المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مـن حقيبة الفـن لغــة القصـيــد



ام روعه
04-29-2009, 01:34 AM
http://www.alsahafa.sd/news_images/28042009021657sror.jpg

لقمان على
القصيد: جمع قصيدة، وهي ماجاوزت سبعة أو عشرة أبيات، وسنعرض هنا للغة التي صيغ بها هذا القصيد الغنائي، وكيف أنها تطورت من طور إلى آخر في تلك الفترة من الزمن، والتي انحصرت، على وجه التحديد، بين سنة 1919 وسنة 1947، كما يقول الرواة الثقاة.
فحين نطالع ذلك القصيد الذي جادت به قريحة الشعراء في فجر مرحلة الحقيبة، نجد أن اللغة التي نُظم بها كانت لغة أهل البادية الشائعة الاستعمال بين الناس يومئذٍ أي لهجة الحياة اليومية التي خلت من أية مفردات أو عبارات غير مفهومة، فهي إذن كانت لغة الاتصال الفني التي استطاعت أن تعبّر عن وجدان الناس بتلقائية في أي ضرب من ضروب الأدب، وقد كانت لغة ذلك القصيد الغنائي بما فيها من تراكيب وجمل، مشبّعة بروح الإنشاد والترنيم، لذلك كانت طوع مخيلة المطربين، فأجادوا غناءها، وأبدعوا فيها إبداع الرسامين في لوحاتهم والنحاتين في نقوشهم، فوقعت في نفوس متلقيها وقعاً حسناً.
ومن ذلك القصيد، ، اخترنا إليك واحدة عتيقة، فتعال معي ننظر إلي اللغة التي صيغت بها: أما هذه القصيدة التي اجتبيناها، فقد ألّفها الشاعر إبراهيم العبادي، وشدا بها المطرب محمد أحمد سرور، وعنوانها: جدي العزاز: وسنقدم مطلعها وبعض أبيات فيها:
جدي العزاز الجيدو قزاز يا عزاز أنا نومي خزاز
الخصرو هضيم لا جوع لا ضيم
خاتي عضيم الما نضّيم
من تبّ حشيم الماهو غشيم
فيهو رشيم لقلوبنا شيم
أحور أمقل إن شفتو وقل
طي ومرقّل شيش اتنقّل
***
شرح المفردات:
العزاز: عِزاز وأعزّة وأعزّاء، مفردها عزيز، وهي في صدر البيت
بمعنى نادر، أما في عجزه فبمعنى مكرّم.
خزاز: قليل النوم.
هضيم: خمصاء البطن، ضامرة، أي ليست بدينة.
ضيم: ظلم، والمقصود به هنا الحاجة.
تبّ : نشأ.
حشيم: ذات حياء وأدب.
غشيم: مؤنثها غشيمة، وهي الجاهلة التي لا دراية لها.
رشيم: شلخ صغير يضاف إلى الشلوخ الثلاثة على خدي المرأة، وهو
يشبه الحرف T في اللغة الانكليزية، ولكن قاعدته مائلة.
شيم: شيمة البحر.
أحور: مؤنثها حوراء، أحورت العين: اشتد بياض بياضها وسواد
سوادها.
أمقل: ذو مقلة واسعة، وهي شحمة العين، أو هي السواد والبياض منها.
وقل: رفع رجلاً واثبت أخرى في الأرض.
طي: تطوّى أي استدار وانقبض كالحيّة.
مرقل: طويل. أرقلت النخلة: طالت.
شيش: بتؤدة.
اتنقل: تحول من موضع إلى آخر.
***
لقد فهمنا أن الشاعر قد رسم لنا صورة لفتاة، شريفة الأرومة، وآية في الحسن، ومحتشمة، وقد أصبته، فما رأت عينه نوماً، ومما لا شكّ فيه، أن لغة هذه القصيدة كانت مفهومة لدى الناس في ذلك الزمن، الذين كانوا يعيشون عيشة أهل البادية، فيشبّهون المحبوبة في شعرهم بالجدي وهو ولد المعز في السنة الأولى، ويستخدمون في سبيل ذلك لغة ذات مفردات وجمل تناسب مقتضى الحال. أنظر إلى المفردة: خاتي، والتي تعني بدون، وتأمل المفردة عضيم، والتي تعني عظم، وهاتان المفردتان تعنيان معاً أن تلك الحسناء كانت تتثنى في مشيها كأن جسمها خالٍ من أي عظام.
لقد كانت لغة هذه القصيدة وكل قصائد الشعر الغنائي في تلك المرحلة من الزمن ( 1919 ـ 1947) سهلة إذ فهمها السامع، فطرب لها، ولو لم تكن كذلك، لفقدت انتباهه وجاذبيته، إذاً فقد كانت تلك اللغة مستقاة من اللهجة المحلية، والتي كانت مزيجاً من الفصحى والعامية.
***
ومع مرور السنين، تطورت لغة هذا القصيد لتوائم لغة أهل الحضر، فأسقطت من جعبتها الألفاظ والعبارات التي لم تعد مزامنة لألسنة الناس بما طرأ عليها من تغيير تعليمي وثقافي، وخير مثال نسوقه هنا، قصيدة للشاعر عبد الرحمن الريح، سجلها للإذاعة المطرب الفاضل أحمد، وعنوانها: «ما رأيت في الكون»، وقد اخترنا منها الأبيات التالية، فلنقرأها ونصدح بها معاً:
ما رأيت في الكون يا حبيبي أجمل منك
في دلالك وتيهك وفي جهالة سنك

من كمالك وظرفك ومن جمالك أظنك
يا حبيبي نساء الدنيا ما بلدنك
يا حبيب الأنفس وما بتوب من حبك
لو صليتني بنارك برضي، برضي بحبك
السرور أوقاتك والمحاسن خمرك
والزمان خدامك وممتثل لأمرك
***
والآن أيها القارئ المعاصر المتذوق لهذا القصيد الغنائي، أرى أنك قد استمتعت بالأبيات التي عرضناها أعلاه، وإن لصداها رجع في نفسك، وإن فهمك لها جرى على السليقة، وذلك لأن الكلام الذي اشتقت منه، سلس، خالص من غريب القول، ولا يتطلب حاشية من الشرح والتفسير.
وفي الختام، يمكننا أن نجمع الرأي على أن لغة هذا الشعر الغنائي، قد تدرجت من لغة العربان ساكني القرى والوديان وأطراف المروج، إلى لغة أهل المدائن، خصوصاً أم درمان، وقد صارت تلك اللغة بخاصيتها هذه، والتي اكتسبتها أخيراً، الأساس الذي صيغ به الشعر الغنائي فيما بعد.

safa
05-13-2009, 09:22 PM
شكرا ام روعة دائما بتتحفينا بالمفيد


تفبلى مرورى