المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قصـــة الأرمــــلة ســــت الشـــأي !!



عمر عيسى محمد أحمد
04-21-2010, 12:24 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

:36_3_6[1]:


الأرمـــلة سـت الشــاي:

كانت حياتها في بيت زوجها طبيعية وعادية .. مثل حال كل العائلات التي تكافح من اجل لقمة العيش .. وكان هو يجتهد في السعي والحصول على ما يقدر من الدعم لأسرته تلك المكونة من سبعة بنات .. أفواه تحتاج إلى قوت يومي هو من لوازم البناء الجسمي .. وأجساد تحتاج إلى كسوة تستر الحال .. وعقول صغيرة في حوجة إلى التعلم والخروج من غياهب الجهل .. أما الاحتياجات الأخرى ومنها الشفاء في حالات المرض والسقم .. فكانت تعتبر عندهم من الكماليات وليست من ضروريات الحياة .. وخاصة وجارة لهم تجيد الوصفات الطبية الشعبية والعشبية .. ودارت الدائرة .. وجرت الأيام .. ودوام الحال من المحال .. وفي غفلة من الزمن يأخذ القدر دوره .. فيموت الزوج في حادثة سير وهو يسعى في طلب الرزق .. ثم تبدأ مشكلة الأرملة التي وجدت نفسها وحيدة في مواجهة أمواج عاتية .. لحياة لا ترحم .. وثقل تعجز عن حمله الجبال .. فلا قريب يدنو منها ولا بعيد يحنو عليها .. والكل في زمن يقول فيه ( يا نفسي ) .. فكرت ثم خططت فجمعت وطرحت .. فقيادة سفينة الأسرة أصبحت ثقلاً على عاتقها ولوحدها .. فكرت في عمل يعينها في تسيير دفة الأمور ولكنها لا تملك شيئاً من رأس المال .. حتى القليل منه .. وهي تنتظر الفرج من تعويضات متوقعة من قضية زوجها في حادثة المرور أمام المحاكم .. وهي تلك القضية التي تتلاعب بأوراقها شركات التأمين التي تجيد اللعبة .. وخاصة أمام امرأة لا حوله ولا قوة لها .. ضعيفة ووحيدة .. قضية تحتاج في حسمها فطاحل رجال القانون من المحامين المقتدرين .. أما هي فلا تملك أجرة الترحيل إلى قاعات المحاكم ناهيك عن مستحقات المحاماة !! وأطفالها تمر الأيام بهم ولا يجدون إلا تميرات في حالات نادرة مع جرعة ماء .. تلك هي أحوالهم .. وتلك هي حياتهم .. ومستورة والحمد لله .. كلمة تغطي ما خفي في عفة وعزة وشرف ..
وتمر الأيام والسنون ثقيلة .. وجناب القاضي صبره فاق كل المعقول .. وهو يكتب اليوم كله في شئ تجهله المسكينة .. التي تقف أمامه في حيرة الساعات تلو الساعات .. وتحس بثقل جسدها في وقفتها تلك الطويلة .. ولا تجد أحداً يطلب منها الجلوس .. ولا أحد يعيرها انتباهاً .. هي قد تعودت تلك الوقفة منذ زمن طويل .. وكانت في بداية شبابها تملك ذلك القدر من العافية لتقف طويلاً .. ولكن للأيام مفعولها وللبدايات نهايات وخاصة مع بني البشر .. فكل يوم يعني زيادة في أيام العمر ونقصاً في معدلات العافية .. وهي تعلم سلفاً تلك الكلمة المعهودة من جناب القاضي .. وقد سمعتها مئات المرات من قبل .. لقد تأجلت الجلسة لستة أشهر أخرى !! .. تلك هي حال معظم القضايا التي تماثل قضيتها .. وقد قيل لها من قبل كم من قضايا في المحاكم تطول وتمتد لعشرات السنين .. وتنتقل من قاض لقاض .. وخلاها قد يموت الكاتب أو الشاكي أو المشتكي عليه أو القاضي أو الشهود .. وفي النهاية الزمن يحكم فيها لتكون مجرد إضبارة في قسم الأرشيف تتوالد فوقها العناكب !! .. أما لماذا تتم بتلك النهاية فلا أحد يجرؤ ويجيب ولا يستطيع المجيب أن يجيب حتى ولو حاول !! .. هي سنة في المحاكم أن يكتب القاضي ويكتب ثم يكتب ثم تؤجل مراراً وتكراراً .. وكأنه بتكراره ذلك يتعمد أن يتوقف أحد أطراف النزاع أو يمرض أو يموت أو يعجز عن الحضور بسبب علة من العلات فيجد مبرراً في شطب قضية بحجة عدم الحضور .. المسكينة خرجت من قاعة المحكمة وهي تجرجر جزاً من ثوبها في الأرض .. وكالعادة الناس الطيبين يشيرون لها برفع طرف ثوبها من الأرض .. فتميل وتأخذها طرف ثوبها وتجلس في كنبة طويلة عتيقة .. وتفكر في حالها وحال أطفالها .. ثم تضع ملف أوراق القضية التي كانت بيدها في الأرض بجانب الكنبة .. ثم تدخل في متاهة عميقة من الهم والتفكير .. ولا تحس بحولها من الداخلين والخارجين .. ثم يلعب القدر دوراً آخر فيظن البعض أنها جلست هناك فقط لتسأل الناس المساعدة .. أي شحاذة من الشحاذين .. وعندما فتحت عينها وجدت أن الملف الذي في الأرض أمامها قد امتلأ بالجنيهات وأنصاف الجنيهات .. !! ثم بالخمسات والعشرات .. والناس يتدافعون لمساعدة تلك المسكينة المنهكة .. وتفاجأ بالأمر ثم تحاول أن تقول شيئاً .. تحاول أن تقول للناس أنها ليست كما يظنونها .. ولكنها تعجز عن ذلك ثم تبدأ في بكاء شديد .. ثم تهدأ الأحوال وتقل حركة الناس .. ويهدأ بالها قليلاً قليلاً .. ثم باستحياء شديد تجمع تلك الأموال المشتتة .. وتأخذها برغم إحساس في أعماقها يمنعها ولكنها مجبورة .. فهناك أفواه تنتظرها جائعة .. ثم خرجت من داخل قاعات المحكمة محطمة الكبرياء .. شاردة الذهن .. واهنة القوة .. ثم وقفت والتفت لناحية المحكمة ثم أقسمت بأن لا تعود إليها مرة أخرى .. ومن تلك الأموال في طريقها اشترت مستلزمات عدة الشاي .. ثم بدأت تمارس بيع الشاي .. أمام الدكاكين في الأسواق .. وهكذا عرفوها ناس السوق بالأرملة ست الشاي !!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


قصة من محض الخيال / للكاتب عمر عيسى محمد أحمد

ام روعه
04-25-2010, 09:58 AM
سبحان الله ...الحاجة ام الاختراع
هكذا هو حال كل الامهات الجد والكد والتعب من اجل غد مشرق بأذن الله

واصل فى ابداعك يا عمر عيسى