ شهرين , دون أن يحضر هو للسودان , وغادرنا الوطن في شهر واحد .
ودعها أهلها بالبكاء والدموع , وودعتها بنظرة كلها ضيق وغيظ و وألم , وذهب معها من ذهب للمطار لتمتطي الطائرة السعودية , إلى حيث لا ألقاها سنين طوال ,,,
بعدها بأيام رافقني أبي لمحطة القطار بالسوق الشعبي , لأمتطي قطر حلفا ( الأحد 6.20 صباحا ).
المساء الذي سبق ذلك الصباح , توافد الأهل والجيران لدارنا للسلام والوداع , وكنت أرى النساء يوجهن دعواتهن وحديثهن لوالدتي , بعضه جميل من شاكلة : إن شاء يسافر ويرجعلك بالسلامة يا بت أمي , وبعضه قبيح مثل : كر عليك ألغبيانة وليدك ده موسغير على السفر و الخ ...
والرجال يوجهون حديثهم ودعاءهم لأبي , لا يصيبني من ذلك كله لا تشجيع ولا مؤازرة , و إنما : مع السلامة تأتيني
باردة بلا طعم ولا دفء عند مغادرتهم لمنزلنا .
أيقظني أبي في الرابعة فجرا للذهاب لمحطة القطار , كانت نسمات ذلك الفجر باردة على غير العادة , ولعلها قشعريرة الخوف , أو ما شابه , لبست ثيابي , وودعت اخوتي النائمين في هدؤ , وصحبتني والدتي لخارج الدار , وهي تبكي في صمت , أخذتني في حضنها , حتى انتزعني أبي منها , لأننا تأخرنا حسب زعمة , وأخذت أمي حفنة من التراب خارج الدار كنت قد وطأت عليها بقدمي , وأعادتها لداخل الدار ( اعتقادا منها أن ذلك سيعجل بعودتي لدارنا )
وانطلقنا يلفنا ظلام الفجر بقريتنا الوادعة , وأبي يهمهم بدعوات لم أتبينها جيدا , وأنا أبكي بكاء مرا ,,,
ونواصل إن كان في العمر بقية ,,,

Abdelazim
11-13-2008, 12:42 PM
العزيز البشير والله لقد فُجعنا بزواج الزهراء
نزل الخبر علينا كالصاعقة.
هل ما زالت الزهراء بالسعودية؟
وهل قمت بزيارتها بعد الاغتراب؟
أم انني استبق الأحداث باسئلتي هذي؟

ام احمد
11-13-2008, 02:27 PM
في الانتظار
وعاوزين نعرف هل لاقيت الزهراء تاني ولا لا

ود شمبات
11-13-2008, 05:43 PM
قمة الابداع يا البشير دفع الله
ووالله شمار زهراء كاتلنا عاوزين نعرف الحصل شنو بينكم

ود شمبات
11-13-2008, 05:46 PM
سؤال للبشير:
ح تعمل شنو لو جرمكم جات المنتدي هنا وقرت مذكراتك؟
أوعي تكون حتمشي الظوارئ زي ناس حبايبنا

:23_33_7::23_33_7::23_33_7:

ام احمد
11-14-2008, 09:38 PM
سؤال للبشير:
ح تعمل شنو لو جرمكم جات المنتدي هنا وقرت مذكراتك؟
أوعي تكون حتمشي الظوارئ زي ناس حبايبنا

:23_33_7::23_33_7::23_33_7:
علي ما اعتقد حرمه كانت معاه في كتابة المزكرات دي اول بي اول
يعني انها قرتهم قبالنا
علي ما اظن
السؤال للبشير اسفة

البشير دفع الله
11-15-2008, 08:51 AM
العزيز البشير والله لقد فُجعنا بزواج الزهراء
نزل الخبر علينا كالصاعقة.
هل ما زالت الزهراء بالسعودية؟
وهل قمت بزيارتها بعد الاغتراب؟
أم انني استبق الأحداث باسئلتي هذي؟
كل التحايا والتقدير أخوي أبو مصطفى
شاكرا لهذه المتابعة والحضور الجميل
تابع معنا وستجد أجوبة أسئلتك في مكانها
كل الود

البشير دفع الله
11-15-2008, 10:22 AM
في الانتظار
وعاوزين نعرف هل لاقيت الزهراء تاني ولا لا

كل التحايا أختنا أم أحمد

جاييك برواقة يا أم أحمد

ما تحرقي علينا التفاصيل

احترامي وتقديري

البشير دفع الله
11-15-2008, 10:27 AM
سؤال للبشير:
ح تعمل شنو لو جرمكم جات المنتدي هنا وقرت مذكراتك؟
أوعي تكون حتمشي الظوارئ زي ناس حبايبنا

:23_33_7::23_33_7::23_33_7:

لتعلم عزيزي ود شمبات أنني من الرجال الذين ( يمشون بالقرب من الحائط دوما ) ولا أرى في ذلك عيبا
ولا أنفيه عن نفسي , فأنا أؤثر دوما مبدأ السلامة .
وقد قرأت زوجتى كل ما كتبت قبل النشر , ويا ما عمل ( مقصها ) عمايل فيما كتبت , مما يجعلني أعود لسمكرة وطلاء
ما يتبقى من كتاباتي لتصلح للنشر مرة أخرى .
كل الود وخليك قريب

البشير دفع الله
11-15-2008, 10:34 AM
علي ما اعتقد حرمه كانت معاه في كتابة المزكرات دي اول بي اول
يعني انها قرتهم قبالنا
علي ما اظن
السؤال للبشير اسفة

كلامك في محلو يا أم أحمد
ويبدو أن حسك ( الأنثوي ) وغريزتك كزوجة صاحي ,
تتحفظ الزوجة على أي ذكريات يرويها زوجها خاصة لو كانت تحوي ذكريات ( عاطفية )
وتقرأها بمنظار آخر تماما مهما تقادمت ومهما غطاها غبار الزمان ( لذا لا بد من أخذ الموافقه مسبقا ) .
فحواء هي حواء
والغيرة عندها بلا حدود ولا تنتهي
ويسعد آدم بذلك

ممتن جدا للمتابعة أختنا أم أحمد

ام احمد
11-16-2008, 07:20 PM
وين باقي المزكرات نحنا في الانتظار
ايها الرجل العادي

البشير دفع الله
11-17-2008, 09:25 AM
وين باقي المزكرات نحنا في الانتظار
ايها الرجل العادي

حاضرين يا أم أحمد
( صبر يبل الآبري )
كل الود

البشير دفع الله
11-17-2008, 09:28 AM
نواصل
( 20)
هي المرة الأولى التي أسافر فيها بعيدا عن أهلي , وبعض الأشياء تثير الحماس للبكاء والعويل كنواح النسوة , وبكاء الأم على وجه الخصوص , والأشد من ذلك بكاء الرجال ,,,
وصلنا لمحطة القطار في الخامسة صباحا , كما طلبوا منا , وكانت عربة القطار تمتلي عن آخرها , فاخترت لنفسي مقعدا مجاورا للشباك لأرى من خلاله المناظر الطبيعية , وركب أبي وجلس معي يؤنسني لحين تحرك القطار , وأخذ يطمئن على حاجياتي , شنطة قديمة من الجلد القوي بها ثيابي , وكرتونة متوسطة الحجم بها زوادة الرحلة , من بيض مسلوق , و طحنية , وفطير بالسكر الناعم , وخبيز بسكويت كمية معتبرة للرحلة وللغربة , صنعته أمي بيدها , وخبز تم لفه بأكياس بلاستيك لكي لا ينفد , وجركانة سعة أربعة لتر مليئة بالماء ( مغلفة بخيش شوال ) ليحتفظ الماء ببرودته
كانت الرحلة من الخرطوم لوادي حلفا تستغرق يومين أو ثلاثة , بعض المحطات الكبيرة , كعطبرة و أبو حمد , ونمرة سته , بها مطاعم و أكل يصلح للاستهلاك الآدمي , فلا نأكل من الزوادة إلا عند الحاجة فقط .
وتحرك القطار ببطء , ونزل أبي بعد أن ودعني , أوصاني خيرا بنفسي , وكان يركز على الصلاة و الأوراد التي أعطاه إياها ( الشيخ ) , لتحفظني في الغربة .
أنساني الحزن الذي أنا فيه أن أردد مع البلابل ( قطار الشوق متين ترحل تودينا لبلدا حنان أهلها ...)
غادر القطار السوق الشعبي ليتوقف بمحطة بحري بالخرطوم , ليركب مزيدا من الركاب , ويواصل الرحلة .
كل شئ يتوقف عندما يمر القطار السيارات , والناس , والأشياء ,,,
ارتبطت الكثير من أغاني الحزن والحنين بالسفر بالقطار خاصة , مع أن الناس يسافرون بوسائل متعددة , كالطائرات والسيارات , و البصات السفرية ,
ويا مسافر وناسي هواك , أرواحنا وقلوبنا معاك
وسفري السبب لي أزايا
الحبيب وين قالوا لي سافر
كأن الناس لا يتذكرون أشجانهم وأشواقهم إلا عند السفر .

نواصل

البشير دفع الله
11-17-2008, 09:31 AM
نواصل
( 21)
لم أشفى وقتها تماما , من ( الزهراء ) , فطيفها ما برح يوافيني , وان كنت أطرده , مرات عديدة خلال اليوم الواحد
نصحني أحد أصدقائي ذات يوم قائلا : إذا أردت أن تنسى حبيب , فتذكر قسوته , وعيوبه , حاول أن تلصق به كل صفة ذميمه , حتى تكرهه كمرحلة أولى , ثم أبدأ في نسيانه , من أين لك هذه الأفكار يا عبد الحميد ؟ .
كيف أكرهها , وهي من منحتني حق اللجوء بعينيها ذات يوم ؟
وكيف أكرهها , وأول ما خفق وتحرك القلب كان لها , وتصاعدت الأنفاس , وكانت أطول تنهيده في التاريخ ,,,
تمنيت لها كل السعادة , ولقلبي السلوان , تلك صفحة قد انطوت , لا يد لنا في الأمر ,
وقتها كم كرهت أولئك ( المغتربين ) , يأتي أحدهم ريانا ناعما , يتبسم , ويضحك بلا سبب , تفتح لهم الأبواب الموصدة , ما يقولونه صوابا دائما , إن طلبوا أعطوهم , وان سألوا أجيبوا , وكان قدر الزهراء أن رآها أحدهم في إجازته السنوية , بعد أن وصفتها له أخته , وكان ما كان ,,,
تعجل في إتمام المراسيم لأن إجازته قصيرة , إذ جاء لزيارة أمه المريضة , ولم يكمل مراسيم الزفاف فقط اكتفى بعقد القرآن لتلحق به , بعد إعداد أوراقها و إرسالها لها خلال شهرين .
كانت تصلني تلك الأخبار بغير ترتيب , ولا أتعقب سماع أخبارها , فمجتمع القرية مفتوح , و الأخبار يتم تداولها في كل مكان , بالقرب من الدلالية ست الخضار , وجنب الجزارة , وفي جلسات الجبنة الحريمية , وبلا سبب أحيانا ,,,
المهم أن الأخبار تصلني في وقتها ,,,
هل تعمدت أن اجتر تلك الذكريات , لأقطع الساعات الطوال لهذه الرحلة ( غير المرغوب فيها أصلا ) .
بهذا القطار البطيء ؟
أم أنها محض صدفة ؟
حقيقة لا أدري
ونواصل باذن الله

ام احمد
11-17-2008, 05:24 PM
ونحن في الانتظار

البشير دفع الله
11-18-2008, 11:38 AM
ونحن في الانتظار

هي المشغوليات يا أم أحمد لا أكثر

كل التحايا

البشير دفع الله
11-19-2008, 08:11 AM
نواصل
( 22)
القطار الذي يتجه إلى حلفا , يقوم برحلتين في الأسبوع ( يوم الأحد – ويوم الأربعاء ) , وكانت رحلتي بقطر الأحد في السادسة والثلث صباحا كما ذكرت أعلاه , هذا يعني أنني كنت متواجدا بالمحطة من الخامسة والنصف صباح ذلك اليوم .
وبالطبع لم يتحرك القطار في مواعيده , بل تأخر إلى الظهر بغرض صيانة عطل طارئ ( وما أكثر أعطال قطاراتنا )
وسمعت ( والعهدة على الراوي ) أن خطوط السكة الحديد بالسودان تم إنشاؤها إبان الغزو الإنجليزي للسودان في العام 1898م , وكان الغرض منها نقل الجنود والمؤن العسكرية للسودان لقمع ما تبقى من الثورة المهدية , وتعود محملة بخيرات السودان من القطن والصمغ وريش النعام وسن الفيل والذهب والحديد , أي أن الغرض من إنشائها لم يكن نبيل , بأي حال من الأحوال , وهذا دأب المستعمر كلما حط رجله بأي بلد , يسعى لنهب خيرات البلد بخطط استراتيجية , قصيرة وطويلة المدى .
علما بأن الدول التي كان استعمارها بريطانيا ( كالسودان ) كانت أوفر حظا من الدول التي استعمرها الفرنسيون والإيطاليون , ذلك لأن الإنجليز على الرغم من مساؤهم , كانوا يهتمون بالبنى التحتية لمستعمراتهم فيمدون خطوط السكك الحديدية , ويعبدون الطرق ويقيمون الجسور ويهتمون بمشاريع التنمية , ويبنون الأنظمة الإدارية .
أما الفرنسيون فلا هم لهم إلا طمس ثقافة وهوية البلد الذي يستعمرونه , وما زال المغرب العربي ودول غرب أفريقيا تتحدث الفرنسية أكثر وأفضل من اللغة العربية ولهجاتهم المحلية على الرغم من خروج المستعمر منها منذ زمن بعيد .
ما علينا ,,,
فقط تناهي إلى مسامعي أن تلك القطارات لم تصلها يد التحديث والتجديد منذ ذلك العهد , وحتى المصانع الإنجليزية التي صنعتها , أغلقت أبوابها لهذا المنتج القديم و وصارت تصنع قطارات حديثة أقل كلفة في الوقود , وأسرع في قطع المسافات و وأخف وزنا , وتحمل أوزان ثقيلة , وبات من المتداول أنك لن تجد لها قطعة غيار جديدة عند الصيانة , اللهم ( إلا توليف قطع غيار لها ) , والعهدة على الراوي أيضا .
لذا تقطع المسافة من الخرطوم إلى حلفا في ثلاثة أيام بالتمام والكمال , هذا إن لم يكن أربعة أيام , وكان ذلك في أواخر الثمانينيات , وكانت وما زالت المسافة حوالى ألف ومائة كلم تقريبا , وهي تساوي المسافة من أسوان إلى القاهرة تقريبا , التي يقطعها القطار ( المجري ) في ستة عشر ساعة , وهو مكيف ويقدمون لك به كل الخدمات ( أكل وشرب ) .
ويقطعها القطار الفرنسي الذي يعمل في نفس الخط في أثنى عشر ساعة تقريبا .
ويصل بك لمحطة أحمد حلمي بوسط القاهرة ( التي يطلق عليها اسم محطة مصر ) وأنت ناير ونظيف وابن ذوات , بعكس القطار السوداني الذي يصل بك إلى حلفا , وكأنك خرجت لتوك من القبر , أشعث أغبر محمر العينين ثائر الشعر , من الغبار , والتراب , والإعياء والإرهاق , واتساخ البدن والثياب .
والمصريون عموما يستاهلون كل خير , فأشكالهم تساعدهم على الترف والروقان , وحسن منظرهم , ومظهرهم , واهتمامهم بهندامهم كذلك , عكسنا نحن السودانيون , فحسبنا من المظهر وجمال المنظر , النظافة والطهارة , وحسبنا من الثياب ما كان ساترا للبدن , وطاهرا لأداء الفرائض , إلا ما ندر , وما رحم ربي .
أما أشكالنا ,,, فالحمد لله على نعمة العافية , غبش غباشه منقطعة النظير , وحديثنا يشبهنا تماما , جافا , وناشفا , ويخلو من العاطفة , ويندر به ألفاظ المجاملات , ورقيق الحديث وعذبه ,,,
وتستطيع أن تلحظ ذلك عند مشاهداتك لتعامل الأسرة المصرية مع بعضهم البعض , ومع الآخر ( هو الكلام بفلوس )
وهذه الصفة يختص بها غير المصريين و أهل الشام ( اللبنانيين , الفلسطينيين , السوريين , الأردنيين ) , أما بقية العرب فحظهم من ( الجلافه ) مثلنا تماما وأسوأ ,,,
لذا يلحظ المغتربين بالخليج أن المصريين والشوام , يحصلون بسهولة على الوظائف التي ينافسهم فيها سودانيون , وذلك للأسباب أعلاه .
قلت أن والدتي زودتني بطعام للطريق , أكثره ( نواشف ) ليصمد في الرحلة الطويلة التي تمتد وتمتد , وقلت أنني بالمحطات الكبيرة , التي يوجد بها أكل طازج نوعا ما , كنت أوفر طعامي ,و أشتري من النسوة اللائى يبعن الطعام بالقرب من المحطة , ولن أنسى سندوتشات الطعمية وسلطة الأسود بمحطة شندي , ويا الله على شندي , وأهل شندي .
وذبت وجدا بالفول ( المصلح ) في عطبرة مساء بعد أن هاجمني ذلك الكافر ( الجوع ) .
على الرغم من ( مقلب ) أحد الباعة الذي كان يصيح : مخبازة يا ,,, ما بالسمنه يا ,,,
وعندما ابتعت منه شئيا من تلك المخبازة , لم أذق إلا طعم العجين ( المخمر بالقليل من السكر ) , ولا سمن ولا يحزنون , ودائما ما ننخدع من الباعة المتجولين , فضحكنا على أنفسنا ,,,
أكثر الوقت أمضيناه بمحطة عطبرة , للصيانة ولأنها رئاسة سكك حديد السودان كما أعتقد , ولنواصل رحلتنا صباح اليوم التالي شمالا متجهين إلي أبي حمد ,,,
ونواصل إن كان في العمر بقية

البشير دفع الله
11-19-2008, 08:12 AM
نواصل
( 23)
مع أول خيوط الفجر أدرنا ظهرنا لعطبرة , وأخذا القطار يزحف شمالا مبتعدا عن مدينة الحديد والنار , وقتها أحسست بحنين وشوق لهذه المدينة العتيقة , وجعلت أتذكر روائع القصائد التي طوعها ( ابن هذه المدينة ) حسن خليفة العطبراوي وحولها إلي أغان :
يا سلوة المحزون و ياغيثارة القلب الجريح
يا درة فاقت على الأتراب بالقد المليح
تجي شقشقة الطيور كرنة الوتر الذبيح
هناك ينبعث السرور على النفوس فتستريح
ويتبعها برائعة أبا القاسم الشابي
أراك فتحلو لدي الحياة ويملأ نفسي صباح الأمل
فتنمو بنفسي مروج عذاب وتحنو على قلبي المشتعل
ويردف
أأعبد فيك جمال الشباب ورقة قلب وديع خضل
وطهر الثلوج وسحر المروج موشحة بشعاع طفل
و
في مدينة العشاق القلوب مرتاحة
وأنت يا قلبي المالقيتلك راحة
لماذا تدور بخلدي مثل هذه الأشياء , وأنا لم أبرؤ بعد جرح الزهراء ؟
وظل يتحفنا بمثل هذه الروائع وأكثر ما يقارب النصف قرن من الزمان , بدأ من ( يا غريب يلا لي بلدك ) , ومرورا ب ( لن أحيد ) و ( أنا سوداني ) وغيرها من الأغاني الوطنية والعاطفية .
أول ما يلفت نظرك لهذه المدينة هو كمية الدراجات بها فما من بيت الا وبه دراجتان او ثلاثة , وهي وسيلة النقل الأولى بهذه المدينة .
يممنا شمالا شطر ابو حمد التي وصلناها عند الغروب , واستقبنا الباعة المتجولين بشبابيك القطار , وهم يعرضون بضائعهم من الطعام الردئ , وربما تم اعداده صباحا أو مساء الأمس ,
ونواصل

ام احمد
11-19-2008, 08:50 AM
Iam waiting

البشير دفع الله
11-19-2008, 11:29 AM
iam waiting

كل التحايا أختنا أم أحمد

أخوك باقي منقول جده في اليومين ديل

و ( مشلهت ) في الشغل والبيت شلهتت عدوك

أول ما ألقى أي وكت بواصل المذكرات

ام احمد
11-22-2008, 10:30 AM
كل التحايا أختنا أم أحمد

أخوك باقي منقول جده في اليومين ديل

و ( مشلهت ) في الشغل والبيت شلهتت عدوك

أول ما ألقى أي وكت بواصل المذكرات

اها ماانتهيت من موضوع النقل دا
منتظرين نحنا والله

البشير دفع الله
01-03-2009, 06:35 PM
اها ماانتهيت من موضوع النقل دا
منتظرين نحنا والله

شكرا عميقا أم أحمد

وكل عام وانتم بخير

البشير دفع الله
01-03-2009, 08:45 PM
نواصل
24
من أبو حمد الى حلفا يمر القطار بصحراء جدباء , تنعدم فيها كل وسائل العيش الكريم وغير الكريم , لا يوجد بها أي سبب لبقاء الانسان حيا .
كان من حسن حظنا أن نقطع هذه المسافه ليلا , فلا مناظر طبيعية تراها العين ولا أي شئ آخر , ويطلق على تلك المساحة ( النمر ) وتبدأ من نمرة واحد الى نمرة عشرة , وأشهرها نمرة سته , ويوجد بها نسوة يقدمن أو يبعن طعام ( قراصة بملاح ) لا أدري مما طبخ , ولكنه طاعم وشهئ , ولعل اختلاف المكان والزمان , ما يجعل حاسة المذاق تختل كثيرا فنحسن الظن بما نأكل , ونعتقد بجودته وحلو مذاقة .
دخلنا مدينة حلفا القديمة مع أول خيوط الفجر , وظل القطار يطلق صافرته ايذانا بانتهاء الرحلة الشاقة , التي بدأناها منذ أربعة أيام , ووصلنا لهذه المدينة العتيقة , ولوننا والتراب واحد و لا تميز لون البشرة من لون الشعر , من أديم الأرض .
حلفا القديمة بعد التهجير عبارة عن لكوندات بائسة بها ( عناقريب ) مهترئة , وموظفي استقبال أجلاف لا يحسنون الاستقبال ولا الوداع وبعض المطاعم التي تقدم الوجبات الفقيرة ( يا حليلك يالخرتوم ) .
ولكن لا أنسى وجبة السمك المقلي بالزيت فهي متفردة بعض الشي , والحق يقال .
أهم ما يميز سلوك الطلاب أنهم يحسنون التأقلم مع كل الأجواء , ويسخرون من ما يصادفهم من صعاب ومشقات , ولولا ذلك لمتنا بحسرتنا , وكنا نطلق النكات والقفشات على ما يصادفنا من أحوال , ونتندر على الحلفاويين ما استطعنا لذلك سبيل , بعضها حقيقي , وبعضها من بنات الأفكار , هيأت لي تلك الظروف أن أعرف الحلفاويين عن كثب , بعد أن كانت معلوماتي عن القبائل السودانية , وهي معروفة للجميع لا تتعدى ( الجعليين وتندر الناس بشجاعتهم وحماقتهم ) ( والشوايقة وتندر الناس ببخلهم وحرصهم على المال ) , ( والرباطاب وسرعة بديهتهم وردودهم الجاهزة والمسيخة ) و لكنني عرفت (الحلفاويين وتندر الناس بهم أيضا ب ..)
ما علينا
كان علينا أن نمضي اليوم هنا بحلفا , ونستكمل اجراءات تاشيرة المغادرة الي مصر أم الدنيا , وكانت الجوازات السودانية تختم على جواز السفر بختم مكتوب عليه ( شوهد عند الخروج )
ومضى اليوم بطيئا حتى كان موعد ركوب الباخرة , وركبنا وتحدونا آمال عظام , ويحيط بنا تخوف من تكرار مسأة ( الباخرة 10 رمضان ) وكان قد مضى على غرقها عامان , في حادث مأساوي راح ضحيته عشرات الركاب , لا أدري لما تذكرت تلك الحادثة الآن ....
ونواصل ان كان في العمر بقية

البشير دفع الله
01-03-2009, 08:45 PM
نواصل
25
لا أخشى ركوب البحر وأمواجه المتلاطمة , ولا أخشى ركوب الطائرات كخشيتي لركوب بص خليل الشهير بأبو النوم في ( دقداق ) جبل أولياء , فالباخرة والطائرة كلاهما آمن بالنسبة لي , قبل أن تعرف البواخر الغرق , وقبل أن يعرف الانتحاريون اختطاف وتفجير الطائرات .
أمضيت أمسية لا مثيل لها على سطح تلك الباخرة , وتناولت الشاي الدافئ ( ملح ) بكوبون تابع لقيمة التذكرة , ولم يتبق من ( زوادتي ) إلا القليل من ( القرقوش ) أستخدمه غموسا مع الشاي الدافئ , وتركت البسكويت لزوم التحلية فالأيام القادمات قد تكون أشد مرارة .
صباحا هبطنا ميناء أسوان , العمال يذهبون ويجيئون , ضباط الجمارك المصريون لم يبدؤا عملهم بعد , وبعضهم ممسكا بشاي أسود اللون كأنه حبر ( كوبيا ) والنصف الأسفل من الكوب ممتلئ يتفل الشاي , عرفت فيما بعد هذا النوع من الشاي يسمى ( الكشري ) .
كان يوما مملا ورتيبا , من الروتين القاتل إلى صبرنا الذي نفد , واستهلكنا كل المخزون الممكن وطولة البال اللازمين , لمثل هذه المواقف , كان ضباط الجمارك يمعنون في إذلالنا , وتأخير إجراءاتنا عنوة , وكانوا يسيئون الظن بكل قادم من السودان على خلفية انقلاب ثورة الإنقاذ الوطني , والتي مضى عليها خمسة أشهر بالتمام والكمال , وكانوا قد أيدوها في بدايتها , وسرعان ما انقلبوا عليها , بعد أن تبين لهم توجهها الإسلامي , كأن بينهم وبين الإسلام عداوة وثأر .
انتصف النهار وخرجنا من الميناء نبحث عن دابة توصلنا لمحطة السكة الحديد , وفي بحثنا عن وسيلة مواصلات تذكرنا أننا لم نتناول طعاما من الأمس , وكان بيدي عشرون جنيها مصريا , هي قيمة اللب ( التسالي ) الذي اشتريته من وادي حلفا , وبعته في ميناء أسوان , ودر لي هذه الثروة .
مصر هذه بلد العجائب بالفعل
تستطيع أن تتناول وجبة من الطعام ( المشبع ) بخمسة وعشرون قرشا
وتستطيع أن تتناول وجبة أيضا من الطعام ( المشبع ) بمائة جنية مصري بخلاف البقشيش للجرسون .
وكلهم عايشين
الباشا والخفير والمواطن والوزير .
نسيت أن أنوه أن المصريين يطلقون على القاهرة لقب مصر , ويطلقون على مصر لقب أم الدنيا
تناولت الفول والفلافل , وقتها علمت وللمرة الأولى أن الفلافل تطلق على الطعمية وملحقاتها من الطرشي والمخللات وما إلية وهي والفول أرخص أنواع الأطعمة , وهو طعام الطبقة الكادحة والطلاب أمثالي .
صحبني في تلك الرحلة زميل كان مقبولا بالمعهد الصناعي ببنها اسمه خالد المبارك , شقيق الشيخ عبد الجبار المبارك , من طابت الشيخ عبد المحمود , وكان شابا ودودا ومرحا , وفنان ,,,
اقترح علي أن نعيش ( البرجوازية ) مرة في حياتنا , ونمتطي القطار ( المجري ) بدلا عن ( القشاش )
والقطار المجري هذا يسير بسرعة 120كلم متر في الساعة إن لم أكن مخطئا , ولا يتوقف إلا في المحطات الرئيسية , وهو مقفل تماما ومكيف وبه كافة الخدمات بالدخل , والقشاش من اسمه فهو يتوقف بكل المحطات بلا استثناء يرفع وينزل الركاب , وان كانت سرعته لا بأس بها , وترى الركاب بداخله , من الصعايدة من يحمل معه بطا وأوزا وديك رومي وما إليه من الحيوانات والطيور .
استأثرت وصديقي خالد بمقعدين وثيرين بالقطار المجري , وجلسنا كأبناء ( الذوات ) تحت المكيف ونتصفح الجرايد , ونرتشف الشاي الساخن , ولكن هذه المرة سعر الكوب ( 50 ) قرشا كاملة ,,,
وكانت هذه هي المرة الأولي وليست الأخيرة التي أعيش فيها مثل هذا الدور , فقد سنحت لي بعض الفرص , للعيش الكريم , وان كنت قد أهدرت بعضها ,,,
ونواصل ان كان في العمر بقية

البشير دفع الله
01-03-2009, 08:49 PM
نواصل
( 26)
الثالثة والنصف صباحا وصلنا لمحطة أحمد حلمي بوسط القاهرة , لا أخفي عليكم , كنت جائعا لدرجة لا توصف , ومما زاد جوعي أن الوقت اقترب من الفجر , مما يعني أن علي الانتظار حتى الصباح , وتفتح المحال والمطاعم , لأجد شيئا آكله , خاصة وأن البرد على أشده , وكنت قد قرأت في صحف المساء ذلك اليوم 21ديسمبر 1989م أن هذا البرد لم تشهد القاهرة مثله منذ عشرين عاما .
أخذت حقيبتي ونزلت مع جموع الطلاب , وكان بانتظارنا مندوبين من الاتحاد العام للطلاب لسودانيين بجمهورية مصر العربية , وهو من أكبر الاتحادات الطلابية وقتها , وقد يكون أكبر اتحاد بالفعل , أخذونا في حافلات إلى عمارة بحي السيدة زينب مؤجرة لصالحهم بالكامل , تستخدم لاستقبال الطلاب الجدد .
وفي طريقنا لتلك العمارة صاح أحد مندوبي الاتحاد : شباب اتعشيتوا ؟
كنا قد تعشينا بالفعل , ولكن مع السهر والبرد القارس أصبحت المعدة خاوية تماما , بل وتصيح طالبه المدد والعون , صمت خجلا وحياء , وتطوع الكثير من الطلاب بالرد بسرعة شديدة , والله جعانين يا أبو الشباب , فانحرف قائد الحافلة صوب أحد البوفيهات ونزل مندوب الاتحاد , وعاد بأكياس مليئة بساندويتشات الفول والطعمية , والبيض المسلوق , اقتربت الساعة من الرابعة صباحا , وليل القاهرة كنهارها تماما , ويضج بالحياة , جميع المطاعم والبوفيهات مفتوحة , ولعلها القريبة من المحطة , لست أدري ,,,
المهم أشبعنا تلك البطون الجائعة , ودبت فينا الحياة بعد يأس وزال البرد بعض الشيء .
أدخلنا إلى صالة كبيرة , ووجدنا من استقبلنا بحفاوة وترحاب من مندوبي الاتحاد , وأجلسونا ريثما يرتبوا لنا غرف المبيت , وأثناء ذلك الجلوس , إذا برجل في كامل أبهته , بدلة ( فل سوت ) لديه لحية خفيفة مهذبة , قدمه لنا من أتى بنا على أنه رئيس الاتحاد العام للطلاب السودانيين بالقاهرة , وان كنت أراه كبير سن على كونه طالبا , وتبين لي فيما بعد أن بعض الطلاب من الكوادر السياسية , يبقون بالجامعات سنين طويلة لترسيخ توجهاتهم السياسية , وللحفاظ على مقدسا تهم ومعتقداتهم , وحفاظهم على اتحاد الطلاب خالصا لهم .
كان ذلك الرجل متحدثا لبقا , رحب بنا في أدب جم , وعرفنا بنفسه أكثر , بدور اتحاد الطلاب في خدمة الطالب , وقضايا الوطن , ولعلها شهادة للتاريخ , قام أولئك النفر بدورهم تجاهنا وأكثر , وأكرمونا , وقضوا حوائجنا , وبقينا في قاهرة المعز في ضيافتهم ثلاثة أيام , ارتحنا من عناء السفر في اليوم الأول , وأخذونا للبنك في اليوم الثاني لنصرف الشيكات التي بحوزتنا , وفي اليوم الثالث , رتبوا لنا أمر السفر , للجامعات والمدن التي تم قبولنا فيها , وكنت من المقبولين بالأقاليم , في مدينة تسمى بني سويف .
......

البشير دفع الله
01-03-2009, 08:50 PM
( 27 )
نواصل
من الاسم الجميل ( بني سويف ) يتضح أنها أرياف
من أرياف جبل أولياء إلى أرياف بني سويف في صعيد مصر , يا قلبي لا تحزن
وهذه المدينة تبعد من القاهرة حوالي 120كلم , وتقع بعدها بني علي وبني مزار ومغاغة و المنيا وأسيوط وديروط ومنفلوط ( بلد الأديب المنفلوطي )
وبمحطة بني سويف كان مندوب الاتحاد بانتظارنا أيضا , وأخذنا ب ( الحنطور ) , وهو عبارة عن عربة كارو على طراز جميل , ومزركشة وبها مظلة ضخمة , وتبدو من بعيد كالهودج , ويجرها حصان , فلا يوجد في هذه المدينة في ذلك الزمان تاكسي .
كان عددنا سبعة طلاب , واحتجنا لحنطورين لإيصالنا إلى شقة الاتحاد , كان مندوب الاتحاد خريج , ولديه تعليمات بالسهر على راحتنا , وقضاء كل حوائجنا , أحضر العشاء جاهز من أحد المطاعم , وما أكثر الفول والطعمية في أرض الكنانة , وبعدها الشاي الساخن , وتعارف جميل بين الحضور .
كنا الدفعة الأولى التي تصل لبني سويف من الطلاب المقبولين بمعهد بني سويف التجاري , وعددنا كما قلت سبعة طلاب من أصل ستة وعشرون طالبا سودانيا , تم قبولهم بالمعهد .
ساعدنا ذلك المندوب في إيجار شقة مناسبة , وقريبة من المعهد , بحيث لا نحتاج لوسيلة مواصلات , تقليلا للتكلفة , كما ساعدنا في إجراءات التسجيل بالمعهد , والحصول على الكتب والمراجع ,
لنبدأ حياة جديدة , حياة الطالب الجامعي
وتلك قصة أخرى
بدأت بدراستي للمحاسبة , وظننت أنها انتهت بدراستي للاقتصاد
ولكن ما زالت الأيام حبلى
نقطة

وسأواصل

Abdelazim
01-04-2009, 07:53 AM
البشير كم كنا نتشوق لتكملة هذه المذكرات
وقد تخوفنا من نقلك الي مدينة جدة ولكن الحمد لله
عدت إلينا لتواصل الجمال

البشير دفع الله
01-07-2009, 04:57 PM
البشير كم كنا نتشوق لتكملة هذه المذكرات
وقد تخوفنا من نقلك الي مدينة جدة ولكن الحمد لله
عدت إلينا لتواصل الجمال

كل التحايا والتقدير أخوي عبدالعظيم

باقي اليومين ديل أيام زنقة عند المحاسبين

النت ده مرة مرة بنديهو طلة

احترامي

البشير دفع الله
01-21-2009, 09:20 AM
(28)
نواصل
التقيتها في قاهرة المعز , بحي شبرا العتيق , كغيرها من ذلك الجيل المتطلع , جاءت تبحث عن العلم والمعرفة , وجئت كذلك , أنجبتها الجزيرة الخضراء , مدني الحضارة والجمال , دعتني لتناول النسكافيه فاعتذرت بشدة وأنا أرغب , وأصرت , فأذعنت , بعد أن حمدت إصرارها في سري .
كنت انتظر انتهاء رفيق سفري ( خالد ) من محاضرته , هكذا أخبرني زملاءه بركن السودانيين , وهو مكان يتجمع فيه السودانيون في كل جامعه ومعهد , ومن يبحث عن أحد يجده بهذا الركن .
لذا قصدت الركن بحثا عن خالد فوجدت ( رحاب ) , أقسم أنها المرة الأولى التي أسمع فيها عن هذا ال
( نسكافيه ) ناهيك عن تناوله و ولكنني خمنت أنه شي يشرب , وقد تكون له علاقة من قريب أو بعيد بالشاي أو القهوة , كنت مرتبكا , انظر للشي واثبت نظري عليه وأسرح , قليل الكلام , شارد الذهن , أحسست بحرج بالغ لهذه ( العزومة ) ولعل لجذوري الريفية , كبير الأثر في هذا الحرج , إذ كيف يتأتي لي أن أقبل دعوة من ( فتاة ) وتحاسب هي , وأنا موجود , انظر في بلاهة ,,,
خمنت هي كمية الحرج الذي انتابني وسعت لتخرجني منه دون جدوى , وفتحت أكثر من موضوع , لا أستطيع مجاراتها , ولا أستطيع الاستمرار فيه , ولا أعرف فن إدارة الحوارات , فقط أجيد ( البحلقة ) والصمت العميق , ليست هيئتي وملابسي فقط الغريبة , و إنما حتى طريقة كلامي , وتخيري لألفاظي , فهي جافة , وقوية , وحادة , و ( قبيحة ) كالبيئة التي جئت منها , لذا ففي الصمت ( جمال ) .
لا أدري لماذا أتذكر الآن على بن الجهم عندما جي به إلى المتوكل العباسي ليمدحه فقال له :
أنت كالكلب في حفاظك للود (م) وكالتيس في قِراع الخطوب
هل هو خوف أن أكون مثل علي بن الجهم هذا , وليتني كنت مثله , إذ أن الخليفة المتوكل قد عرف حسن مقصده وخشونة لفظه فأمر له بدار حسنة على شاطئ دجلة ، فيها بستان حسن ، يتخلله نسيم لطيف يغذّي الأرواح ، والجسر قريب منه ، وأمر بالغذاء اللطيف أن يتعاهد به ، فكان – أي ابن الجهم – يرى حركة الناس ولطافة الحضر ، فأقام ستة أشهر على ذلك ، والأدباء يتعاهدون مجالسته ومحاضرته ، ثم استدعاه الخليفة بعد مدة لينشده ، فحضر وأنشد :
عيون المها بين الرصافة والجسر جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري
آه لو تصبر علي ( رحاب ) بعض الشيء , فقد تتحسن ألفاظي , وأحسن الحديث
هكذا أتعلم يبدو لي أن الفرص لا تأتي إلا مرة واحدة , و إما أن يقتنصها الواحد منا , أو تضيع إلى الأبد .
خرج خالد من محاضرته , وأنضم إلينا , وجئ له بالنسكافيه , ولم يقصر , قام باللازم وأكثر , وتندر علي وضحك , وأضحك ست الحسن , وتبسمت مجاملة له ,
تلك كانت المرة الأولى التي أزور فيها خالد بالمعهد الكيميائي بشبرا بالقاهرة , وذهبنا للشقة , وسهرنا واستعدنا ذكريات القطار من الخرطوم لحلفا ومن أسوان للقاهرة , وكان قد مضى على مجيئنا للقاهرة شهرين بالتمام والكمال .
عرفت من خالد أنها أي ( رحاب ) سنير , وكادر من الحزب الشيوعي , لذا فهي جريئة أكثر من اللازم , مع أنها تعرف جيدا حدودها , وأين يجب أن تتوقف , وأنها اجتماعية لدرجة بعيدة , وأنها محترمة وتحظى بتقدير الجميع , على الرغم من توجهها السياسي المخالف لأكثرية طلاب المعهد .
والشهادة لله , لم يبدر منها أي شئ يوضح توجهها السياسي أثناء تناولنا للنسكافيه , على الرغم من صب جام غضبها على حكومة الإنقاذ والجبهة الإسلامية , وكان وقتها مضى عليها ثمانية أشهر تقريبا .
فيما بعد
عرفت القاسم المشترك بين جميع الشيوعيين الذين عرفتهم , وهو أنهم ساخطون على كل شئ , ومعارضون لأي شئ , وأنهم يفتعلون المشاكل من لا شئ ,,,
وأنهم يحبون المعارضة من أجل المعارضة , وأن ديدنهم الشعارات الجوفاء , والرنانة , وتقمصهم لدور المظلومين , والكادحين , والمغلوبين على أمرهم , والعزف على هذا الأوتار , لاستمالة , وكسب تعاطف المواطنين .
.ونواصل إن كان في العمر بقية

البشير دفع الله
01-21-2009, 09:20 AM
نواصل
( 29 )
نواصل
لم يكن ذلك بداية عهدي بالسياسة , فقد سمعت عنها وأنا بالثانوية منتصف الثمانينيات والسودان يعيش أجواء انتفاضة أبريل , ثم الديمقراطية الثالثة والأخيرة , والكيانات السياسية تجتذب الطلاب , و ( تكبر كومها ) بوسائل متعددة , شعارات رنانة , خطب جوفاء , اغراءات من كل نوع , ومفصلة حسب حوجة كل طالب .
وخرجت من ذلك السوق صفر اليدين .
سن الشباب لها رغباتها وتطلعاتها , وآمالها وأحلامها
وكم تمنيت أن أصبح مطربا مشهورا ,
وكم تمنيت أن أكون كاتبا في قامة الطيب صالح
وسياسيا محنكا مثل الصادق المهدي , أجيد الحديث في كل شي
وشيخا جليلا مثل الترابي مثيرا للجدل , وأحشد الآلاف حولي مقتنعين بأفكاري , ومضحين بأرواحهم في سبيل معتقداتهم ,
وأحيانا أخرج عن طوري وتشدني الأفكار الماركسية و اللينينية , وتبهرني عباراتهم الرنانه , وأتخيل نفسي كادرا سريا , ومطاردا من الاستخبارات , والأمن و و و
تلك كانت إرهاصات ذلك الصبي ( شخصي النحيل ) وهو يخطو في عامة السابع عشر أواخر الثمانينيات .
إلا أن للدراسة الجامعية طعم ولون خاص , تبدأ من الحرية في ارتداء ما يعجبك من ثياب , دون التقيد بزي موحد كالمدارس , مرورا بحرية الحضور للمحاضرات أو الغياب .
ولأنني درست بجمهورية مصر العربية , في الصعيد حيث الصراع على أشده بين الجماعات الإسلامية التي تتبع فكر الشيخ الدكتور عمر عبد الرحمن ( فك الله أسره ) , وبين التيار المسيحي بصعيد مصر .
ولأول مرة أعرف أن عدد المسيحيين بصعيد مصر أكثر من عدد المسلمين , إلا أن التركيبة اختلت قليلا لصالح المسلمين بسبب كثرة توالد المسلمين عن المسيحيين .
فكانت الفتيات المسلمات يرتدين الحجاب والنقاب والمسيحيات يتبرجن كما يشأن , والطلاب تغلب عليهم اللحى الكثة والشوارب الحليقة , وما عداهم فهم مسيحيون ,
كانت قاعة المحاضرات مقسمة بين الطلاب والطالبات منعا للاختلاط , وكذلك الكافتيريا والبوفيه , وحتى السلالم التي نصعد عليها كتب على أحدها للطلاب فقط , وعلى الآخر للطالبات فقط .
كل ذلك يحدث في جامعات ومعاهد صعيد مصر , وهو الشريط الممتد من الجيزة جنوبا إلى أسوان في أقصى الجنوب , ويضم ( بني سويف , المنيا , أسيوط , سوهاج )
لو روى أحدكم هذه الأحداث لشككت فيما يقول ولطالبته بالدليل , ولكنني رأيت بأم عيني تلك الأحداث في ذلك الوقت , بقي لي أن أقول أن من يخالف اللوائح المكتوبة , ويتعمد الاختلاط بالحديث مع الطالبات أو حتى الجلوس في الأماكن المخصصة لهن , فأنه يحظى ( بعلقة ساخنة ) من طلاب الجماعات الإسلامية , لا ينقذه منها إلا الحرس الجامعي بعد أن ينفض السامر , فالحرس الجامعي مثل ( بوليس الفيلم الهندي ) يحضر لمكان الصراع والعراك بعد أن ينتهي كل شئ بنصف ساعة .
كان يشهد للطلاب السودانيين بالأدب وحسن التصرف في معهدنا , وكنا نقيم صداقات مع طرفي النزاع ( الجماعات الإسلامية والطلاب المسيحيين ) فليست لدينا مصلحة مع هذا , ولسنا متضررين من ذاك .
الجدير بالذكر أن من استأجرنا منه شقتنا للسكنى كان مسيحيا ورجلا فاضلا , ويزور الكنيسة كل أحد , وكانت تعجبه صلاتنا في المسجد , بل كان يقيم لنا وليمة في أحد أيام رمضان ( إفطار صائم ) , وهو مسيحي كاثوليكي .
عفوا الجوع غلب , وسأواصل لاحقا بإذن الله

ام احمد
02-26-2009, 02:34 PM
ونحن في الانتظار

ام احمد
03-17-2009, 12:28 PM
ونحن في الانتظار

ومازلنا فيه

عامر معتصم
03-17-2009, 02:30 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
لو أعيش زول ليهو قيمة أسعد الناس بوجودي ..........
أسعدتنا ثم أسعتدنا ثم أسعتدنا
باالله عليك هسه دي مذكرات زول عادي كدا؟ طيب لو كنت ما عادي كان عملت فينا شنو؟
بس عندي حاجة وأحدة أقولا ليك جني وجن الكلام البكون مسلسلة حلقة كل يوم عشان كدا أتمني أن يكتب ما تبقي من تلك السيرة الحافلة بالمتعة في صفحة وأحدة وباسرع مايمكن فقد شوقتنا والله لقرأت ما تبقي . ولك مني كل الود وسلامات يازول ياروعة.

Rahal
04-15-2009, 01:00 AM
با أيها الرجل العادي لقد طال إنتظارنا عل المانع خير ؟

كورينا
04-15-2009, 12:19 PM
ايها الاحباء
لكم التحية ...
بس بعد اذنكم انا ما بكجن حاجة قدر شغل الكلفته...
خلو الراجل يكتب على مهل خصوصا واني لسة في المذكرة رقم 3 ...
شويه شويه ايها الرجل الغير عادي....
لكم الود

علوب عبدالشكور
04-16-2009, 07:48 PM
اين الرجل العادي
اين انت ايها البشير دفع الله
ليك وحشة والله

كورينا
04-20-2009, 08:32 PM
اين الرجل العادي
اين انت ايها البشير دفع الله
ليك وحشة والله


عارف يا دكتور....
هذا الرجل الغير عادي....
اعادني الي اجمل فترة في حياتي...
ايام الشباب والثورات...
من عبود ومرورا ب ابوعاج..
الي الوضع الحالي...
وثورات السودان التي غيرت وجه هذا البلد الرائع...
لحظات عشناها بكل عمق...
ولم نسجل منها اي ذكرى...


لك الشكر ايها الرجل الغير عادي

البشير دفع الله
05-05-2009, 09:01 AM
ونحن في الانتظار

شكرا أختي أم أحمد
ممتن جدا لهذا الحضور
وسأتواصل معكم باذن الله

البشير دفع الله
05-05-2009, 09:23 AM
أتمني أن يكتب ما تبقي من تلك السيرة الحافلة بالمتعة في صفحة وأحدة وباسرع مايمكن فقد شوقتنا والله لقرأت ما تبقي . ولك مني كل الود وسلامات يازول ياروعة.

أخي العزيز عامر معتصم
كل التحايا والود
سعيد أن أقرأ لك هذه المداخلة , وممتن جدا لحضورك الكريم , هي المشاغل لا أكثر ما تفصلنا عنكم , وباذن الله نتواصل مجددا .
احترامي وتقديري

البشير دفع الله
08-09-2009, 05:13 PM
با أيها الرجل العادي لقد طال إنتظارنا عل المانع خير ؟

مرحبا بك يا رحال

لنا عظيم الشرف بلقائك

احترامي

ابراهيم العمده
08-09-2009, 05:43 PM
...
عوداً حميداً أخونا البشير وحمداً لله بالسلامة
ووالله العظيم مشتاقين ليك شوق كتير
شنو يا أخونا الحكاية والغيبة
الكتيرة دي زعلان مننا
ولاشنو وبجيك
للموضوع

وسلامات يازول يارائع ياخلاصة الخير الفي الناس
...

البشير دفع الله
08-09-2009, 08:49 PM
...


عوداً حميداً أخونا البشير وحمداً لله بالسلامة
ووالله العظيم مشتاقين ليك شوق كتير
شنو يا أخونا الحكاية والغيبة
الكتيرة دي زعلان مننا
ولاشنو وبجيك
للموضوع


وسلامات يازول يارائع ياخلاصة الخير الفي الناس

...


مرحبتين حباب الأخ ابراهيم العمده

يا هلا يا مرحبا

قسم بالله غير المشاغل ما في شئ حبسني منكم

لكن بنمرق عليكم لمن نلقى فرقة

احترامي وتقديري