المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قصـــــة تلك الليـــــــلة !!!!!!!!!!!!!



عمر عيسى محمد أحمد
05-23-2010, 02:25 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

:012w5::36_1_10[1]:

تلك الليـلة !!

بدأ القطار في تخفيف سرعته وقد اقتربت المحطة التالية .. أما هي فقد تنبهت فجأة من سرحتها الطويلة ثم أخذت ترتب أوضاعها استعدادا للنزول في المحطة القادمة .. ومنذ أن تحرك القطار إلى تلك القرية النائية في الريف عادت إليها الذكريات الماضية في تلك القرية .. وطوال الرحلة لم تحس بعناء السفر لأن تلك الذكريات الماضية عادت إليها بشدة عارضة الأحداث في شريط طويل .. قبل عشرين عاماً كانت هناك .. ولكنها كانت طفلة في عمر التاسعة .. يتيمة لا أب ولا أم لها .. وقد رحلت أسرتها إلى الآخرة بفعل حادثة مشئومة لم يتبقى إلا هي .. يتيمة تفقد الأهل والعشيرة .. أما أهل القرية فوجدوها ضالة في شوارعها .. فأشفق عليها البعض بما تيسر من خبز العيش حتى تساير الحياة .. أما البعض الآخر فمنهم من كان يرمي لها بقطعة خمار أو ملبس مستعمل من حين لآخر حتى تستر جسدها الغض .. أما الغالبية من سكان تلك القرية فقد استغلوا محنتها وجعلوها تعمل كعاملة أو كخادمة تنظف وتكنس ثم ترسل في المشاوير دون مقابل إلا لقمة خبز تسد بها رمقها .. فكانت راضية بأمرها ولا حوله ولا قوة لمثلها وفي سنها .. فهي لا تملك غير الامتثال لقدر هي لا تعرف عنه شيئاً .. ولم يكترث أحد لحالها ولم يسأل أحد عن مكان إقامتها أو مكان نومها .. فكانت تتلمس في الليالي الباردة حظائر الأبقار لتنام معها .. أو تجد مكاناً خالياً أمام متجر قد أقفل صاحبه وغادر .. تلك كانت حياتها .. ومع ذلك كان من حظها أنها في قرية أهلها يعيشون الكفاف من العيش ويناضلون من أجل القوت اليومي الذي يحصلون عليه من الأراضي الزراعية التي تجود بشح بقدر مساحاتها القليلة .. ولكنهم كانوا يعافون الرذائل والفواحش .. فتلك حسنة لفتاة صغيرة تعيش وحيدة في الشوارع .. وفي ذات ليلة ممطرة لجأت الصغيرة مضطرة ودخلت في كوخ لمزارع يسكن فيه بالنهار ثم يغادره في الليل إلى بيته .. والظلام في القرية شبه كاملة إلا من إضاءات لبروغ من وقت لآخر .. ثم أصوات الرعد تزمجر من حين لآخر .. والصغيرة خائفة ووجلة .. أما سكان القرية فالكل قد التزم داره .. وبدأ الليل يزحف نحو العمق .. وصوت الكلاب من وقت لأخر يمتزج بصرخة الرعد الحاد .. وفجأة علت صرخة حادة عالية من سيدة من نساء القرية .. صرخة كانت قوية أجفلت النوم من أعين كثيرة كانت بدأت في النوم .. فخرجت القرية عن بكرة أبيها .. والكل يتساءل عن المصدر .. والبعض يحمل المشاعل والشمسيات .. والبعض يحمل الكشافات اليدوية .. ودخلت القرية في دوامة من الحركة السريعة من سكان القرية .. وأخيراً توصلوا إلى مكان ومصدر ذلك الصوت .. فوجدوا سيدة شابة تمسك بكم زوجها وتشدد الخناق عليه .. وهي تصرخ وتولول .. ووقف الناس ينظرون إليهما في حيرة .. ويتساءلون .. فقالت لهم أن زوجها خائن .. وأنها رأته مع سيدة في وضع مشين عند الباب الخارجي .. ولكنها لم تتمكن من الوصول إليهما في الوقت المناسب فهربت السيدة تاركةً زوجها .. تلك إذن كارثة كبيرة في عرف أهل القرية .. أما الزوج الخائن فوجد نفسه في مشكلة كبيرة .. وتلك فضيحة أمرها في غاية المصيبة .. فالكل في القرية يعرف الكل .. فإذن هناك سيدة من أهل القرية مشتركة في الأمر .. فمن هي .. فأصبحت العيون تتوجه لسيدات القرية .. فواحدة منهن خائنة .. ولكن من هي ؟؟ وأمام الزوج الخائن الرد على تساؤلات جميع سكان القرية .. فنظروا إليه بحدة .. وطلبوا منه الإفصاح بالاسم .. والكل يتوجس خوفاً من سمعته .. أما الزوج الخائن فالتجربة كانت أكبر من طاقته ولا يستطيع النكران المطلق وعليه أن يقر بالواقع .. فوجد نفسه أمام أمر هالك .. ففكر للحظة ثم خطط في أعماقه ثم دبر .. ثم أقر بالأمر.. أما عن المرأة الخائنة فقال لهم إنها هي تلك اليتيمة .. وليدة الشوارع !! والمسكينة في كوخها كانت قد غلب عليها النعاس فنامت غريرة العين وهي لا تدري ما يخطط لها في القرية .. وهي الطفلة البريئة التي في عمرها القصير لا تعرف معنى اللقاء .. ولم تسمم قلبها تلك الهواجس .. فهي أصغر من أن تدرك ذلك .. ولكن تلك قرية أهلها لا ينظرون الأمور بتلك الدراية .. فهم أناس تجربتهم فقط في تربية الأبقار والماعز .. وفي الحال اجتمع أعيان القرية في ديوان العمدة .. فقرروا سجن الزوج الخائن فوراً .. أما اليتيمة .. أما وليدة الشوارع كما يطلقون عليها .. فقد طلبوا من كل سكان القرية أن يبحثوا عنها في كل شبر من أرض القرية .. فانتشر القوم يبحثون في كل صوب وحدب .. وأخيراً وجدوها نائمة في ذلك الكوخ .. فسحبوها بقوة ثم جروها بالأرض وهي تصرخ ولا تدري بأمرها .. فكأنها في كابوس من الحلم .. والتف الخلق حولها وأحضروها أمام الأعيان والكل يسبها .. والكل يبصق عليها .. وهي تبكي في حيرة من أمرها .. وأخيراً قيدوها بالحبال .. ثم أمروا أن يأخذوها إلى محطة القطار وهي مقيدة .. فحملوها .. والكل في زفة حتى مشارف المحطة تحت رزاز من الأمطار ., ثم انتظر الكل في المحطة حتى وصول القطار ثم رموها في عربة من العربات .. وأشاروا إليها بأصابع التهديد وحذروها من العودة لتلك القرية بعد ذلك اليوم .. تلك إذن هي ذكرياتها عن تلك القرية في تلك الليلة .. وقد عادت إليها في هذه الليلة سيدة شابة محترمة لترى وتقف على حقيقة طردها في تلك الليلة .. فهي طوال السنوات العشرين الماضية تسأل نفسها عن سبب طردها وبتلك الطريقة البشعة !!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ

قصـة خيالية / للكاتب السوداني عمر عيسى محمد أحمد