المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الغابة دار محنة (رواية واقعية)



أبوهاجر
12-21-2014, 12:01 PM
السلام عليكم ورحمة الله!
يشرفني الانتماء لمنتداكم الراقي لأطرح -إلكترونيّا- روايتي الجديدة، وقد اقترب جدا أوان طرحها مطبوعة من دار المصورات؛ عساكم تجدون بها فائدة ومتعة...



بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله ربِّ العالمين

والصَّلاة والسَّلام علي أشرف المرسلين.




د. إبراهيم جبريل آدم


الغابة دار مِحْنَة
رواية واقعية

الفهرس


المقدِّمة ...
الدُنيا والدّين
بين الحلفايا وانجمينا ...
المرق والماريق والماروق .......
الغابة دار مِحْنة
بركة "سلامة الأحمر" ...
بدايات الشّجن....
"بوش" في الغابة ....
الغابة دار مِحْنة ........

تلف الزمان
ربط الحمار إلي الحمار ....
تلف الزمان ....
لبن الغزال... .....
خسار دقيق. .......



جوبا نابري
فاطمة وهارون ......
دينكا .....
الصندوق .....
الغوريلا .....
حي الظروف. ......

هامشيّون في المركز
سيّارة البوليس......
فحم الزغاوة ......
الخلق والخالق .......
باب الحاكم .....
جواز سفر .....

خواتيم الحَزَن
الغرباء الثلاثة .....
تركة "جراب الإبل" ........
فجاسوا!.. ......
فقر الشّيخ........
سلمى وسلامة. ........
جنون القمر. .......




المُقدِّمة
هذه الرواية: فيها شيءٌ من ... وتضمّنت بعضاً من ... وبرزت ملامحُ من ...
: الكثافة السرديّة لألف ليلة وليلة، بأسلوب مختلف. حياديّة "الجاحظ"، دون سخريّته، حكمة "ابن المقفَّع" دون مثاليّته.
واقعيّة "تولستوي"، و"ديستيوفسكي"، بمجتمع متعدّد أوسع. وأخلاقيّة "شكسبير"، بحوارات قصيرة، قصيرة جدّا. وطرفة "يوسف السباعي"، دون تبسيطه.
خيّالية "نجيب محفوظ"، دون إفراط. مع إبراز أثر التديّن علي السلوك. وسلاسة "إحسان عبد القدوس"، وحبكة "إميلي برونتي" بعدالة فنيّة.
وثائقيّة "فيكتور هيجو"، دون بطل مطلق. وإمتاع "الطيب صالح" في تعدّد من الأبطال والبيئات.
مأسويّة عرض "أليكس هيلي" لظلم الإنسان لأخيه الإنسان حين جرّده من إنسانيّته بأرض إفريقيّة.
صدق "همنجواي" دون غرق في الجزئيّات، وتراجيديّة "المنفلوطي"، تصحبها كوميديا!
وتشويق "أغاتا كريستي"، دون غموضها.
هذه الرواية لا تنتمي إلا لنفسها.
هذه الرواية؛
ثلاث أسر سودانيّة تأثّرت بتغيّرات شديدة ترافقت بداياتها في عام 1983م، الجفاف والتصحّر الذي ضرب بادية كردفان ودارفور. والنّهب المسلّح الذي ضرب دارفور، ونشوء التمرّد الجنوبي الذي دعمته ليبيا.
أسرة "الدخري ود بخيت" التي نزحت من البادية للمدينة، ويرافقنا منها "سلامة" الذي ذهب للعاصمة للدراسة والتجارة.
تتناول الرواية الأثر العميق، غير المتوقع للبدو علي المدينة، وأثر المدينة الأكبر علي البدو. والتأثير النفسي علي من ترك داره مكرها.
أسرة "جراب الإبل" التي قاتل جدّها مع "رابح فضل الله" في العمق الإفريقي، كيف أثّر النهب المسلّح عليها، وقُتل بعض أفرادها، ونزوح الأسرة بكاملها للعاصمة والتأثيرات النفسيّة والاجتماعية عليها، وتصحبنا كل الأسرة لنهاية الرواية.
عرض أُسرة "واني ميريه" من جنوب السودان، وتنوّع دياناتها، مع عرض لصورة "جوبا" وأثر الجوار اليوغندي عليها، واختلافاتها الثقافيّة والإثنيّة، وقدوم بعض أفراد الأسرة للعاصمة، لأغراض مختلفة.
كل هذه الأسر تتقاطع ببساطة، دون تكلّف روائي، ويصادف بعضها التاجر"الطيّب" الذي حرمه الإنجليز التعلّم فكنز المال. وكيف غيّر هذا الحرمان حياته.
إطار عام من الحقائق يربطها الخيال بشخوص خياليّة، والقارئ فطن يدرك الحقيقة من الخيال.
هذه الرواية طرح جديد؛ قصص قصيرة تكوّن رواية متماسكة، سلسلة تمسك بتلابيب القارئ حتى يفرغ منها!
أو هكذا أزعم!

.... أبو هاجر .....
كادقلي في: 4 رمضان 1434ه
13يوليو 2013م.


الدنيا والدين
بين الحلفايا وانجمينا.
المرق والماريق والماروق.




بين الحلفايا وانجمينا

بطلٌ مغوارٌ، وفارسٌ صنديدٌ، لم يرضَ إلا بحكم سيفه، لم يرضَ أن يحكم عليه الإنجليز ولا الفرنسيون، وناضل بشرف حتي الموت؛ إنّه "رابح فضل الله".
وًلد "رابح فضل الله" بحلفاية الملوك كان أبوه جندياً في عهد الخديوي "اسماعيل" وعمل بمهنة أبيه حيناً من الدهر، وفي مصر تمّ فصله من الجيش لحادث أصاب يده اليمني، فصُنّف علي أنّه لم يعد مؤهلاً للعمل بالجيش.
أسّس مملكة حول بحيرة تشاد ضمّ إليها جزءً من "مملكة البرنو"؛ منطقة "مايدقري" النيجيرية وبعضاً من "الكاميرون" و"إفريقيا الوسطى" وحكمها عشرين عاما، وفعل ما لا ترضاه أوروبا -الحكم بالشريعة الإسلاميّة- فجهدت أن تقضي عليه.
تتغنى به الأشعار في كل تلك الدول وخاصّة في "تشاد"، ولكن لا تُعرف سيرته بالسودان إلا عند قليل من المثقفين.
عمل مساعداً لابن بلدته "الزبير باشا" بـ"بحر الغزال" الرجل الذي حرّر العبيد وجعلهم جنوداً، وشوّه الإنجليز صورته علي أنّه تاجر رقيق بشع، والعكس هو الصحيح، والشاهد أنّ الزبير جعل من اتباعه قوّة ضاربة والعبد لا يقاتل؛ فماذا يستفيد؟
خدع الإنجليز "الزبير باشا" وأخذوه للمنفى، ومن بعد خدع "جسي" و"غردون باشا" ابنه "سليمان" وقتلاه غدراً وغيلة، نصح "رابح فضل الله" "الزبير باشا" وابنه ألّا يركنا لوعود الإنجليز وأنّهم لا عهد لهم، وأنّهم لو استسلموا سيصيرون "خَوَلا" للإنجليز يفعلون بهم ما يريدون.
صدق حدس "رابح" وانسحب مع من تبعه -ألفٌ من الجنود- لداخل "تشاد" وسلاحهم أربعمائة بندقيّة والسيوف والرماح، توغّل عميقاً وحارب وحارب وانتصر وأسّس ممكلة قويّة حول بحيرة "تشاد".
في أعماق دارفور بلغ الشاب "محمود ود الشايب" مبلغ الرجال، ونظر لبنت عمّه فوجدها أجمل النساء فتقدّم لخطبتها من أبيها، ولكن وجد رجلاً من قرابته قد سبقه لخطبتها بيسير، فأظلمت الدنيا أمام ناظريه.
كثيرٌ من الأحداث الصغيرة تُحدث ردود أفعال كبيرة؛ شعر "محمود" بالضّيق يكتنف جنبيه، ركب حصانه وأخذ سلاحه، وخرج لزيارة صديق له بقرية قريبة، وفي الطريق وجد جنوداً لـ"رابح فضل الله" علي مورد ماء، تقدّم ليسقي حصانه فقالوا له:
- التزم الأدب؛ كيف تزاحمنا علي الماء؟
قال لهم –وقد ظنّهم لصوصاً ممّن يقطعون الطريق-
: أنتم من زاحمتمونا، هذه أرضنا وأنتم غرباء!
قال له أحدهم: هل تبحث عن القتل؟
قال له: نعم، وأظنّكم أيضاً تبحثون عنه.
دهشوا وقالوا له: وجدت ما تبحث عنه؛ سنقضي عليك!
قال لهم: كونوا رجالاً وقاتلوني واحداً فواحداً، لا كما تهجمون جماعة علي فرد لتنهبوه، وسأقضي عليكم!
نظر بعضهم لبعض، وهم يعلمون أنّ قائدهم "رابحاً" لا يرضي الظلم، قالوا له:
- اسق حصانك وانطلق راشداً.
قال لهم – وقد وجد في تحدّيهم متنفسّاً لضيقه-:
- طالما تخافون القتال يمكنني مصارعتكم!
كان جادّاً وغاضباً.
قالوا له: نحن أهل قتال عركتنا الحروب وقوّتنا التجارب ، وقويت عضلاتنا ممّا عانت من الأحمال، ويستطيع أيّ واحد منّا أن يصرعك في لحظةّ!
نظر لأقواهم بنية وقال له: ما اسمك؟
رد عليه: لماذا تسأل؟
فقال: لحاجة في نفسي!
قال له: اسمي "مكين ود الفكي" الملقّب بـ"سبق الموت"!
قال له: أريد أن أصارعك، لأطرحنّك أرضاً يا "سبق الموت"، ولولا أنّكم جبنتم عن قتالي لقاتلتك وقضيت عليك، وليعلم أصحابك أنّك لا تسبق الموت!
ضحك "سبق الموت" وقال له: لا بأس سأصرعك في رمشة عين.
نزل "محمود ود الشايب" من حصانه، وشمّر عن ساعديه. كان متين البنية متناسق القوام، وكان "سبق الموت" أكبر حجماً، قويّ البنيان له كرش بارزة.
تصارعا جولة وجولة دون أن يتمكّن أحدهما من هزيمة الآخر، وفي غفلة دخل "سبق الموت" علي بدن "محمود ود الشايب"، رفعه عن الأرض ولكن لم يستطع أن يطرحه أرضاً بل نزل "محمود علي رجليه"!
استبطأ "رابح فضل الله" جنده، وكان يتفقدهم بنفسه، وسمع الجلبة والتصفيق علي مورد الماء، فأسرع بحصانه نحوهم، وأبصر الصراع وحين نزل "محمود ود الشايب" علي قدميه أبصره "رابح" فهتف: رائع!
عرف "سبق الموت" صوت قائده "رابح" فالتفت، واغتنمها "محمود ود الشايب" وفي لحظة كان "سبق الموت" علي الأرض! صفق الجنود لـ"محمود" وقال "سبق الموت" :
- لم يهزمني بشرف!
قال له "رابح": أنت المخطئ، ما كان ينبغي أن تلتفت.
ثمّ سألهم: ما سبب هذا الصراع؟ أخبروه، فقال لـ"محمود ود الشايب":
- واضح أنّك خرجت غاضباً من قريتك. ما السبب؟ هل هجرتك زوجتك؟ طردك أبوك؟ خاصمت أمّك؟
قال ذلك باسلوب مرح ككلّ المقاتلين، دوماً تجد الجنود ومن يخوضون المعارك يتحلّون بروح دعابة عالية، عكس واقعهم حيث يواجهون الموت دوماً.
تبسّم "محمود ود الشايب" لأوّل مرّة منذ أيّام، وأحسّ أنّه يعرف "رابحاً" وجنده منذ زمن، فقال:
- لا هذا ولا ذاك، سبقني ابن عمّي الأكبر لبنت عمّي الآخر، فعكّر مزاجي. وضيّق أخلاقي.
ضحكوا، وقال له رابح: كن معنا!
سأله "محمود": لأنهب النّاس؟
قال له "رابح": لا، نحن من جند "الزبير باشا"، رفضنا الإستسلام للإنجليز.
قال محمود: خيراً فعلتم.
ثمّ سألهم : أين تقصدون؟
قال له: نقصد جهة الغرب ونريد أن نؤسّس دولة تحكم بما قال الله، قال رسوله.
قال له " محمود": هذا يعجبني.
قال له "رابح": إذن كن معنا.
قال له "محمود" ببساطة: أنا معكم.
قال له رابح: أنت رجلٌ رائعٌ، وقال في سرّه: ياله من مجنون!
تجمّع الجند وتحركوا غرباً، سار "محمود" قرب "سبق الموت" وقال له: قل لي؛ لِمَ لُقِّبت بـ"سبق الموت"؟
تبسّم "سبق الموت" وقال له: لقد نجوت من معارك عديدة ومواقف قاتلة، ولكن السبب الأساسي: أنّه ذات يوم خرجت من المعسكر لبئر ماء قريبة ووجدت ماءَها قليلاً فنزلت لـ[أُكحِّل] عيون البئر فانهدمت عليَّ، وعمق البئر نحو طول قامة عشر رجال.
أيقن الجنود بموتي وأردوا ترك جثتي بالبئر لتكون لي قبراً. ولكنّ "رابحاً" أمر أن تخرج جثتي وأكفّن ويُصلَّي علي، واستمرّ العمل أربعة أيّام وثلاث ليال، وجدوني حيّا، فلقّبوني بـ"سبَقَ الموت"!
سار الجند في غابة كثيفة يقتاتون من صيدها وثمارها البريّة حتي وصلوا مملكة "ودّاي" قال لهم "رابح" : هذه المملكة إسلاميّة. لو تغلبنا علي سلطانها يمكننا أن نستعين بجنده ونتوسّع حتي غرب إفريقيا ونؤسّس مملكة قوّية. ولكنّ جيش "الودّاي" تصدّي له بقوّة، ومع ذلك ضمّ جزءً من مملكة "الودّاي"، ثمّ قرّر "رابح" توجيه قوته نحو القبائل الوثنيّة بإقليم "سارا" فأخضعه، وحاز جزءً من مملكة "برنو" الإسلاميّة، وقطع –في مسيره- نحو ألف كيلو متر من دارفور حتي "بحيرة تشاد" وبين "دار فور" وبلدته "حلفاية الملوك" نحو ألف كيلو متر أُخرى.
استقرّ " رابح فضل الله" علي ضفاف نهر "شاري" الذي يفصل بين "تشاد" و"الكاميرون". أخضع القبائل الوثنيّة حول النّهر والبحيرة، كان شجاعاً مقداماً يبادر بالحرب متقدماً بنفسه الصفوف. فحاز أجزاءً من "تشاد" و"نيجيريا" و"الكاميرون" و"إفريقيا الوسطى"، وأسّس حكما إسلاميّاً مرجعيّته الشريعة الإسلاميّة، وحكم بالعدل فأحبّه الأهالي محبّة شديدة. وشعر الفرنسيون والإنجليز بالخطر، فساومه الفرنسيون، علي أن يحكم باسمهم فأبى، وعرضوا علي هذا (المغامر) عروضاً كثيرة فرفضها: أليس هولاء المستعمرون من غدر بقائده "الزبير باشا" وابنه "سليمان"؟ كان يعتقد في قرارة نفسه أنّهم يستهدفون الدّين ولا شيء سواه؛ فرفض عروضهم.
حكم "رابح فضل الله" عشرين عاماً وبعد حروب متصلة استقرّ علي أن يبني مدينة علي شاطئ نهر "شاري" وسمّاها باللهجة السودانيّة "انجمينا" (استجممنا).
استقر الجيش مع قائده بـ"انجمينا" وبعد سنوات تزوّج "محمود ود الشايب" بفتاة من نساء الفولاني –وهنّ نساء رائعات الجمال- وأنجب منها. أحمد و"ست البنات" و"أم كلثوم" علي اسم أمّه التي افتقدها كثيراً وندم علي فراقها.
لم يتحمّل الفرنسيون قيام مملكة إسلاميّة مُقتطعة من مستعمراتهم، وحين لم يستجب لمساوماتهم شنّوا عليه الحرب.
أوّل اصطدام لـ"رابح" بالفرنسيّين كان حين اعترض سبيل الفرنسي "بول كرامبل" الذي قدم لـ"إفريقيا الوسطي" مستكشفاً ومعه قوّة حماية-ويقين "رابح فضل الله" الراسخ الموجه لتصرفاته: أنّ أمثال "كرامبل" جواسيس يمهدّون للمستعمر، ويمهدّون للمبشِّر "دانيال كمبوني" الذي أرسل بعثة للمنطقة كما أرسل البعثات لـ"كردفان والإستوائيّة" - فتصدّي له وأباد قوة حمايته وقتله.
سمع "رابح" بـ"المهدي" في السودان فقرّر أن ينضمّ إليه طالما يقاتل "الكفار" ولكن سمع بوفاة المهدي وهو في الطريق فرجع واستقرّ بـ"انجمينا".
جدّد الفرنسيون الإتصال؛ فقال لهم: بيننا وبينكم السيف. أحسّت بريطانيا في "نيجيريا" بالخطر من هذا الرجل الذي نفت "الزبير باشا" الذي جنّده، وقتلوا قائده "سليمان" غدراً بـ"بحر الغزال" فحرّضت فرنسا التي لم تكن بحاجة لهذا التحريض للتحرك نحو"رابح" وبعثت جيشاً عرمرماً وكانت معركة "تجباو" فمحقها "رابح"؛ بادر بالهجوم، وقضي علي قائدها الفرنسي "بريتونيه" بعد أن قضي علي أكفأ قادته الميدانيّين. وكان صدى المعركة قويّاً فانضم لـ"رابح الألاف" وتغنّت به الفتيات حول بحيرة تشاد.
أعّدت فرنسا العدة من جديد للإنتقام من "رابح" بثلاثة جيوش قادها الكابتن "روبيليو" فهي لا تريد "عبد القادر جزائري" آخر، استخدم "رابح فضل الله" كل ما تعلمه من فنون القتال منذ عهده بجيش الخديوي ومهارات "الزبير باشا" وما تعلّمه بنفسه من المعارك التي خاضها، ومن جديد كسر "رابح فضل الله" الجيش الفرنسي الحديث المجهز كسراً شديداً وكانت مجزرة للجيش الفرنسي وفرّ "روبيليو" جريحاً، بعد قضاء "رابح" علي الفرقتين الفرنسيتين المباشرتين للمعركة جنوداً وقادة.
أحسّ رابح أن هذا النصر الرائع له تبعاته؛ أنّ فرنسا ستجمع له كل قوّتها وستعمل علي ذلك شهوراً.
جمع قوّته التي جاءت من السودان، وقلّب بصره في جنوده، وقال لهم : يا إخوان لقد حاربنا ربع قرن من الزمان ولم نَحُز من قبل مثل الانتصار الباهر الأخير، ومهما يكن فنحن قوّتنا محدودة، وهؤلاء المستعمرون لهم موارد لا تنتهي مما يسلبونه من المستعمرات، وسيجمعون كل طاقاتهم لحربنا، والمعركة القادمة ستكون فاصلة والأرجح عندي أنّهم سيأتوننا بما لا قبل لنا به، ربما انتصرنا وقهرناهم تماما، وإن كانت الأخرى فمن ناحيتي قرّرت الموت في الميدان، ولكنّ أنتم بالخيار من شاء بقي، ومن أراد العودة لأهله بالسودان فله ذلك، كنتم أبطالاً في كل موطن، وأنا راضٍ عنكم، ولا أرغم أحداً منكم علي شيء!
قال له "سبق الموت" : نحن معك، علّمتنا أمّهاتنا أنّ الرجل لا يفّر، وأنّ ابن الحرّة لا يتخلّي عن زميله.
تلك الليلة تحدث "محمود ود الشايب" مع زوجه "زيتونة" قال لها:
-زيتونة! كم سنة عشناها معا؟
قالت: ثلاثة عشر عاما.
قال: هل طلبت منّي شيئا يوماً ورفضت؟
قالت: لا.
قال: هل أسأت يوماً لك أو لأحد من أهلك؟
ازعجتها عبارته وتحرك قلبها وقالت والدمع بعينيها: لا، بل كنت أفضل رجل تعاملاً وما رأيت مثلك.
قال لها: هل يمكنك أن تردِّي لي هذا الدّين؟
بكت وقالت: لو طلبت روحي فهي لك.
قال لها: الجيش الفرنسي يعدّ العدة لمعركة فاصلة، وربما كانت النهاية، أطلب منك أن تخرجي مع أهلك في قافلة الحج الشهر المقبل، وأن تذهبي لأهلي في "دار فور" لتري أمّي عيالي عسي أن تسامحني.
قالت له بصوت باك: لك ذلك ولكن خذنا أنت لأهلك.
قال لها: الرجل الأصيل فارس المعارك لا يهرب ويدع زملاءه، اذهبي بالأطفال لأهلي، لو سمعت أنّ "رابحا" قد انتصر وكٌتبت لي السلامة فاعلمي أنّها آخر معاركي وسأعود لـ"دار فور" ولو سمعت أنّ "رابحا" قتل فثقي أنّ زوجك قد قتل.
بكت بكاءً شديداً واحتضنته، بعد شهر كانت "زيتونة" وعيالها "أحمد" و"ست البنات"و"أم كلثوم" يتجهون نحو دارفور مع قافلة "الفولاني" المتجهة للحج، وفي قرية من قري "دارفور" كانت الحاجة "أم كلثوم" والدة "محمود" قد هدّها الحزن علي "محمود" أحبّ أولادها إليها، خرج مغاضباً منذ سنين طوال. سمعت أنّه سار مع جيش "رابح" الذي يشن الحرب بعد الحرب، وكان قلبها يحدثها أنّ "محموداً" حيٌّ يرزق.
سألت "زيتونة" عن القرية دُلّت عليها وجاءت عصراً لأم زوجها التي ما أن أبصرت الطفل "أحمد" حتي خرّت مغشيّاً عليها، كان نسخة من أبيه, وحين أفاقت العجوز احتضت الطفل وتذكرت ما كانت تقوله أمّها مداعبة لحفيدها "محمود" فجرى علي لسانها:
- قرفة قديم، جراب الإبل، عجب البنات!
تكرّر ذلك وتبكى. تجمّع أهل القرية بمنزل حاج "الشايب" وبكوا مع العجوز التي أبكت "زيتونة" وعيالها، وسمعوا العجب من "زيتونة" عن حياة زوجها وسيرته مع "رابح فضل الله".
بعد أن سمعت العجوز حديث كنّتها احتضت "أحمد" وقالت: لن يعود ولدي سيقتل أنا أعرفه سيقاتل حتى النهاية، ولكن "جراب الإبل" هذا سيعزيني.
جاءت "زيتونة" بذهب أوصاها زوجها أن تعطّ أمّه وأباه جزءً وأن تحتفظ ببقيته لحين عودته وإن مات تربّي به العيال. فقد كان يمارس الجنديّة والتجارة بعد استجمام الجند لسنوات بـ"أنجمينا".
جمعت فرنسا قضّها وقضيضها وجاءت لـ"انجمينا" وأرسلت لـ"رابح" رسولاً فقال له:
تعرض عليك الجمهورية الفرنسيّة الاستسلام.
ردّ عليه: في بلادنا أقبحَ شتمٍ يوجّه للرجل أن يُقال أنّه خَوَل! والخوَل من ينكسر للرجال فيتصرفون فيه، لن أكون كذلك! وقد مررت بهذه التجربة قبلاً، أعطى الإنجليز الأمان لقائديّ "الزبير باشا" وابنه "سليمان" فغدروا بهما؛ نفوا أحدهما وقتلوا الآخر، لن يتكرّر هذا معي؛ المؤمن لا يلدغ من جحر مرّتين.
قال له الرسول: تعرض عليك فرنسا أن تحكم باسمها وتتبع لها.
نهض "رابح" وقال للفرنسي عبر المترجم: كلمة أخرى وأقطع رأسك؛ هذه بلاد مسلمين بينها وفرنسا جبال، وغابات، وصحارى، وبحار، وليس من سبب يدعوكم للقدوم إلي بلادنا والهجوم علينا. إلا اللصوصيّة والتسلّط، عودوا لبلادكم ولو أبيتم نحتكم لميدان القتال، أنتم تريدون ديننا، ونحن نختار بين النصر والشهادة، وبتعبير تفهمه: لن نستسلم؛ ننتصر أو نموت!
نظمّت فرنسا من جديد ثلاث حملات منفصلة لتهجم علي "رابح" بالتناوب حتي تقضي عليه، ودارت معارك طاحنة حول بحيرة "تشاد" وفي إحداها قرّر "رابح" أن يهجم بنفسه علي القائد الفرنسي "لامي" ليحسم المعركة التي استمرّت ثمان ساعات، وهجم "رابح" وكان بين يديه "سبق الموت" -وكثيراً ما يوازيه "رابح" ويتقدّم عليه- وعن يمينه "محمود ود الشايب"، كانوا دوماً يتقدمّون الصفوف لبث الحماسة في الجيش، وكانوا يحسّون أنّ هذه المعركة ربما كانت الأخيرة، وإذا لم يكن من الموت بدٌّ فمن العجز أن تموت جبانا، واخترق الثلاثي صفوف العدو علي طريقة "رابح" -التي اعتمدها الجيش التشادي في ما بعد؛ الهجوم السريع المباشر علي العدو وتكثيف النيران- قصدوا قائد الحملة لحسم المعركة، ولكن قبل أن يصلوا إليه أصيب "رابح" برصاصة في صدره فسقط أرضاً بلا حراك.
تقدّم "سبق الموت و"محمود" وقاتلا حتّى النهاية: نهاية السباق مع الموت، قُتلا بعد أن قتلا جماعة من العدو. بعد نفاذ ذخيرة الفريقين إلّا قليلاً، وبعد أن عملت السيوف والرماح عملها في الفريقين، سقط "رابح" و "سبق الموت" و"جراب الإبل" وفي يد كلّ واحد منهم سيف مشهور وبندقية تتدلّى من الكتف.
أيقن القائد الفرنسي "لامي" بهلاك "رابح فضل الله" فترجّل وتقدّم نحو الجثّة، وكان الخطأ المميت؛ حيث وبلا -مقدمات- تحرّك "رابح فضل الله" وصوّب بندقيّته نحو "لامي" بدقة ومهارة وسرعة، فأصابه إصابة مباشرة في صدره بيمينه -التي كانت سبباً لفصله من جيش "الخديوي" عبّاس، لضعفها بعد الحادث الذي أصابه بـ"مصر"، وقيل أنّ الحادث كان بمعركة الحبشة- وكانت الإصابة القاتلة، ومات "لامي" من فوره، وعاجل الجنود "رابح فضل الله" برصاصات عديدة وعندما قتلوه أحتذّوا رأسه وذهبوا به لقائد الحملة الثانية "جنتل". الذي وقف للرأس باحترام. الرأس التي دوّخت الإنجليز، والفرنسيّين، وما مات صاحبها حتي مات مضرب سيفه من الضّرب واعتلت عليه القنا السمر، وقال أنّه يود أنّ "رابحا" عاش وقبل عروض (الجمهورية) الفرنسيّة، وأنّه يكن له كل الإحترام.
وكانت نهاية الرجل علي بعد ألفي كيلو متر من "حلفاية الملوك"، من بيت أمّه وأبيه، رفض الإستسلام وآثر الشهادة، وكان يجزم أنّ الأوربيين يعلنون شعارات الحرية والديمقراطية ويعملون ضدها بالضبط ألم يوصهم كاتبهم "ميكيافيلي" أن يتكلموا عن السلام –خديعة- ويمارسوا الحرب؟
سقط "رابح فضل الله" ومات رجلاً، وقد ابتعد كثيراً عن مسقط رأسه، بقدر ما اقترب من الرجولة والشّرف ، رحل وترك النّاس حول البحيرة والنّهر يبكون الحاكم العادل، والفارس الصنديد. مفضِّلاً الموت علي أن يصير وجنده (خولاً) بيد الفرنسيين يعيشون حياة هانئة وادعة، بلا رجولة ولا كرامة.
وغيّر الفرنسيون اسم "انجمينا" علي اسم قائدهم الهالك "لامي" فأطلقوا عليها "فورت لامي" وبعد الإستقلال دارت حروب "تشاد" الأهليّة دورات طويلة مؤلمة، وفي لحظة راحة من الحرب أعادوا الاسم القديم لعاصمتهم كما سمّاها البطل "رابح" : (إنجمينا).
بعد انهيار دولة "رابح" قصد الفرنسيون مملكة "ودّاي" الإسلامية وقضوا عليها ودبّروا مكيدة؛ جمعوا العلماء والمشايخ وقتلوهم ضربا بالسواطير، وهذا ما تنبأ به "رابح فضل الله".
زعم الفرنسيّون انّ رجلاً مسترقاً بممكلة "الوداي" من إقليم "سارا" الوثني الذي حكمه "رابح فضل الله" اعتنق الإسلام، وحضر درساً لشيخٍ مسلم من الـ"ودّاي" وذكر الشيخ أنّ من قَتل كافراً دخل الجنّة، (فتعدّي) بالقتل علي أحد كبار المسؤلين الفرنسيين وألقي القبض عليه، فأقرّ القاتل أنّ الشّيخ هو المحرّض؛ فدبّروا مكيدة، ودعوا جميع الشيوخ لـلتفاكر بأمر الدّين في (إجتماع) بـ"أبشِّي"، وقتلوهم غدراً ضرباً بالسواطير علي الرؤوس والأعناق، تماماً كالطريقة التي تُقتل بها الماشية بالمسالخ الأوروبيّة، فتفرّق "الودّاي" أيدي سبأ بكل وجه وهربوا لكل البلدان.
وتزعم الـ"ودّاي" أنّ الله نجّى بعض الشيوخ فوجدوا أنفسهم بقراهم، واصطلحوا علي تسمية ذلك بالطيران، فيقولون طار شيخ فلان وشيخ فلان من المجزرة؛ ومنهم شيخ فرّ بأسرته لأطراف دار فور وترك الأسرة بقرية أهل "محمود ود الشايب" وغادر لـ"كردفان".
عاشت "زيتونة" وعيالها مع أهل زوجها وكانت ترى أنّ زوجها فلتة لن تتكرّر، وإنّه لا يوجد من يدانيه في أيّ صفة من صفات الرجولة والشهامة، حين علمت بمقتل "رابح" علمت أنّ زوجها لا شك لاقى مصير قائده، وجاءها النبأ بذلك، فبكت حتي ضعفت، وكان عزاؤها أنْ سمعت لاحقاً أنّ زوجها قاتل قتال الشرفاء حتي النهاية، لم يجبن ولم يستسلم، فعكفت علي تربية العيال مع قوم أحبّوها غاية الحب.
كلّما تقدم لخطبتها رجل من قرابة "محمود ود الشايب" الملقّب بـ"جراب الإبل" تسأل عنه وتدرسه، فلم تجد من يدانيه من عدّة خطّاب تقدموا لها، فأغلقت هذا الباب تماماً، وعكفت علي تربية عيالها.
لزم لقب الأب "جراب الإبل" الطفل "أحمد" ونشأ به وكان كأبيه خلقة وأخلاقا وكان "عجبا للبنات" كما تناديه جدته.
كبر "جراب الإبل" وكان مزارعاً ناجحاً (أخضر اليد) وكان له من جميع أصناف الأموال.
حين خرج "رابح فضل الله" من "الحلفاية" أوّل مرّة برفقة "الزبير باشا" لم يخطر بباله قط أن سيؤثّر كل هذا الأثر في التاريخ، وهو المفصول من الجيش لحادث أضعف يده اليمني فعاد من القاهرة لموطنه والتحق مساعداً للزبير وكان ما كان. كم من أحداث صغيرة صنعت التاريخّ؟!
وكانت نهاية "رابح" رائعة بعد معركة استمرّت ثمان ساعات، في أبريل 1900م. وجعلت "فرنسا" إقليم "سارا" الوثني الذى اجتهد فيه "رابح" نصرانياً وقدمت أهله علي المسلمين.

أبوهاجر
12-21-2014, 12:06 PM
الغابة دار محنة
(الحلقة الثانية)
المرق والماريق والماروق!

ثار الغبار كثيفاً، وعربة المفتش الإنجليزي تعبر قري الجزيرة بين النيلين، في طريقه من العاصمة لمدينة القضارف، لم تكن هناك طريق مرصوفة؛ فكانت كل قرية تًكلّف بتمهيد الطريق لسيّارة المفتش ووضع أكوام ترابيّة يهتدي بها سائق سعادة المفتش.
كانت بجيب المفتش مذكّرة لخصّها من ملاحظات مهمّة كتبتها إدارة المستعمرات البريطانيّة؛ كانت الملاحظات الأصليّة دراسة مسهبة –رغم مضي نصف قرن عليها لم تفرج عنها المخابرات البريطانيّة- وتوصيّات مستخلصة من تجربة إدارة الصراع مع "رابح فضل الله"، منذ بداياته بجيش الخديوي عبّاس والتحاقه بـ"الزبير باشا" إلي مقتله قرب بحيرة تشاد.
وتقترح التوصيات معالجة الأسباب الثقافيّة التي جعلت "رابح فضل الله" ينسحب سالماً بمجموعة كبيرة من الجنود، مع أنّ زعيميه قد استجابا للرغبات الإدارة الإنجليزية، فلابدّ من وضع أسّس لمنع استقلال أيّ فرد بقوّة من الجيش، ووضع التراتيب اللازمة لحسم أيّ تمرد كي لا يتطوّر كما فعل "رابح فضل الله".
وأثني التقرير علي المعالجات الوقائيّة التي وضعها الفرنسيّون لأضعاف ذكري "رابح فضل الله" في نفوس الأهالي حيث حكم، فقد صوّر الفرنسيّون الرجل علي أنّه مجرد عبد مملوك لـ"الزبير باشا" خاض مغامراته خوفاً من حياة الرق! كأنّه لم يكن جنديّا بجيش الخديوي "عبّاس"!
وأوصى التقرير بالتعتيم علي تجربة "رابح فضل الله" التي وحدّت عدّة بلدان تحت حكمه واتفاق النّاس عليه، كما أوصى التقرير بالعمل علي ألّا يذكر "رابح" بالمناهج الدراسيّة في بلده الأصليّ، ومواصلة فرنسا تشويه صورته بالعمق الإفريقي.
أخطر نقطة عرض لها التقرير هي تحرّك "رابح فضل الله" لنصرة "المهدي" ولولا وفاة المهدي لكان ذلك التحرّك خطرا شديداً علي "بريطانيا" و(العالم المتحضّر): دولة قابلة للحياة والتوسع تمتد من "نيجيريا" و"الكاميرون" حتي ساحل البحر الأحمر.
قطع حبل أفكار المفتش اختفاء العلامات التي تبيّن للسائق الطريق فقرّر العروج علي أقرب عمدة.
أوقف المفتش سيارته أمام عريشة العمدة الواسعة وقد علق الغبار بطرفي شاربه، غير أنّ هندامه لم يتغيّر كثيراً، كانت العريشة مقرّاً لاجتماعات القرية؛ ومحكمة أهليّة، وكانت أمامها شجرة لبخ وارفة الظلال تعتبر امتداداً للعريشة، وكانت تعقد بها جلسات[الجوديَّة][1]، ومجمعاً للأنس بالقرية، وتمارس بها جميع نشاطات العمدة.
قفز المفتش بخفّة من سيّارته، وحيّا العمدة الذي رحّب به وأجلسه في مكانه بالعريشة وجلس دون الخواجة علي مقعد بلديٍّ وحوله من صادف حضورهم مقدم المفتش من أعيان القبيلة. ووقف حرس المفتش طرف العريشة قرب السيّارة.
همس العمدة لبعض رجاله، وعلم المفتش –بخبرته- أنّه يعطي تعليمات إضافية بخصوص الضيافة. هؤلاء قوم لهم كرم عجيب؛ يكرمون كلّ مارّ غنيّاً كان أو فقيراً، بل كثيراً ما يرغمون من يرفض الضيافة علي البقاء رغم أنفه خصوصاً في رمضان قرب الإفطار، وعند مرور الضيف والطعام حاضر عندها يستحيل عليه المرور دون أن يتناول شيئاً من الطعام؛ لذا علم المفتش أنّ العمدة فقط يستعجل رجاله لإعداد الضيافة فهم يعرفون ما يصنعون.
وكان المفتش مدرباً علي التعامل مع الأهالي ملمّاً بعاداتهم، وتقاليدهم، وشُدّدت عليه التعليمات حين عيّن مفتشاً أنّه بنظر أهل البلد كافرٌ نجسٌ، وأنّ عليه مراعاة ذلك، وأنّ احترامهم له بقدر فائدته لهم، وأنّ قيمته بينهم بمقدار ما يوفّره لهم من أمن وحكم بالعدل –علي المعايير الإنجليزيّة- وجهد أن يطبق ذلك طاقته، ولكن في خاتمة المطاف يرى أنّ أهل البلاد قوم همج متخلّفون ينبغي أن يقودهم نحو الحضارة والتقدم الأوربي بالحسم والصرامة.
رغم ذلك خالف الخواجة ما يعرفه عن تمسّك الأهالي بإرجاء المواضيع حتّي يُكرم الضيف، وقال للعمدة: الحقيقة أنا عابر طريق جئتك عرضاً، ولي ملاحظة أحببت أن أذكرها لك.
وكانت ردّة الفعل سريعة، وحدث ما يتوقعه المفتش، قال له العمدة: لا يمكن أن تمر هكذا، اصبر! غرضك مقضيٌّ، وعليّ الحرام أن تتذوّق طعامنا أوّلا!
لم يجد الخواجة بدّاً من الاستجابة.
في انتظار الضيافة أدار العمدة حواراً مع الخواجة، سأله:
- أين الخواجة الشاب الذي جاء معك المرة الماضية؟
رد الخواجة: تقصد "جريجوري"؟
لم يكن العمدة متأكداً لكنه أجاب: نعم، نعم "جريجوري"!
قال له الخواجة: درّبناه طويلاً وتعلّم اللهجة المحليّة. لكنّه بطيء الفهم!
قال العمدة: كيف؟
قال الخواجة: بعد طول تدريب وتعليم، وعمل ميدانيّ، أخفق في المعاينة.
سأله العمدة: في أيّ شيء أخفق؟
قال الخواجة: في امتحان الترقية امتحنّاه في اللهجة المحليّة وسألناه عن الفرق بين (المِرِق والماريق والماروق)؛ فلم يعرف!
ضحك العمدة بتعجّب، وتشعّب الحديث، ولم يتطرق المفتش لغرضه إلا بعد الطعام وحضور القهوة، ثمّ تكلّم الخواجة فقال للعمدة:
- تعلم انّي أسافر من الخرطوم للقضارف من حين لآخر، وأنّ أهل القري يُصلحون لي الطريق من قرية لقرية، ولكن هذه المرّة وقبلها لم أجد العلامات بين آخر نقطة وقريتكم، فلماذا؟
سأل العمدة حاشيته: يا جماعة هذه المسافة علي من؟
قالوا: هذه المسافة علي "الطريفي ود النعمة".
أرسل العمدة لـ"لطريفي ود النعمة" فأحضر في دقائق.
سأله العمدة: يقول الخواجة أن غياب العلامات تكرر في المسافة الموكلة لك. لماذا وقد خُصّصت لك أقرب مسافة؟
ردّ "ود النعمة": والله الحمارة [الأتان] حيّرتني! تشرد في كل مرّة. وهذا العمل شاق بلا حمار.
قال العمدة: هذا عذر غير مقبول، لماذا لم تخطرني؟
سكت "الطريفي" ولم يُحر جوّابا.
همس الخواجة في أذن العمدة، ثمّ أمر أحد حرّاسه أن يحضر نملات من قرية النّمل في جراب. ونفّذ الأمر سريعاً.
ثمّ تحدث الخواجة بعد إحضار النّمل فقال موجّهاً حديثه للحاضرين:
مع احترامي لسلطات العمدة أصدر حكمي التالي:
حكمت علي "ود النعمة" بأن يربط النمل داخل سرواله حتي يتعظ، ويتعهد بعدم تكرار العصيان. وهذا تحذير للجميع كيلا تتكرّر مثل هذه المخالفة.
هنا تحدّث الصبيّ الصغير "الطيّب ود الطريفي ود النعمة" قائلاً:
- أنا كنت أطلق حمارة [أتان] أبي في كل مرّة يوم نوبته لإصلاح الطريق؛ هذا الخواجة الأحمر عرف الطريق من "لندن" لـ"الخرطوم" ولا يعرف الطريق من "الخرطوم" "للقضارف" حتي يكوّم له أبي التراب؟
دُهش الحاضرون، تبسّم بعضهم بإشفاق.
قال الخواجة: نعم. نعم ماذا قلت؟
لم يكن الصبي يعلم أنّ الخواجة يتحدّث العربية، ولكنّه ردّ عليه بشجاعة:
- قلت لك: أنت تعرف الطريق من "لندن" لـ"لخرطوم" كيف لا تعرف الطريق لـ"القضارف"؟
نظر الخواجة بدهشة لطفل السابعة، وسأله: من أين عرفت أنّ هناك بلداً اسمها "لندن"؟ و"الخرطوم"؟
ردّ عليه الطفل بجرأة: أخبرتني جدّتي انّ بلدكم "لندن" بعيدة’ وبين "الخرطوم" وبلدكم بحرٌ كبيرُ وبحر، وبحرٌ آخر، وصحراءُ بعد صحراء، وأنّكم جئتم من "لندن" البعيدة بلا سبب قتلتم جدودنا في "كرري" بالمدافع لكنكّم لستم أشجع منهم!
تقول جدّتي أن لو كان التسليح متساوياً، لقضوا عليكم، كما أباد المهدي جيشكم بمعركة شيكان في كردفان.
نظر له الخواجة بغيظ، ودهشة كبيرة، وفكّر أنّ هذا الطفل مشروع "رابح فضل الله" جديد، لكنّه ضبط أعصابه ولم يرد عليه ثمّ قال: أتركوا "ود النعمة". أين شيخ مسيد القرية؟
وفي دقائق أحضر أعوان العمدة الشيخ الشاب "عبد الصمد" خليفة أبيه علي المسيد، كان شاباً يافعاً لكنّه شديد الجدّ منقطع للعبادة والتعليم، وكان لايخرج من المسيد إلا في موسم الزراعة يساعد تلاميذه في زراعة وحصاد قوت العام.
سأله الخواجة: أنت الشيخ؟
أجاب: نعم.
سأله الخواجة: هذا الطفل "الطيب ود الطريفي ود النعمة" هل تعرفه؟
أجاب الشيخ: لي معرفة بأبيه.
سأله مجدّداً: هل يدرس عندك القرآن؟
أجاب الشيخ: ليس بعد.
قال له الخواجة: أسمعني جيّدا: هذا الطفل مصيبة، لوتعلّم القراءة والكتابة عندك أو عند أحد غيرك لأعاقبنّك عقاباً أليماً.
قال له الشيخ: يمكن أن أمنعه من التعلّم عندي، ولكن عند غيري كيف أمنعه؟
هنا نفد صبر الخوّاجة –وقد حرص علي السلوك الحضاري في الخطاب حتي سئم- فصرخ في وجه الشيخ: أوكلت لك هذه المهمّة شخصيّاً، فاهم؟
تلوّن وجه الشيخ وأطرق رأسه في غضب.
صرخ فيه الخواجة مجدّداً بقوّة: ألا تتكلم أيّها الرجل، فاهم؟
احتقنت دموع القهر بعيني الشيخ، وغمغم: نعم، فهمت.
وحدّق الخواجه بعيني الشيخ مباشرة قائلا: واضح؟
ردّ الشيخ: واضح.
قلّب الخواجه نظره بأوجه الحاضرين وقال: عالمٌ عجيب!
ثمّ خاطب العمدة: يا سيّد "محمد علوي" لا أريد لهذا الطفل المتمرّد أن يتعلّم، تأكّد من ذلك.
قال له العمدة: حاضر، سعادتك!
أشار لسائق السيّارة فزمجر المحرك وتحركت السيّارة بعد ركوب المفتش ووثوب حراسه من بعده. ونظر لها الحاضرون بصمت يلوي وراءها الدخان والغبار.
نظر العمدة لقومه وهم صامتون ثمّ تجاه سيّارة المفتش، وتلاشى أدبه الذي لزمه بحضور الخواجة فقال: ... أمّه!
وضحك الصبية وبعض الحضور، كان غريباً أن يتفوّه العمدة بهذه الكلمة.
علي خلاف عادته أخذ العمدة عصاه، ودخل بيته، ولم يخرج إلا لصلاة العشاء عند مسيد الشيخ "عبد الصمد".
ولأوّل مرّة شوهد "الطريفي ود النعمة" والدموع في عينيه ماتت أمّه وقبلها أبوه، ولم يشاهد أحد دموعه، لكنّه ذلك اليوم احتضن ابنه قائلا:
ولدي الطيّب. أنت رجل لكنّنا لسنا رجالاً!
قال له الشيخ "عبد الصمد" وقد سالت دموعه التي حبسها بحضرة الخواجة:
- يا "ود النعمة" أنا أُعلّمه الكتابة والقراءة علي مسؤوليّتي!
قال "ود النعمة" : يكفي ما حدث اليوم، سأقرِؤُه بنفسي، لقد حفّظته الفاتحة وبعض السور وسأكمل له ما أحفظه من سورة الزلزلة لسورة الناّس، مقدار ما حفظ الشيخ "فرح" ! وسيتعلّم القراءة والكتابة بعد أن يرجع المفتش لبلده.
كان "الطيب ود الطريفي" ذكيّا لمّاحا، ولحرمانه من التعلّم صغيراً بدأ التجارة وهو صبيّ فكان يجمع ما يُهدى له من مال ويجمع ما يُعطى من تمر وحلوى ويعيد بيعها لإخوانه !
مهارة ومقدرة علي الكسب ساعدت الصبي أن يُنشئ "طبلية" صغيرة، وعندما أدرك سنّ المراهقة قلّل نشاط كل دكاكين القرية؛ فقد كان يكسب يسيراً جدّاً فيتحرك رأس المال في دورة سريعة فيكسب كثيراً لأنّه يكسب قليلاً، أدرك ذلك بالفطرة. وكثُر زبائنه.
اجتمع التجار وشكوه لأبيه "ود النعمة" وتجاوب معهم فقال له: يا ولدي إمّا أن تبيع بأسعار دكاكين القرية أو تغلق دكانك!
قال: لكنّي أكسب كثيراً يا أبت.
قال له: يا ولدي جبر الخواطر وموّدة النّاس أهمّ من جمع المال، لو عندك شطارة اذهب للمدينة!
فكّر "الطيب" وقرّر فعلاً أن يذهب للمدينة؛ المجال هناك أرحب. قبل الذهاب صلّى الجمعة مع الشيخ عبد الصمد وانتظر حتي ينفضّ الناس، كان يريد من الشيخ دعوة خاصّة بأن يوفقه الله في المدينة.
كان "الطيّب ود النعمة معجباً بكثرة مال الشيخ ويتمنّى أن يكون له مال مثله. ولكن ذلك اليوم تغيّرت نظرته.
دخلت بنت عم الشيخ عليه و"الطيب" حاضر، وقالت له: أيّها الشيخ كان من قبلك أخوك فلان، صحيح؟
أجاب: نعم!
فقالت: وقبله أبوك وجدنا فلان، صحيح؟
قال: نعم! صحيح.
فقالت: في حياة أخيك، وجدّنا وأبيك لم يمس الجنّ أحدا بقريتنا، والآن ولدي ممسوس مربوط عندك قبل شهر ولم يتعاف. لو أنّك لا تقدر علي خلافة آبائك لمَ أنت جالس علي سجادتهم؟
تغيّر وجه الشيخ وأمر حوارييه: أحضروا ولدها.
أُحضر الولد، فقال لهم: فكّوا قيده.
قالوا: أنّه يضرب ويؤذي!
قال لهم: قلت لكم فكّوا قيده!
ففكّوا قيده. وضربه الشيخ بمسبحته علي رأسه قائلاً: بسم الله!
نظر الولد حوله بدهشة وقال: أمّي ماذا يحدث؟ لماذا نحن بحضرة الشيخ؟
فرحت المرأة وقالت: الحمد لله!
قال لها الشيخ: خذي ابنك وانصرفي!
قالت له –بدلال-: سنتغدى وننصرف!
قال لها: ليس لك عندي غداء، انصرفي!
قالت له: سأتغدى سأتغدى! ليس المال مالك، ولا مال ابيك؛ إنّها أوقاف جدودنا، ومال المحسنين، أنت لا تملك شيئا!
وأخذت ابنها ودخلت علي أختها زوج الشيخ وهو يتبسّم تبسم المغضب.
نظر "الطيّب ود الطريفي" للشيخ بدهشة وسأله ببراءة: هل كلامها صحيح؟ أنت لا تملك شيئاً؟
قال له الشيخ: وأنت مالك ولهذا؟
تنبّه "الطيّب" لغرضه وقال للشيخ: مولانا! أنا ذاهب للمدينة للتجارة فأدع الله لي بالتوفيق!
قال له الشيخ: وفّقك الله وسدّد خطاك وكثّر مالك. حين تذهب للمدينة تاجر ولكن انظر حلقة من حلقات العلم وأدرس " باب البيوع" لا تنسَ ذلك. وفّقك الله وأربح تجارتك.
وخرج "الطيّب ود الطريفي" وقرّر أن يجمع مالاً كثيرا خاصّاً به لا كمال الشيخ!




________________________________________
[1]- الجودية: جلسات الصلح الأهلي.

أبو عبير
12-21-2014, 01:08 PM
لله درك يا ابا هاجر

سرد رائع وجميل لاحداث هذه الرواية
من المقدمة يظهر انك تمتلك مقدرة هائلة على ربط وتسلسل الاحداث وانتقاء الاشخاص مع اطلاعك على تاريخ تشاد (السودان الفرنسي) ... هل تعتبر هذه الرواية بحث تاريخي وايضاح العلاقة بين السودان والسودان الفرنسي (تشاد)... وهل سوف يكون لها أثر ايجابي في النهوض بعلاقة البلدين... شكرا لك على هذا المتاع.

أبوهاجر
12-21-2014, 01:50 PM
شكرا جريلا أخي الكريم أبوعبير على هذا الإطراء واتعشم أن تنال روايتي رضاء روّاد المنتدى:
هذه هي الخلفية التاريخية لشخصية مهمة تأتي لاحقاُ "جراب الإبل" الحفيد.
الرواية تعكس الواقع السوداني من خلال ثلاث أسر عاشت أوضاع مأسوية بدأت عام 1983
الجفاف والتصحر : عائلة كردفانية.
النهب والسلب: أسرة من دارفور
الحرب وتداعياتها: جنوب السودان.
أضافة لبيئة وسط السودان "الطيب ود الطريفي"
وتأثير المركز علي كل هذه الأطراف.
في حبكة واقعية ساعدني عليها ألمامي المباشر بالبيئات الثلاث.
تسلموا...

Abdelazim
12-21-2014, 02:19 PM
دكتور جبريل مرحب بيك في بيتك نخبة السودان
وان شاء الله روايتك ستجد استحسان الجميع
ملحوظة صغيرة حاول تَتَسِم الجزء لمشاركات صغيرة حتي يتمكن الناس من المتابعة

أبوهاجر
12-21-2014, 02:42 PM
الله يبارك فيك أستاذ عبد العظيم
سأعمل بذلك إن شاء الله

أبو عبير
12-21-2014, 10:20 PM
شكرا جريلا أخي الكريم أبوعبير على هذا الإطراء واتعشم أن تنال روايتي رضاء روّاد المنتدى:
هذه هي الخلفية التاريخية لشخصية مهمة تأتي لاحقاُ "جراب الإبل" الحفيد.
الرواية تعكس الواقع السوداني من خلال ثلاث أسر عاشت أوضاع مأسوية بدأت عام 1983
الجفاف والتصحر : عائلة كردفانية.
النهب والسلب: أسرة من دارفور
الحرب وتداعياتها: جنوب السودان.
أضافة لبيئة وسط السودان "الطيب ود الطريفي"
وتأثير المركز علي كل هذه الأطراف.
في حبكة واقعية ساعدني عليها ألمامي المباشر بالبيئات الثلاث.
تسلموا...

لك التحية والتقدير أخي الروائي أبو هاجر

لتسهيل المتابعة والاستمتاع بقرأءة الرواية لي وللاخوة والاخوات النخب ... آمل اذا كان ذلك ممكنا أن تعطينا نبذة مختصرة عن الشخصيات الرئيسية المذكورة في الرواية...

أبوهاجر
12-22-2014, 09:19 AM
حيّاكم الله!
صباح الخيرات.
الرواية عبارة عن تقاطعات اجتماعية وثقافيّة بين ثلاث أسر سودانيّة من بيئات مختلفة وتأثيرات الواقع المأسوي والمركز عليها.
خلفية الرواية التاريخيّة: مغامرات الجندي السابق بالجيش المصري والقائد بجيش الزبير باشا "رابح فضل الله" بتشاد وتأسيسه لانجمينا ومواجهاته الأسطورية للفرنسيين.
شخصيات الرواية الأساسيّة.
الشيخ عبد الصمد: شيخ خلوة بالجزيرة يمثل مركزية القيمة الروحيّة الجامعة للسودانيين. من قريته "الطيب ود الطريفي" والأستاذ "ناصر" الذي درّس بجوبا. ويؤثر قي جميع أطراف الرواية.
"أسرة جراب الإبل" الحفيد:
تاجر من دارفور اختلطت فيه الدماء الزنجية والعربية تؤثر أحداث دارفور فيه تأثيراُ كبيراُ أولاده: "خسار دقيق" الذي هجر الدراسة فألحقة بخلوة الشيخ "عبد الصمد" بالجزيرة وكيف انتهى أمره. "عبد البديع" طالب الفنون ذو التصرفات غير المتوقعة. "خميس" طالب الدراسات الإسلاميّة. و"هارون" الذي قاده خلاف الأجيال لمفارقة أهله.كل ذلك في إطار صراع الأجيال وأثر التقاليد والعلاقات الإجتماعية.
أسرة "واني ميريه".
أسرة من جوبا ربانها "واني ميريه". أولاده "لويس" المتمرد. "عمر" المسلم الحركي. "كمبوني" غامض الديانة. "يونوس" وابنتها الملقبة بـ(مشكلة مافي) بنت الضابط الشمالي "سعيد عثمان جيب الله" الذي هجرها وهي جنين ببطن أمّها وآثار هذا الهجران النفسيّة والإجتماعيّة.
أسرة "بخيت "
أسرة أثّر عليها كثيراُ الجفاف والتصحر فهاجرت للمدينة وجاءتهم المساعدة من حيث لا يحتسبون؛ "جورج بوش" نائب "رونالد ريغان" وعرض للموقف الرسمي من النازحين في إطار من الروايات الواقعيّة ذات المفارقات المدهشة برز منها "سلامة بخيت" الذي وفد للعاصمة للدراسة وتبقى آثار النزوح العميقة مؤثرة على حياته حتّى النهاية.
تقاطعات الشخصيّات:
تشكّل العاصمة محور التقاطع بين الشخصيات: لقاء الطلاب "عمر" و"كمبوني" واني و"سلامة بخيت" و"خميس" وعبد البديع جراب الأبل والتاجر "الطيب الطريفي".
النهايات بعنوان (جنون القمر) تؤثر عليها البدايات بدايات الحرب والجفاف والنهب في 1983م.

أبو عبير
12-22-2014, 10:17 AM
حيّاكم الله!
صباح الخيرات.
الرواية عبارة عن تقاطعات اجتماعية وثقافيّة بين ثلاث أسر سودانيّة من بيئات مختلفة وتأثيرات الواقع المأسوي والمركز عليها.
خلفية الرواية التاريخيّة: مغامرات الجندي السابق بالجيش المصري والقائد بجيش الزبير باشا "رابح فضل الله" بتشاد وتأسيسه لانجمينا ومواجهاته الأسطورية للفرنسيين.
شخصيات الرواية الأساسيّة.
الشيخ عبد الصمد: شيخ خلوة بالجزيرة يمثل مركزية القيمة الروحيّة الجامعة للسودانيين. من قريته "الطيب ود الطريفي" والأستاذ "ناصر" الذي درّس بجوبا. ويؤثر قي جميع أطراف الرواية.
"أسرة جراب الإبل" الحفيد:
تاجر من دارفور اختلطت فيه الدماء الزنجية والعربية تؤثر أحداث دارفور فيه تأثيراُ كبيراُ أولاده: "خسار دقيق" الذي هجر الدراسة فألحقة بخلوة الشيخ "عبد الصمد" بالجزيرة وكيف انتهى أمره. "عبد البديع" طالب الفنون ذو التصرفات غير المتوقعة. "خميس" طالب الدراسات الإسلاميّة. و"هارون" الذي قاده خلاف الأجيال لمفارقة أهله.كل ذلك في إطار صراع الأجيال وأثر التقاليد والعلاقات الإجتماعية.
أسرة "واني ميريه".
أسرة من جوبا ربانها "واني ميريه". أولاده "لويس" المتمرد. "عمر" المسلم الحركي. "كمبوني" غامض الديانة. "يونوس" وابنتها الملقبة بـ(مشكلة مافي) بنت الضابط الشمالي "سعيد عثمان جيب الله" الذي هجرها وهي جنين ببطن أمّها وآثار هذا الهجران النفسيّة والإجتماعيّة.
أسرة "بخيت "
أسرة أثّر عليها كثيراُ الجفاف والتصحر فهاجرت للمدينة وجاءتهم المساعدة من حيث لا يحتسبون؛ "جورج بوش" نائب "رونالد ريغان" وعرض للموقف الرسمي من النازحين في إطار من الروايات الواقعيّة ذات المفارقات المدهشة برز منها "سلامة بخيت" الذي وفد للعاصمة للدراسة وتبقى آثار النزوح العميقة مؤثرة على حياته حتّى النهاية.
تقاطعات الشخصيّات:
تشكّل العاصمة محور التقاطع بين الشخصيات: لقاء الطلاب "عمر" و"كمبوني" واني و"سلامة بخيت" و"خميس" وعبد البديع جراب الأبل والتاجر "الطيب الطريفي".
النهايات بعنوان (جنون القمر) تؤثر عليها البدايات بدايات الحرب والجفاف والنهب في 1983م.



شكرا لك أخي أبو هاجر

على هذه النبذة المختصرة لشخوص الرواية ويظهر أختيارك الموفق لهذه الشخوص والاسماء وارتباطها بالبيئة من حولها ... نحن امام عمل ابداعي رائع متماسك الحبك والسبك ومعالج بصورة رائعة رغم تباين في تلاقح حركة المجتمع الثقافية والاجتماعية...

أبوهاجر
12-22-2014, 02:37 PM
بركة "سلامة الأحمر"

بسم الله،
يافتّاح، يا عليم!
يا رزّاق، يا كريمّ!
لهج بها لسان بدويُّ ببادية شمال كردفان (دار الريح) ولعلّ سبب التسمية أنّ الريح السافية تهبّ علي بقية الولاية من شمالها فسُميّت باديتهم بـ"دار الريح".
رفع البدويُّ ما حصده من الصمغ ذلك العام علي بعيره، أمسك بمقدمة السَّرج بيمينه وقفز برشاقة البداوة علي ظهر البعير الذي هبّ قائماً قبل أن يستوي عليه صاحبه.
وصل البدويّ المدينة ليلاً؛ فبات عند بعض أهله، وفي الصباح قصد التاجر القبطيّ الذي يتعامل معه، شُهِر الأقباط بالولاية بالدقة في التعامل وحسن القضاء والإقتضاء، غير أنهم ينقصون باستمرار؛ يرجع بعضهم لمصر موطن أجدادهم، وناشأتُهم تتجه نحو "استراليا" "ودبي" وغيرهما، ويرون في ذلك أفقا أرحب في الإقتصاد والسكنى الحضاريّة.
كان أمل البدوي أن يحصد هذا العام قنطارين من الصمغ؛ ولكن كان التاتج دون ذلك؛ فشجره الذي ورثه عن أبيه كان علي طريق المزارع المطريّة وعادتًهم أن يبذر أحدهم البذر ويقول:
- بسم الله للغاشي والماشي!
"الغاشي" هو من يزور صاحب الزرع قصداً، ويكرم ممّا تُنتجه المزرعة من البطيخ، والخيار، واللوبيا، وقصب الذرة الحلو، والسمسم، وغير ذلك.
و"الماشي" هو من يمر بالطريق؛ فالعرف الكردفاني أن يأكل من شاء ما شاء من الزّرع طالما هو مارٌّ به، ولكن ليس له حقٌّ أن يأخذ بطيخة ليأكلها خارج المزرعة، ولا أن يأخذ معه شيئاً من المَزَارع لبيته.
وما يسري علي الزرع يسري علي الصمغ؛ يأكل منه "الغاشي والماشي" ويُسرّ المزارعون بذلك، ويبدو أن أطفال القرى مارسوا علي صمغه عادة "الهبر" و"الهَبر" هو ما يقوم به الأطفال المشاغبون حيث يقصدون المَزَارع وأشجار الصمغ فيأكلون، ويسرقون بعض الحبوب والثمار والقصب والبطيخ والخيار في لهو طفولي، ما يأخذونه قليل، ولكن مصدر متعتهم أنّهم خالفوا العرف وأكلوا من المحاصيل خارج المزارع وملؤوا جيوبهم وجراباتهم الصغيرة في خفية من أهلهم.
وصل البدويُّ محل التاجر القبطيّ وكان جادّاً صموتاً –ولكن كانت بينه وبين البدويّ معرفةً وممازحةً- فقال مبادراً:
- مرحباً مرحباً بعرب الخلا !
مرحباً مرحباً بمن يحبّون التعب!
مرحباً مرحباً ناس "دار الريح" تفضّل!
وسلّم عليه البدويّ بحرارة، وطلب له التاجر كوباً من الشاي.
أنزل البدويّ الصمغ مبتسماً، ووضعه علي الميزان قائلاً:
بسم الله، ببركة جدّي الشّيخ "سلامة الأحمر" إن شاء الله يزن قنطاراً!
ضحك القبطيُّ وهو يضبط مؤشر الميزان وقال له:
- لو أنّ جدّك "سلامة الأحمر" نهض من قبره وجلس بذاته علي الميزان فوق هذا الصمغ فلن يزن قنطاراً!
نظر القبطيّ بتعجب للميزان وأعاد ضبطه، فوزن الصمغ قنطاراً تماماً، لا يزيد ولا ينقص!
هتف: غير معقول!
ودهش البدويّ أيضا، فقد كان يعلم أنّ صمغه يزيد علي نصف القنطار بقليل وكان يتمني تمنيّاً أن يزن قنطاراً.
أحضر القبطي صمغاً من داخل دكانه يعادل حجم صمغ البدويّ ووزنه فوزن فوق النصف بقليل، أحضر قنطاراً وُزن من قبل وأعاد وزنه فتأكد من سلامة الميزان، حمل صمغ البدويّ لمحل جاره فوزن قنطاراً، تعجّب الجار، وبدأ الناس يتجمهرون، أعاد التاجر وزن الصمغ بميزانه فإذا به قنطارٌ، قال القبطيّ -يتكلّف المزاح-:
- يبدو أن جدّك قد جلس عليه حقّا!
أفرغ الصمغ دفعات علي غربال له كبير فإذا الصمغ خالٍ من التراب.
هتف البدويّ: الله أكبر!
لم يفهم القبطيّ ما يحدث خشي أن يكبر الموضوع مع تزايد النّاس، نقد البدويَّ ثمن القنطار وقال له:
الموضوع بسيط؛ ثمة عوامل طبيعية جعلت الصمغ ثقيلاً!
ثمّ خلط صمغ البدوي بغيره وقال للنّاس –وقد عاد لصرامته-
خلاص! يا الله! تفرقوا يا جماعة.
قال له البدوي: إنّها بركة جدّي "سلامة الأحمر"!
قال له القبطي: بل هي عوامل الطبيعة.
وانتشرت الحكاية بـ"دار الريح" وعموم كردفان وصارت مادّة للسمر يقصّها النّاس لبعضهم وتزداد عندهم محبّة المشايخ والفقرا. وهم أصلاً لهم تعلق شديد بالمشائخ المنتشرين بالولاية يُقرؤون النّاس القرآن ويُنشدون القصائد في مدح النبي "صلي الله عليه وسلّم" ويبالغ البدو في التعلق بهم وحكايات كراماتهم: ولسان حالهم يقول:

ما لذَّةُ العيشِ إلّا صحبةُ الفقرا هم السّلاطين والسّادات والأمرا



بدايات الشّجن

ضرب الجفاف والتصحّر عامّة الساحل الإفريقي عام 1983-1984م، وكانت "إثيوبيا" سبّاقة لإعلان المجاعة بلا تردّد. وضربت السّودان وصادف ذلك عام 1406 للهجرة، كما ضربت المجاعة السودان في 1306 للهجرة!
في هذا العام 83- 1984م بلغ تناقص الغيث بـ"كردفان ذروته حتي اجتاحها الجوع، وبدأت فيه بدايات النّهب المسلّح الخطيرة بدارفور، بالسّلاح المتسرب من "تشاد" بفعل الحرب الأهليّة حيث كلّما صارت الحكومة معارضة يتسرّب السلاح مع الجنود الذين أصبحوا متمردين لمن يدفع، مترافقاً مع قطع العلاقات وإغلاق الحدود، متزامناً مع دعم "ليبيا" لبداية تمرد الجنوب، كان عام 1983م عام البدايات المُهلكة؛ بدايات الشّجن: الجوع، والنّهب، والخروج علي الدّولة.
قبلها بخمسة عشر عاماً ولد لـ"الدخري ود بخيت" مولود سمّاه "سلامة" تيمناً بجده الرجل الصالح. كان "الدخري ود بخيت" مثل كل سكّان بادية شمال كردفان يعمل بالزراعة وله بعض ألأنعام يرتزق منها.
كانت زوجه "بنت العدني" تعينه في السرّاء والضرّاء، أكبرهم "سلامة" وأصغرهم الرضيع "الضيّ" وبينهما "سعديّة". وكانت "بنت العدني: مقلات لا يعيش أولادها، فتباعدت بين بنيها السنين.
حمل "الدخري" زوجه علي حماره الذي أجهده الجوع، وعلي حجرها رضيعها وأردفت "سعديّة" وسار "سلامة" بقرب أبيه تغوص أرجلهما في الرمال التي تبدو وكأنّها لم تنزل عليها قطرة ماء قط، ولم يكن للحكومة –حينها- مخزوناً استراتيجيّا.
تدرّج توقّف الغيث، أكل النّاس الفائض الذي كان في المطامير، وفي 1984م بدأ النّاس يهلكون جوعاً. اغتنى أصحاب المطامير التي تحفظ الذرة لسنوات.
نظر "سلامة" لأمّه بأسىً وهو تلقم الرضيع ثديها وهو يعلم أن ليس بثديها لبن لأنها باتت طاوية، تذكّر "سلامة" أنّه قدم مع أبيه قبل ثلاثة أعوام بلوري بطيخ شحنه من مزرعتهم، أحضره أبوه ليساعده في بيع البطيخ، كم هو متعب البطيخ! تنضج المحاصيل وتحصد، وينضج معها البطيخ، وإذا دخل الشتاء باكراً يتمدد البطيخ من جديد ويكفي أن تخرج نبتة البطيخ من الأرض لتتمدّد برطوبة الشتاء دون أن تنزل عليها قطرة ماء، يزيد ويتمدّد فيحمله أبوه علي بعيره ليبيعه في المدينة، وحين يعجز البعير يؤجر لوري من القرية ليحمله للمدينة، ويكسب به مالاً جزيلاً.
هذا العام لا خريف ولا حبوب ولا صمغ ولا بطيخ، رمال رمال، رمال مدّ البصر في موسم الخريف. عام ليس فيه (درت)، وقد كان موسم الفرحة، يأتي الخريف بالمطر الغزير، ويحصدون الدخن والفول، والسمسم، واللوبيا، وغير ذلك إضافة للبطيخ والخيار. وكان يعجبه صرير العصّارات تديرها الجمال، تعصر السمسم كل موسم. لكن هذا الموسم لا شيء لا شيء، فقدوا حتي البعير بعد أغنام كانوا يحتلبونها كل صباح، ولم يَتَبقَ إلا الحمار وقد هزل جوعا.
اقترب الركب البائس من المدينة، وكان "سلامة"يكره المدينة حين يأتيها سالماً موفوراً، فكيف وقد جاءها بائساً مجهوداً؟
قال أبوه وقد ساروا مسافة كانوا يقطعونها في ساعات في يومين:
- الحمد لله! شارفنا المدينة وإن شاء الله ستساعدنا الحكومة!
قالت زوجه: سبحان الله! عشت وسمعت زوجي يذكر الحكومةّ!؟
قال لها: ماذا أصنع يا بنت الحلال؟
تذكّر "سلامة" أنّ أباه يكره السياسيين، وكان يقول:
- مالنا ومالهم؟ ينزل الله الغيث من السماء، ونزرع أرضنا ونحصدها، ونبيع ما زاد عن حاجتنا، ونملأ مطاميرنا، ونبيع الصمغ ونشتري ممّا نكسب السكر والشاي، ما لنا وللحكومة؟
كان غريباً علي عياله أن يذكر الحكومة راجياً منها العون.
وكانت الصدمة كبيرة عليه يوم اضطر لنحر جمله وقد كاد يهلك جوعاً، وباع جزءً تصدّق بمعظمه علي أقاربه الذين لا يملكون شيئاً وصار مثلهم.
كان فقد الجمل شديداً عليه غير أنّه لم يجزع كما جزع البدويّ صاحب القصّة المعروفة :
هلك جمله الوحيد فجزع جزعاً شديداً قالوا له:
- اصبر إنّ الله قادر علي أن يُعيشك بلا جمل!
فقال لهم : لهذا أبكي، أعرف كيف يُعيشُني الله بلا جمل!
لكن لم يكن "الدخري" كذلك، كان له يقين وإيمان وثقة وتوكل.
وصلوا للغابة، طرف المدينة من شمال، وقد كانت للمدينة غابتان: غابة هشاب غربها، وغابة لالوب شمالها، وعسكّر النازحون بغابة اللالوب (الأهليج). كانت هذه الغابة تحمي المدينة من العواصف القادمة من "دار الريح" لكن هذا العام جاء أهل "دار الريح" أنفسهم.
سرّح "الدخري" حماره فما له ما يطعمه وانضمّ الحمار للدوابّ البائسة المهملة التي تحاول أكل أيّ شيء، أيّ شيء.
أبصر "سلامة" ما أدهشه كان يعلم أنّ الجوع قد أنهك النّاس ولكن رأي بالغابة هياكل عظمية تسير. خلق كثر جهدهم الجوع، وفي كل ساعة يموت أحدهم فيذهبون به للمقابر، وقد نصبوا خياماً من ثيابهم، ومن الجوّالات الفارغة، وأكثرهم ماله شيء يحفظ به خصوصيته إنّما هي ظلال الأشجار.
صمد رجال للصدمة، بعضهم ترك عياله وذهب يبحث عن رزق، ولم يجد فصنِّف علي أنّه هارب.
لم يعتد عامّة أهل السودان ادخار قوت العام لفقرهم وضعف مقدراتهم الزراعيّة، فورثوا كابراً عن كابر زراعة قوت العام كل عام، ثقةً بالله وتوكلاً عليه، يفني ما عندهم مع بداية كل موسم وبالكاد يُدركون المحصول الجديد.
تناقص المطر بالتدريج يقل سنة بعد سنة حتي توقف تماماً، وقفز سعر (مدّ) الذرة –والمدّ هنا ليس هو المتعارف عليه بل مكيال محلي يكفي الأسرة المتوسطة يوما واحداً- قفز من خمسة جنيهات لخمسين جنيهاً في أيّامٍ معدودات، استطاع سكّان المدن تدبّر أمرهم بمشقّة، ولكن لم يستطع البدو فعل شيء فحياتهم تقوم علي المطر الموسميّ وقد توقف، وصار أرخص شيء اللحم لكثرة المعروض من الماشية الهزيلة التي لم تلبث أن هلكت، حتي جاء الفرج علي يد "جورج بوش" نائب الرئيس الأمريكي "رونالد ريغان".
أنشد بدوي:
مرّت ثلاث سنين الغــــــــــــــنيان بقي مسكين
"ريغان" الحـــــــــــــــــنين جاب عيش الأمريكيين
أبومــــداً بي خمسين كلوه موظــــــــــــــــــــــــــــــــــــفين
سمونا النازحين!
وصل بعضهم للصّعيد بجباله الشرقيّة والغربيّة، فالجفاف هناك أقلّ وطأة، وقصد معظمهم (هبيلا) حيث مزارع الذرة، ووجدوا النّذر اليسير، رجع بعضهم بخفيّ حنين وأقام آخرون علي مسغبة. أنشدت أحداهنّ ممّن غاب أحبابها:
(هبيلا) بالخـــــــــــــــــــراب تعـــــــــــــــــــــــدم التيراب!
ناس عاشّة بت حمّاد لا طاري لا جوّاب!
أحد رعاة طرف الصعيد ممّا يلي (دار الريح) فرّ بأبقاره لعمق الصعيد بحثاً عن عشب –كما فرّ سكّان شمال دارفور لجنوبها- فما وجد غُنية، فهلكنّ وبقي له ثور أهداه لامرأة أكرمته حين جبُن الرجال. وقال: ما أحلى الفقر أملساً!

أبوهاجر
12-23-2014, 08:57 AM
بوش
في الغابة

دوّت صافرات الإنذار بسيارات الشرطة تُخلي الطريق لموكب حاكم البلد في طريقه للمطار لاستقبال ضيف البلاد الخطير: نائب رئيس أكبر دولة في العالم: اقتصاداً وسياسة وعسكريّة وحضارة.
اصطفت سيّارات المرسيدس الفخمة قرب المدرج بالمطار، ونظر الحاكم بقلق نحو الأفق للطائرة الضخمة التي تقترب، وفّكر كيف ستنتهي هذه الزيارة؟
أرسل الرئيس "ريغان" نائبه لينظر بأمّ عينه مدى المجاعة ليقرّر الدعم العاجل للنازحين وأهل القرى. كمّاً وكيفاً.
مع ارتطام عجلات الطائرة الفخمة الضخمة بأرضية المطار فكّر الحاكم كيف سيُحيّي هذا الضيف أعلي الطريقة العربيّة؟ أم السودانيّة؟ أم يكتفي بمجرد المصافحة؟ كم مقت الطريقة العربيّة! لم يَعتد السّوداني قط، ولن يعتاد أبداً أن يُقبِّل أو يًقبَّل. يا للحرج ! كيف يُقبِّل الرّجلُ الرّجلَ؟
كان الحاكم عسكريّا عتيداً، وبعدها نجح في التجارة نجاحاً باهراً، عكس المعروف عن العساكر؛ حيث هناك من تخصّص في أكل مدخراتهم من السماسرة.
بسرعة فتحت أبواب الطائرة وقفز حرّاس طوال ضخام خفيفو الحركة، بيض وسود أيديهم علي الزناد، مسحوا الأرض والأفق بنظّاراتهم الداكنة، توزّعوا بسرعة كأنّهم يعرفون هذه الأرض من قبل، ثمّ صحفيو الوكالات العالمية، كم غضب منهم لاحقاً حين قرأ تقاريرهم وانطباعاتهم . وأوّلها اعتبارهم لعاصمته مجرد بلدة!
وفّر عليه الضيف الكبير مشقّة المراسم حيث نزل، رجل شعشاع، نحيف، ضيّق العينين، صارم القسمات، يرتدي ملابس عادية، كأنّه ليس في زيارة رسمية. لم يكن مرتدياً للبذلة الكاملة وصافح الحاكم بيسر وبساطة بلا تكلّف. وتفقّد حرس الشرف، وكان برفقته نائب الرئيس السودانيّ، وبعد جلسة قصيرة بصالة كبار الضيوف بالمطار –ولا شكّ أن الضيف لا يراها كذلك- انطلق الموكب من جديد، هذه المرّة نحو الغابة.
كانت سيّارات حرس الضيف تتحرك بصورة مذهلة وتُبدِّل أماكنها باحترافيّة عالية رغم ضيق الطريق، إلا أنّ بساطة أهل البلد وحسن استقبالهم للضيف قلّل من توتر الحرّاس وحركتهم الدائبة، وصل الموكب لغابة اللالوب شمال المدينة.
رأي البدويون العجب: طلعت عليهم فجأة سيّارات شرطة تومض لمباتها، وتدوي صافراتها، وسيّارات مرسيدس فخمة، موكب عجيب؛ رجال سمان منعّمين، يرتدون بذلات كاملة في هذا الحر اللافح، بارزة كروشهم، ورجال شرطة، وحراس عمالقة أجانب يرونهم لأول مرة. يحملون أسلحة لم يروا لها مثيلاً من قبل. يتقدمهم الحاكم، والضيف طويل القامة ذي القميص الأبيض الناصع.
دخل الضيف بعض الخيام، وحمل طفلاً متسخاً وداعبه، ومن الخيام التي دخلها خيمة "آل الدخري" ووقف ببابها المفتوح واستأذن بواسطة المترجم ليدخل! ودخل بمعيّة الحاكم وبعض الحرّاس، ووقف الآخرون خارجاً، صافحهم جميعاً بمودة وابتسامة ووضع يده علي رأس "سلامة" بحنان، سألهم: كم يوم لكم بهذا المكان؟
أجابه "الدخري" أسبوعان!
سأله: ماذا تأكلون؟
أجاب: طعاماً يسيراً جاءنا به بعض الأهالي، وبليلة ذرة تبرع بها بعض الأقارب!
سأله ثالثة بأدب: ما الذي يمكن أن تساعدكم به الحكومة؟
أجاب "الدخري" بعزة الفقير المحتاج الذي لم يعتد أن يسأل النّاس: لو أنّ الحكومة ساعدتنا وسلَّفت كل أسرة ثلاثة جوالات ذرة، وقليلاً من المال كان هذا فضلٌ منها!
كانت "بنت العدني" صامتة تنظر للأرض بحياء، وكان "سلامة" متضايقاً أن يكون أوّل من يتفقدهم ويساعدهم غير مسلم!
طاف الموكب الرسمي بالأشجار والخيام، ووقف الضيف ميدانيّاً علي البؤس والجوع، ونظر بعينيه، وسأل النّاس مباشرة عمّا يحتاجونه.
نظر أحد البدو للضيف النحيف والمسؤولين السمان، فسأل سؤالاً له ما بعده:
هل "بوش" ذلك الرجل النحيف؟ أم هو أحد هؤلاء السمان؟
قيل له: بل هو الرجل الطويل، النحيف، صاحب القميص الأبيض.
قال: من يبصره مع المسؤولين المحلّيين، يظنّ أنّ المجاعة حلّت بـ"أمريكا" لا بـ"كردفان"!
وكانت خاتمة المطاف مقر الحكومة المحليّة.
أعدّت الحكومة المحليّة وجبة استثنائية فاخرة لأجل الضيف، وكانت مرتبكة كيف تكرم هذا الضيف الذي سيتبرع للمتأثرين بالولاية؟ وقررت إعداد وجبة فاخرة تليق بالضيف الكبير. تعوّد الحاكم الإشراف علي دقائق الأمور، لكنّه حار كيف يكرم هذا الوافد الاستثنائي في هذا الظرف الإستثنائي؟ فترك الأمر لرجال المراسم.
مائدة طويلة عليها فرش مُميّز، وُضعت عليها ألوان الطعام من اللحوم والخضراوات، والجبن والعسل، وألوان الفواكه، والمشروبات.
كانت النتيجة عكسيّة؛ نظر الضيف بأسى للمائدة وخرج عن العرف الدبلوماسي، أخذ نصف رغيف وحشاه ببعض الطعام وأكتفي به، ثمّ قال:
- أيّها المسؤولون!
تنبّه له النّاس، فقال: تعرفون أنّني نائب رئيس أكبر دولة في العالم، أوفدني الرئيس لأنظر وأقرّر ميدانيّا حاجة النّاس ليصادق عليها، واحتراماً لمشاعر الجوعي ذوي الملابس البالية لم أرتدِ ملابسي الرسميّة كاملة، أكتفيت بهذا القميص البسيط، ووجدتكم تمتطون سيارات المرسيدس الفخمة، وطعامكم دسم، وملابسكم غالية، هذا لا يليق!
صمت قليلاً ثمّ أضاف –وقد ساد القاعة صمت القبور-: هذا الطعام أولى به من ضربتهم المجاعة، وهذه السيّارات أولى لكم أن تطعموهم بثمنها!
صمت لحظة، ثمّ أضاف:
-من جانبي أنا مفوّض من الرئيس أعلن أنّنا كدولة عظمي نتكفل بذرة تكفي عاماً كاملاً لهؤلاء البائسين، وسيتبرع الرئيس بمواد إضافية.
وانصرف وتبعه حرّاسه، وكانت الصدمة شديدة علي الحكومة المحليّة.
وجاءت سريعاً جوّالات الذرة الحمراء من الدولة العظمى، وكانت المرّة الأولى التي يرون فيها ذرة حمراء اللون، تلال وتلال من الجوّالات مرسوم عليها الأعلام الأمريكية، ومعها براميل كبيرة من زيت الطعام، وشحنات من خلطة طعام سريعة الإعداد؛ تتكوّن من اللبن والدقيق والسكر، لا تحتاج إلا للتسخين بالماء المغلي، حين زرع بعض البدو الذرة الحمراء في الخريف لم تنبت، كانت مصمّمة علي ألا تُنبت هذه الحبوب، هي للأكل فقط. سأل "سلامة" أباه:
- يا أبت! لِمَ لَمْ يساعدنا المسلمون، وساعدنا هذا الرجل النّصراني؟
ردّ عليه: يقولون يا بُنيّ أنّ وفداً من الدول العربيّة جاء للمساعدة وعندما هبطوا بالعاصمة وأبصروا نهر النيل دهشوا وقالوا: إن قوماً يشقّهم هذا النهر العظيم، ويجري عندهم مئات الكيلومترات وهم جوعى؟ لا أشبعهم الله! وعادوا لبلادهم.
قال "سلامة": لكن النيل يا أبت لا يشقّ كردفان!
لم يجب أبوه. ولكن جاءت بعد ذلك مساعدات العرب والمسلمين ولم تبلغ معشار مساعدة الدولة العظمي.
وكانت مساهمة "الكويت" ظاهرة كعادة أهلها حيث يحبّون عمل الخير ولهم فيه أيادٍ بيضاء.
وأنشد البدو:
نحن في سودانّا مما بننسي أمريكانّا
بوش (الله عليه) زارنا في كـــــــــردفانّا !
وأيضا:
"بوش" والله أنا مسميهو الكــــــــارب زنده
جاب العيش كـــــــــــــــــــتير واحدين ينقلوهو
وواحدين يسنده
جاب الزيت بالبرميل مـــــــــكتوب عليه هولندا
أني والله مــــــــتعجب من كترة العيش العنده!
واختلطت علي إحداهنّ الأمور حين وصلتها إعانة كويتية فقالت:
"ريغان" الكويتي أتمناه سيد بيتي!
واغتاظ زوجها فردّ:"ريغان" الكويتي أتمناه ست بيتي!
وكما اختلط علي هذه الأمر، ظنّت أُخري أنّ "كير" رجل لا منظمة فقالت:
"كير" الله يعمر بيته جاب العدس بي زيته
وكت ركّبته كَلِيتَه جردل مويه حَسِيتَه!
فدعت لـ"كير" بالعمران لإحضاره الزيت والعدس، الذّي حين وضعته علي النّار وأكلته شربت دلواً من الماء!
وأنشدت إحداهنّ مخاطبة زوجها، متّهمة إيّاه بالهروب حين ذهب يبحث عن شيء ولم يعد:
من يومك الفزيت "ريغــــــــــــــــــــــــان" ماسك البيت
كـــــل شهر هليت شوّال عيش وجيلون زيت!
وانتشرت الشائعات؛ قال بعضهم أنّ "عيش بوش" وزيته يضعفان الفحولة! وردّ عليهم آخرون: إنّ الضعف جاءكم من طول الجوع، لا من الذّرة والزيت ويجب أن يُشكر "بوش" لا أن يُشكّك فيه.
وسمّي الأهالي الذرة "عيش بوش" وآخرون "عيش ريغان"
صنع بعضهم خمراً من هذه الذرة وسكر سكراً شديداً فقال: لو أنّ "بوش" لم يدخل الجنّة لا بدّ أن فيها (لعبة)!
وفي ذلك العام أنشد الشيخ المادح قصيدة –باللغة الدارجة- سأل الله فيها الغني عن "عيوش ريغان" :
أنفسنا لا تفيقن هيمن بي خشوع
إيمان وتوفيقاً حبّاً في الرسول
أرزقنا توفيقاً يا مولاي تهيم أنفسنا لا يفيقن
نمدح مصطفاك بحب وتصفيقاً بالمعنى الصحيح الماهو تلفيقاً
إبليس والنفس والدنيا لا يعيقن نخلص في العمل إمعان وتدقيقاً
نســــــــــلك لي طريق القوم تحقيقاً نــــــــــــــــــــــــــقرا السبع بتفخيم وترقيقاً
نصحب فروة سبحة وإبريقا حــــــــــــــــــــــبا في الإله جمعا وتفريقاً
نثبت لا نلوج غربا وتشريقاً أغنينا بفضلك عن "عيوش ريغان"
كان في أسماء أجدادهم "بوش" وتعني: الرجل الشجاع الكريم الذي يكرم (البوش)[1]. ولكن بعد زيارة "بوش" تحرّج بعضهم من هذا الاسم الذى يوافق اسم الخوّاجة. وآخرون نشطوا في التسمية، وقالوا: لن ترك اسماً من أسماء جدودونا لموافقته اسم الخواجة.
زعمت المنظمات أنّه هلك ذلك العام ثلاثون ألفاً من البدو، وضعفهم بـ"دارفور" قضوا جوعاً وهزالاً، وبعضهم تحمّل فوق طاقته من الصبر علي الجوع وكراهة سؤال النّاس، وجاع أهل المدن شيئاً ما فشملتهم الإعانة بعد أن عمّت البدو الذين سمّتهم الدوائر الرسميّة (النازحين).
وكما تغنّي النّاس بمآثر "بوش" و"وريغان" كالبدويّة من غرب كردفان التي قالت
"ريغان" وحيده حر وملا المخازن فُل[2]
رئيس اللجان يكِر[3] كيف[4] الحمار الحُر[5]
كما مدحت هذه "ريغان" الذي وصفته بأنّه الوحيد الذي تحرّر من الشحّ والشماتة؛ فسارع لنجدتهم، وذمّت رئيس اللجنة الشعبية، ذمّته إحداهنّ ممّن أعرض عن قبول "عيش ريغان" -وقليلٌ ما هم- حين أنبت الزّرع، ودعته للسفر، ولملمة "عيشه" كعامّة من شكّكوا في نوايا "الأمريكيين" فقالت: يا "ريغان" الكافر لَمْلِم عيشك وسافر
دخنّا جا دافر[6]!
وكما نال "ريغان" و"بوش" نصيباً من الذم نال ذلك منسوبو اللجان المشرفة علي التوزيع ومنه:
أهل اللّجنة أم ورق حتّي حمارهم مرق
الـ من خلق ما سرق شال شوّال واندرق[7]!

Amr
12-23-2014, 09:50 AM
سرد جميل
متابعين :read: يا أبوهاجر

Abdelazim
12-23-2014, 10:59 AM
حيّاكم الله!

خلفية الرواية التاريخيّة: مغامرات الجندي السابق بالجيش المصري والقائد بجيش الزبير باشا "رابح فضل الله" بتشاد وتأسيسه لانجمينا ومواجهاته الأسطورية للفرنسيين.
شخصيات الرواية الأساسيّة.




رابح فضل الله اخو الزبير باشا في الرضاعة والذي ارسله اهل الزبير للحاق به واقناعه بان لا يسافر الي الجنوب ولما فشل في مهمته انضم الي اخيه وسافر معه.
وهو المؤسس الفعلي لتشاد وجاء اسم العصمة انجمينا من إراحة خيول رابح وجماعته

Abdelazim
12-23-2014, 11:01 AM
اهلنا الطيبين يا دكتور كانوا بقولوا بــوش الله يحججوا

أبوهاجر
12-23-2014, 03:16 PM
رابح فضل الله اخو الزبير باشا في الرضاعة والذي ارسله اهل الزبير للحاق به واقناعه بان لا يسافر الي الجنوب ولما فشل في مهمته انضم الي اخيه وسافر معه.
وهو المؤسس الفعلي لتشاد وجاء اسم العصمة انجمينا من إراحة خيول رابح وجماعته

أوّل مرة يا أخ عبد العظيم سمعت فيها بـ(رابح قضل الله) حين كنت طالبا بالجامعة من طالب تشادي دهش كثيرا حين علم أنّي لا أعرفه.
ينبغي إدارج سيرته بمقررات التاريخ بالمدارس السودانية.

اهلنا الطيبين يا دكتور كانوا بقولوا بــوش الله يحججوا
طبعا لبساطتهم أستاذ عبد العظيم
ولأنّ بوش هو أوّل من ساعدهم.


سرد جميل
متابعين :read: يا أبوهاجر
تسلم Amr
شكرا للمرور والتعليق
متابعة طيبة.

أبوهاجر
12-24-2014, 12:44 PM
الغابة دار مِحْنة

مرّت الأيّام والأسابيع والشهر بعد الشهر علي النازحين في الغابة؛ دخلوا المدينة ببطء رويداً رويداً، عملوا حمّالين، باعة متجولين، عملوا بالسقيا، عرضوا الخضراوات والفواكه بالأسواق علي الأرض، كان لا بدّ من عمل، دخلت بعض نسائهم للعمل في البيوت. وأكسبوا المدينة ألقاً وبهجة.
تلقائيّة وبساطة الريف تجعل البدويّ يجلس علي قارعة الطريق العام في السوق، يفترش جوّالا ويرطّبُه بالماء ويعرض عليه الخضر والفاكهة وينادي عليها، هكذا يصنعون في البادية!
طردهم عمّال البلدية المرّة بعد المرّة فيتحاججون معهم عن الفرق بين سوق المدينة وأسواق الأيّام في البادية، وعندما تكثر عليهم المضايقات ينادون علي بضاعتهم بأصوات حزينة:
الشغلة ما شغلتنا ...
الظروف جبرتنا ...
مرقتنا من حلّتنا ...
نسوم المنقة والبامية !
فتيات القرية العاملات بالمنازل يعاملن أهل البيوت معاملة الند للند، ويضربن الأطفال حين يسيؤون الأدب ولو لم يكن أهاليهم يضربونهم.
اقتاتوا بالقوت الذي جاءهم به "بوش" علي مضض وامتنان عظيم لهذا الرجل الذي قطع آلاف الكيلومترت ليساعدهم. ولكن لم يشعروا بالإمتنان للحكومة التي ضايقتهم وأمرتهم بإخلاء الغابة خاصّة وأنّهم أزالوا بعض الأشجار، وعجبوا للحكومة التي تهتم بالشجر ولا تهتم بالبشر!
بعد هطول الأمطار عاد معظمهم للقرى، ولكن بعضهم لم يفكّر في العودة، كيف يعود من وجد عملاً بالمدينة وارتاحت له نفسه؟ وكيف يعود من صار لا يثق في الزراعة المطريّة؟ في المدينة مارسوا أعمالاً تدرّ عليهم رزق اليوم باليوم ولم يدّخروا شيئاً يساعدهم في العودة للقري.
ذات صباح جاءهم إنذار من السلطات بضرورة إخلاء الغابة في أيّام معدودات بعدها ستزيل آليّات البلديّة بيوتهم بالقوّة، لم يحملوا الأمر محمل الجدّ، ولكن في اليوم الموعود جاءت الآليات وبدأت في الهدم وهدّمت جزءً كبيراً من المنازل.
في اليوم التالي لم يذهبوا لأعمالهم ومكثوا ينتظرون الآليات بغضب شديد، لم يخططوا لشيء ولكن كبُر عليهم أن تزيل الحكومة بيوتهم، وما الذي يضير الحكومة لو مكثوا هاهنا؟ وما الفرق بين باديتهم التي يضعون فيها بيوتهم حيث شاؤوا وهذه الغابة طرف المدينة؟
إنّ الحكومة تستخفّ بهم.
لكن لم تحضر بعد ذلك الجرّافات، والله يعلم السبب الذي جعل الحكومة تنصرف عن هدم بقيّة بيوتهم، فأعادوا ما هدّمته الحكومة كما كان!
في اليوم الذي أزيلت فيه بعض البيوت مرّ راعٍ عجوز بأغنامه علي بعض أهل المدينة –ممن يتنزّهون في الغابة-، وسأله: هل هدّمت الحكومة البيوت؟
قالوا له: هُدم جزء منها، منها بيتك!
فقال -بإيمان العجائز-: الحمد لله كل ما يقضيه الله خير!
توالت ابتلاءات المدينة علي البدويّين: ذات يوم بعد صلاة المغرب بمصلّى الأهالي بـ"حي الغابة" وقف بعض الشباب وتحدّث دون أن يستأذن الإمام قائلا بلا مقدمات:
- يا جماعة عقيدتنا تحتاج للتصحيح، لقد أررثنا الشيخ المادح عقائد فاسدة!
وواصل الحديث عن ذلك وقد دُهِش الحاضرون؛ فالشيخ المادح مرجعيّتهم الأساسيّة في الدين والإجتماع وغير ذلك.
رّد عليه شيخ كبير قائلاً: يا ولدي جماعتك الجديدة هذه ما فيها خير!
قال له الشاب: فيها كل الخير، لقد هدوني إلي الصراط المستقيم، كنت حتّى العام الماضي أزني، فأخذوا بيدي وبصّروني بالحق!
قال له الإمام: يا ولدي العام الماضي تزني، وهذا العام تفتي؟ اصبر قليلاً !
ضحك المصلون وانصرفوا.
خارج المسجد سأل الإمامُ الشابَّ:
- يا ولدي من الغرض من هذا الحديث؟
قال له: إقامة دولة الحق!
قال له الإمام: يمكنك الوعظ في المساجد، ولكن لتقيم دولة تحتاج للإنتشار في المؤسسات!
قال له: سننتشر من المساجد.
قال له الإمام: إذا قامت دولتكم، فماذا عندكم لنا؟
قال له الشاب: والله إلا السوط، حتي تصححوا عقائدكم!
ضحك الإمام وانصرف!
قال له الشاب: اضحك ما شئت ستقوم دولتنا وفي كل يوم سيميت إمامنا بدعة ويُحيي سنّة!
ولم يدر الشاب: أضحك الإمام إعجاباً أم عجباً أم سخرية؟
ابتلت المدينة "حي الغابة" بالأذى في الشيخ المادح، ذهب بعضم للشيخ وقال له:
- أبانا الشيخ! في المدينة أُناس يقولون إنّك كافر!
رفع الشيخ سبابته وقال: لا إله إلا الله، محمّد رسول الله . ولم يزد!
أحد أبناء "دار الريح" قذفت به المجاعة للعاصمة، وعمل بسوق كبير بطرفها الغربي، وذات يوم سمع رجلاً يتحدث بمكبّر للصّوت في حلقة بالسوق وذكر أنّ الشيخ (كافر)، تعجب الرجل، ثمّ تملكه الغضب، ثمّ عقد أمراً.
في موعد حلقة الرجل الأسبوع التالي، ذهب وجلس أمام الرجل المتحدث الذي تكلم كلاماً غليظاً عن الشيوخ، وبعد الحلقة وانفضاض النّاس والرجل يجمع أغراضه، وقف أمامه البدوي وقد حسر كمّه عن ساعده الأيمن فبدت سكين الغرب الطويلة الحادة، أمسك بذراع الرجل وقال له –بلا مقدمات-:
- انتبه جيّداً واسمع كلامي كما سمعت كلامك!
نظر له الشيخ فلم يطمئن قلبه، قال له بارتباك:
- تفضّل، تفضّل قل ما عندك!
قال له: هذه هي المرّة الثانية التي أسمعك فيها تسب شيخي وغيره من المشايخ، ناهيك عن الشيخ المادح، فوالله الذي لا إله غيره لئن عدت بعد اليوم تذكر شيخنا أو غيره من الأولياء بسوء لأغمدنّ هذه السكين الطويلة بصدرك، دُهش الرجل وحَوقل، جمع أغراضه، وغمغم وهو يبتعد: بدوي، جلف، متخلّف، فاقد للمنطق!
ولم يعد بعدها الرجل للوعظ في السوق.
سكّان "حي الغابة" كانوا أكثر تحمّلاً، قليلٌ منهم شكّك في نهج الشيخ المادح لكن سائرهم لا يقبلون الطعن فيه، وحدثت مواجهات شديدة بين من شكّك في الشيخ وآهاليهم، طرد رجلٌ ولداً له يطعن في الشيخ، وعاد الرجل للقرية موسم الأمطار، وبعد حين مرض وجيء به للمدينة وهو في غيبوبة، وعندما أفاق سألهم: أين أنا!
قالوا: في المدينة؟
قال: أين في المدينة؟
قالوا: في بيت ولدك "فلان"
قال: لا إله إلا الله! كيف تدخلوني بيت من يسبّ شيخي؟ أخرجوني، أخرجوني، أحسّ أنّني سأموت لا أريد الموت في بيت هذا المسخوط!
وأخرجوه ومات خارج بيت "المسخوط".
كانت "الغابة" انقلاباً مُزلزلاً لحياة القرويّين، حسبوها أيّام جوع ستمضي ويعودون لقراهم، وعاد معظمهم للقرى وقليلٌ لم يعد، ومن عاد عاد وقد تأثّرت أفكاره في الدّين والسياسة والتقاليد.
وحدثت لهم قروح نفسيّة وبدنيّة وعقليّة بحسب تحمّلهم الفردي، وكانت الفتيات يُنشدن:
الغابة دار مِحنة ...
من جينا ما ارتحنا ...
نقطع تساريحنا[8] ....
ونعدّي لي ريحنا ....
وأنشدوا:
يعيش بلدنا القوز حتي قرضها موز!
الكوز الكوز أديهـــــــــــــــــــــــــــــــــو سكّر جوز!
ومرّت السنوات، وعادوا لقراهم إلا قليلاً لم [يقطعوا] تصاريحهم، ولم [يعدّوا] لريحهم!
كانت العودة لـ"دار الريح" حلماً لذيذاً لم يتحقّق لهذا القليل. ومنهم أسرة "الدخري ود بخيت" حيث وجد "الدخري" وظيفة خفير ببعض المؤسسات الخاصّة، وألحق أولاده للدراسة بالمدينة.
بعدها قامت السلطات بتخطيط" حي الغابة" رسميّاً، اختفت الأشجار، ومُدّت الخدمات، ولم يعد أحد ممّن بقي يتحدث عن العودة لـ"دار الريح" إلا كما يتحدث كبار السن الذين استقروا بالمدن الكبرى لأولادهم عن أنّهم حتما سيرجعون يوماً للقرية أو للبلد، ويبقى ذلك مجرد أمانيّ وأشواق. ولم يعد "حي الغابة" يسمّي بـ "حي الغابة".


[1] - (البوش) لغة: أخلاط النّاس
[2] - ملا المخازن فُل: ملأ المخازن تماماً.
[3] - يَكِر: يصوِّت بحلقه.
[4] - كيف: مثل.
[5] - الحمار الحرّ: الحمار المطيع سريع المشي، رشيق الهيئة.
[6] - دخنا جا دافر: نبت دخننا مندفعا من الأرض.
[7]- اندرق (إنذرق): خرج بسلاسة وخفة كذرق الطير!
[8] - نقطع تساريحنا: نستخرج تصاريحنا.

أبوهاجر
12-26-2014, 07:17 PM
ربط الحمار إلي الحمار (الغابة دار محنة)5



ربط الحمار إلي الحمار
قرّر "جراب الإبل" الاقتران بابنة الشيخ المهاجر من "مملكة الودّاي" المنهارة زوجة ثالثة، ولكن وجد الشيخ قد سافر لوسط السودان فلحق به علي حصانه!
أنشأ "جراب الإبل" أسرة كبيرة من نسائه الثلاث، وعلي عادة أهله مزج بين القبائل كما فعل أجداده. وكان زواج بنت الشيخ (الثالثة) أصعب عليه من غيره.
سافر لوسط السودان بكردفان طلبا لزوجه الأخيرة وقال له والد الفتاة:
أنت رجل جاد، ولولا ذلك لما تكبدت هذه المشقّة، سأكتب لك كتاباً لأحد أقاربي توكيلاً عنِّي.
ردَّ "جراب الإبل": لا أرضى حتي تسافر معي.
ألحّ على الشيخ حتى وافق علي أن يسافر معه، وعاد "جراب الإبل" للقرية بعد ثلاثة أشهر بصحبة الشيخ، ولم تكن للشيخ دابّة فكان كثيراً ما يسير "جراب الإبل" علي قدميه ويؤثر الشيخ بالدابّة، وحيناً يرتدف خلفه، وأكرم الشيخ غاية الإكرام.
حين وصل القرية ابتهج أهله بسلامة وصوله بمعيّة الشيخ. وحُدّد يوم عقد النكاح وفي صبيحته ذُبخت الذبائح، واجتمع النّاس لعقد النكاح وأمر الشيخ بإحضار "جراب الإبل" وسأله: هل تحفظ القرآن يا ولدي؟
فأجاب: لا.
عجب الشيخ وقال له: كيف تمّ ختانك دون أن تحفظ القرآن؟
وسأله مجدّدا: هل تحفظ نصفه؟
وأجاب: لا.
فقال الشيخ: لا شك أنّك تحفظ "ربع يس"!
قال "جراب الإبل" -بضيق وحياء-: كلا؟
تعجب الشيخ وسأل: كيف يتزوج من لا يحفظ القرآن؟
وقال له: حسناً، لاشكّ أنّك تحفظ جرء عمّ.
طأطأ "جراب الإبل" رأسه وشعر بضيق شديد، وقال: كلّا. كلّا.
نهض الشيخ حزيناً وقال له: والله يا ولدي ما ظننتك هكذا، لا يمكنني أن أزوّجك ابنتي!
تصايح بعض الحضور محتجين، وصمت بعضهم موافقة للشيخ.
وقال الشيخ: يا ولدي أمهلك عاماً لتحفظ ربع أو عشر القرآن.
قال "جراب الإبل" وقد اختلط عنده الحزن بالحرج والغضب: شكراً لك، صرفت النظر عن هذا الموضوع.
قال بعض الحاضرين: زوّجه يا شيخ وسيحفظ القرآن.
ردّ عليهم: طالما هو لا يحفظ القرآن دلّ علي جهله، وابنتي أيضاً لا تحفظ القرآن، فكيف اربط الحمار إلي الحمار؟
انفضّ الجمع بلا عقد، وكانت الحادثة نقاش القرية، وقالوا هذه هي العاقبة كل الأطفال يحفظون القرآن أمّا "جراب الإبل" فقد تركت له جدته الحبل علي الغارب، وهذه هي الثمرة.
قرّر "جراب الإبل" صرف النظر عن هذه الزيجة، وكانت الفتاة تقول: سوف يعود لي.
وقال أبوها: هذا الرجل الذي سافر وأحضرني وأنفق ثلاثة أشهر ليتزوّج ابنتي –التي أطاشت لبّه- سيحفظ القرآن ويعود، ولكن "جراب الإبل أعلن أنّ هذا الموضوع قد انتهى!
وكانت للقدر الكلمة: بعد أسبوعين فقط من الحادثة مات رجل بالقرية، وحضر شيخ مسيد الحي بتلاميذه لختم القرآن لروح المتوفّى.
كان "جراب الإبل" حاضراً بزيّه الأنيق؛ الجلباب الناصع والعباءة، وأحضر صاحب الدار –وكان حديث عهد بالقرية- المصحف المُجزّأ ووضعه أمام "جراب الإبل" وحسب –من هيئته- أنّه الشيخ، وقال له: هذا هو المصحف يا سيّدنا!
تبسّم الشيخ وتلاميذه وانتظروا حتي انصرف صاحب الدار ثمّ قالوا لـ"جراب الإبل" مداعبين :
- هات المصحف أيّها الجاهلّ!
آلمه كلامهم وذكّره الإحراج المماثل بالأمس القريب فشعر بالضيق، في اليوم التالي اختفى "جراب الإبل" وترك مالا لبنيه ووصيّة أنه مسافر لـ"دار صباح" وسيعود بعد عام. ومرّ العام ولم يعد "جراب الإبل" وبعث رسالة أنّه سيعود بعد عام.ومرّ العام ولم يعد, وأرسل رسالة أنّه سيعود بعدعام. قالت أمّه: سنّة أبيه، ومن شابه أباه فما ظلم.
عاد "جراب الإبل" بعد ثلاثة أعوام، وسُئل: أين كنت؟
قال: كنت أتاجر.
دعا النّاس لوليمة بمناسبة سلامة وصوله، ودعا الشيخ والد خطيبته، وشيخ المسيد والتلاميذ، وكل علماء ومشايخ البلد، وبعد الطعام وقف وقال: يا شيخ فلان وشيخ فلان وشيخ فلان دعوتكم لتمتحنوني أمام النّاس، لقد حفظت القرآن!
همهم بعض الحضور: غير معقول!
وصرخ بعضهم فرحاً، وأُجري الامتحان –بحسب العادة- وكان نجاح "جراب الإبل" باهراً، زغردت النساء، وفرح الشيخ وقال له: الآن سأزوّجك!
قال "جراب الإبل": أمهلني حتي أتهيأ وأعد وليمة النكاح.
ضحك الشيخ وقال له: لقد كانت الوليمة قبل ثلاث سنوات!
وتمّ عقد النكاح. قالت له الفتاة: ألم أقل أنّك ستعود لي؟
حين ولدت له ولداً قال: أبي ملقّب بـ"جراب الإبل" وأنا ملقب بـ"جراب الإبل" سأسمّي ولدي هذا "جراب الإبل" اسما أصليّا!
يقول بعض أحفاد "جراب الإبل" أنّ جدّته التي أطلقت هذا الاسم أوّل مرّة كانت تقصد به الجراب الكبير الذي يحمل عليه الزاد والأحمال الكثيرة بظهر الجمال، وهذه دلالة الكرم، وزعم آخرون أنّ المعنى المقصود هو (الجرب) فـ"جرب الإبل" دلالة الفروسيّة، فهو شديد علي العدوّ شدّة الجرب علي الإبل!

أبوهاجر
12-29-2014, 10:23 AM
تلف الزمان
جلس "جراب الإبل" ود أحمد ود محمود ود الشايب "جراب الإبل" في ظل العصر داخل دراه أمام منزلة الضيوف وسكنى أولاده: "عبد البديع" طالب الفنون، و"هارون" و"خميس" و"التجاني" الملقّب بـ"خسار دقيق" هجر الدراسة في المرحلة المتوسطة ، ولم تفلح معه الضغوط، فقال له أبوه في لحظة أسف:
- أنت "خسار دقيق"!
ضحك إخوته وأثبتوا له اللقب، فذهب به أبوه بعيداً لخلوة من خلاوي "الجزيرة" عند الشيخ "عبد الصمد" ليحفظ القرآن ويستحيل عليه الهروب، وتسّرب اللقب لطلاب الخلوة، ولكن الشيخ "عبد الصمد" لم يرضَهُ له، فكان يقول للطلاب:
- بل هو "غانم"!
أمّا "خميس" فقد كان أحبّ الأولاد لأبيه "جراب الإبل" –ولكنه تعود علي كتم مشاعره- قبل حديثاً بالجامعة، فقد كانت له مهارة أبيه التجاريّة، ونشيطاً في الزراعة عند هطول الأمطار حيث يغادر للقرية ويساعد جدّته. وذكيّاً حسن التصرّف.
وغير بعيد جلست بنتاه "زيتونة" –سمّيت علي اسم جدتها- و"رقيّة" وزوجه "خديجة"، ينتظرن قدوم "هارون" مع خطيبته "زالنجي".
"زالنجي" موظفة أممية عمل جدّها في زمن الاستعمار بـ"زالنجي" وكان يذكرها دائماً حتي سُمّيت حفيدته "زالنجي" وجاءت تعمل بالولاية وفاءً لذكري جدها.
اعترض "جراب الإبل" علي ارتباط ابنه (الضعيف) بهذه الموظفة وأحبّ أن يسألها بعض الأسئلة، فأمره بإحضارها، لم يكن "جراب الإبل" يرتاح لولده "هارون" الذي درس بالمدرسة الفنيّة الثانويّة، وعمل سائقاً بالمنظمة الأممية، علمه أنّ من العار أن يجلس مع أمّه بالمطبخ، ولا يليق بالرجل أصلاً دخول المطبخ، ولو كان الطعام حاضراً والنساء غائبات، ولكن "هارون" كان يداوم علي الجلوس مع أمّه في المطبخ يوسوس لها وتضحك، الله أعلم بماذا يضحكها، هو لم يكن يضحك؛ علّمته البيئة وجدّه لأمّه أنّ الرجل لا ينبغي أن يضحك أمام زوجه وأولاده كيلا يفقد هيبته، وامتثل لأمر جدّه، لكن هذا الولد لا يمتثل لأمره.
"هارون" هذا أرهق أباه ضربه المرّة بعد المرة بلا فائدة حتي كبر بهذه العادة الذميمة –دخول المطبخ- وكان هذا الولد ضعيفاً –بنظر أبيه- برنامجه محدود للغاية؛ يخرج صباحاً للعمل، ويعود للبيت فلا يخرج إلا للمسجد أوقات الصلاة، وقليلاً ما يسافر في مهمّات رسميّة، يتحدث معظم الوقت مع أمّه وأختيه، ويضحك معهنّ (هذا الولد الخائب) وكان مما يغيظ أباه أنّ كل ما يكسبه من مال يفرقِّه بين أمّه وأختيه وبعض قرابته، قال له ذات يوم:
- أيّها الخائب! ألا تفكر في الزواج، وبناء بيت، وتأسيس أسرة؟
فرد عليه بأدب –وكان يحترم أباه احتراماً كبيراً رغم قسوته عليه- : ليس بعد يا أبت!
وكان أبوه يكرّر دوماً: حين تصبح رجلاً وتقرّر الزواج أخبرني، والكلفة عليّ!
وأخيرا دون مقدمات جاء يوماً وقال:
- يا أبت قرّرت الزواج!
فرح أبوه وهتف: ما شاء الله! ما شاء الله! تبارك الله! أصبحت رجلاً! أخبرني بنت من تريد، واليوم أخطبها لك، والنفقات عليّ.
قال: ليس أبوها هنا؟
قال أبوه: أين هو؟
قال: في مكان بعيد.
قلق "جراب الإبل" وقال : أفصح.
قال: أريد أن أتزوّج "زالنجي"!
غيّر "جراب الإبل" جلسته وقال:
- هل جننت يا ولد؟ من رأيتَ تزوّج بلداً من قبل؟
قال: يا أبت "زالنجي" خواجيّة حيث أعمل.
غضب أبوه وزجره قائلاً: بل قل هي التي تريد أن تتزوّجك أيّها المتردّد الضعيف!
زعزعت العبارة حضور "هارون" وتغيّر وجهه، أحسّ "جراب الإبل" بأنّه قسا علي ولده، فقال له:
- لا بأس يا ولدي، أحضرها لي استمع لها.
فكّر "جراب الإبل" أنّ ولده سيضيع لو تزوّج أجنبيّة، لا بدّ أن يمنع هذه الزيجة، هذا الولد صمت دهراً ونطق كفراً!
الأب وحوله بنوه وزوجه في ظل العصر ببيتهم ينتظرون "هارون" و"زالنجي" وفي الموعد وصلت سيّارة "اللاندروفر" وكان الشراب البلدي و"الشاي" حاضران. رحّبوا بالفتاة ترحيباً حارّاً شربت البنت قليلاً من الماء القراح ورشفة من الكركدي وقالت لـ"زيتونة" ببساطة: صبّي لي شايّا، نصف ملعقة سكّر!
لم تَرَ "زيتونة" وأسرتها من قبل أو تسمع بمن يشرب الشاي بملعقة سكر واحدة ناهيك عن نصفها!
بذات البساطة بادرت "زالنجي" بالحديث، قالت مباشرة:
- تشرفت بمعرفتكم –كانت تتحدث العربية الفصحى بلكنة تعسر متابعتها-
وابتسمت متابعة: علمت أنّ لكم أسئلة لي. يمكنني الإجابة الصريحة الصادقة عن أية سؤال!
فكّر "جراب الإبل" أنّه كان مصيباً هذه الفتاة هي المبادرة، ولده "هارون" جالس كتمثال.
كرّر "جراب الإبل" الترحيب، ثمّ قال لها:
- حدثني ولدي برغبتكما في الزواج.
قالت: نعم هذا صحيح.
قال لها: ولكن أنت نصرانيّة!
قالت: بالنسبة لك؛ الإسلام لا يمنع الزواج من النصرانيّة!
أفحمته، فقال: أين ستستقران؟
قالت: بقيت لي مدة عام ونصف العام ببلدتكم، وبعدها سنسافر للندن!
قال: لندن؟
قالت: نعم اتفقنا علي ذلك.
قال: لا، لا، لن أوافق، ولدي ضعيف؛ سيضيع في "لندن".
قالت: بل شخصيته قوّية متزنة.
قال لها برقة : يا بُنيّتي أنا أدري بولدي، لو كنتما ستقيمان معنا لا بأس.
قالت: لن أكذب عليك، سنسافر.
قال لها: لن يتم هذا الزواج!
هزّت كتفيها وقالت: عندنا القرار يعود للفتى والفتاة، وأظنّ الإسلام كذلك!
لم ينبس "هارون" ولا غيره من الأسرة ببنت شفة، سكتت "زالنجي" وسكت "جراب الإبل" فرشفت "زالنجي" من شايها وكان صوت الرشفة مسموعاً في الصمت المطبق. شجّع صوت الرشفة "هارون" ليتكلم، تنحنح وقال: لكن يا أبت أنا صاحب القرار!
نظر له أبوه نظرة ثاقبة ولم يتكلم، توتّر الجو، رشفت "زالنجي" بقية كوبها دفعة واحدة، ووقفت ببساطة، وقالت متكلّفة الابتسام :
- هيا ارجعني يا "هارون"، تشاوروا في الموضوع، ولو كنت مكان "هارون" لقررت وحدي؛ هذه حياة ومصير، ويعيش المرء مرّة واحدة.
فكّرت "خديجة" لو أنّ هذا اللقاء تمّ وزوجها غائب لكان أنجح، كان دوماً في سفر بين "تشاد" و"إفريقيا الوسطي" و"الكاميرن" و"نيجيريا". وكان يتاجر في كل شيء: المفروشات، والأثاث، والأواني، والعطور وغيرها علي طريقة تجّار البلد ويقول: لقد حارب جدي "جراب الإبل" الكبير مع "رابح فضل الله" وجنده، وحكموا هذه البلدان فكيف تصعب عليَّ بها التجارة؟ وكان أحيانا يسافر لـ"ليبيا" وتمّنت لو أنّ هذا الزواج تمّ في غيبته.
لم يكن يضحك إلا نادراً، وذات يوم في ظل العصر هذا يستمع لأحد البرامج الإذاعيّة التي تصوّر حياة الريفيين واحتكاكهم بالمدينة؛ انفجر ضاحكاً، كانت المرّة الأولى، ومن يومها حرصت الأسرة علي التأكّد من أنّ الراديو برفقة "جراب الإبل" مضبوط علي المحطة المحليّة موعد البرنامج.
قطع تسلسل أفكارها ولدها "عبد البديع" الذي كان أجرؤهم علي أبيه قائلا: لقد تصرفت بتسرّع يا أبت.
قال له: متي ولدت أنت؟
وفكّر "جراب الإبل" في ابنه "عبد البديع" يا له من فتىً غريب!
قُبل في كلية الهندسة فاستقال واختار الفنون، يبدّل الواقع بالوهم!
وقال لهم بصوت مسموع:
أذكر –ونحن صغار بالقرية زمن المستعمر- حين صادفنا النّصراني ونحن نلعب طرف القرية، وما قالته جدتنا "زيتونة".
وذكر لهم ما حدث ذلك اليوم:
كنّا نلعب -أنا وأولاد خالتي- مع الأولاد لعبة "شدّت" طرف القرية، وجاء خواجة علي حصان، ففرّ الأطفال وذهبنا نجري لبيوتنا، ودخلت علي جدتي "زيتونة" وقلت لها:
حبّوبّة! حبّوبة! جاءنا النّصراني !
فقالت: لا إله إلّا الله! رأيتم النّصراني بأعينكم؟
قلت لها: نعم حبّوبة، أحمر شديد ...، عينه خضراء.
قالت حبّوبة: يا محمّد! يا محمّد! يا محمّد!
سأصوم ثلاثة أيام لله؛ الزمان تلف!
ثمّ أضافت متسائلة متعجبة: أبصر أولادي النّصراني؟!
هذا ما قالته جدّتكم نذرت أن تصوم ثلاثة أيّام لأنّنا أبصرنا الخواجة، هذه يا أولادي ردّة فعل جدّتكم، وقالت لنا أنّ سبب شدّة حمرة النصراني وخضرة عينه؛ عدم نضجه في بطن أمّه!
وواصل "جراب الإبل": واليوم هذا ولدي يريد أن يتزوج بنت النّصراني، دنيا!
صباح اليوم التالي خرج "هارون" للعمل غير أنّه لم يعد، بحثوا في كل مكان بلا جدوى، والأسرة مجتمعة وكان ذلك بعد العيد الكبير، حضر "عبد البديع" و "خميس" من العاصمة و"خسار دقيق" من الجزيرة ليبتهجوا بالعيد ولكن حدث ما حدث ودخلهم الحزن لاختفاء أرقّ الأسرة "هارون" كانوا يتمنّون أن يكون قد هرب مع "زالنجي" ولكن لم يكن ذلك كذلك. وبكت "زالنجي" بحرارة وعادت لأهلها، وحين جاءتهم منها رسالة تمنّوا لو تخبرهم أنّه معها. خاب أملهم؛ كانت تسألهم عنه.
أخبرهم بعض النّاس أنّه سافر شرقاً، وقال آخرون أنّه سافر جهة "ليبيا"، وزعم آخرون أنّهم رأوه يتجه غرباً، مزّق الأسرة الحزن، وتظاهر "جراب الإبل" بالتماسك، ولكنه كان إذا جنّ عليه الليل يبكي سرّاً، وقال لبنيه:
ذهب أخوكم لجهة مجهولة واختفى، إنّها سنّة جدكم "جراب الإبل" حيث هجر أهله لسبب تافه، ومن شابه أباه فما ظلم! لم أكتشف أنّ لـ"هارون"حضوراً إلا بعد غيابه، كان دوماً بالمنزل لا يخرج، كان هو نور هذا البيت، لقد صار البيت مظلماً بغيابه، وهكذا الدنيا يا أولادي لا تظهر فيها مكانة أحد إلا إذا اختفى.
لم يفهم "جراب الإبل" ولده "هارون" يوماً؛ علّمه التقاليد فلم يحفل بها، أراده أن يدرس بالجامعة فاختار دراسة ثانوية مهنية اكتفى بها ولم يستشر أحداً، حين تخرّج من الثانويّة أراده أن يعمل معه بالتجارة فعمل سائقاً بالمنظمة الأمميّة؛ أراده أن يسافر معه، أو ينوب عنه في البلد لكنه لم يهتمّ بذلك، يتهرّب منه ويردّ بهمهمات غير مفهومة، كيف يعمل سائقاً ولأبيه اسطول سيّارات تجوب البلدان؟
فكّر "جراب الإبل" كيف يتخذ "هارون" قراراته بيسر وبساطة وينفذها دون الرجوع إليه؟ يا للعقوق! وأخيراً تجاوزه "وتركه وشأنه مزجياً له النصح من حين لآخر برفق.
وهاهو ذا أخيراً يكمل تمرده علي أبيه بخطبته لنصرانيّة تقوده لـ"لندن" يا للعجب، حفيد "محمود ود الشايب جراب الأبل" الذى قتله النصارى على ضفاف بحيرة "تشاد" يقترن بنصرانيّة، ويذهب معها لبلدها؟ كيف هذا؟ ثمّ أخيراً يفر ويختفى هروباً من حضور أبيه. كانا علي طرفي نقيض.

أبوهاجر
01-07-2015, 08:13 AM
لبن الغزال

في الطريق الصحراوي لواحة "الكفرة" الليبية زمجرت محركات الشاحنة القوية وهي تشق الرمال ملتزمة الطريق الرملي العميق الذي رسمته عجلات الشاحنات، وحين تخُفّ الرمال تتفرع الطرق وتنتشر كيف شاءت في الصحراء.

في منطقة تكتنفها الكثبان تجمعت الطرق بمجرىً واحد، وفي المنعطف إذا بغزالة تحاول قطع الطريق وضايقتها السيّارة فعدت علي مجرى الإطار الأيمن، والسيّارة خلفها تماماً، ولم تتمكن من القفز خارج المجرى وعدت حتي كلّت فخفت سرعتها فقلّل السائق السرعة وأخيراً سقطت الغزالة من شدّة الإعياء. توقفت السيّارة وقفز الركاب منها، وقبلهم السائق مستعدّا بشفرته، أضجع الغزالة علي جنبها ليذبحها، فإذا ضرعها حافل باللبن، تردّد، وقال:

أحدهم: لا تذبحها، إنّها مرضع سيضيع عيالها!

قال آخر: أذبحها رزق ساقه الله إلينا!

وضع السائق شفرته مجدّداً علي حلق الغزالة، وتردّد مجدّداً، نظر لأوجه الركاب وقال لهم : أأذبحها؟

صمتوا، تكلم أحدهم فقال: دعها تذهب.

وافقوا جميعا.

قال لهم "جراب الإبل" : دعوني أحلبها!

أحضر كوباً وحلب ضرعها وملأ الكوب، ثمّ أطلقها، فعدت مبتعدة وقد عاد نشاطها، قرّب "جراب الإبل" الكوب من فمه ليشرب اللبن الدافئ.

هتف به إعرابي –كان ينظر له بقلق وهو يحلب اللبن-: لا، لا تشرب هذا اللبن؟

أبعد "جراب الإبل" الكوب عن فمه، وسأله: لِمَ؟

قال له: هذا اللبن مشؤوم، ستكون دوماً علي سفر، وأولادك أيضا، وستكونون دوماً علي حذر!

ضحك "جراب الإبل" وقال له: أنا وأولادي دوماً علي سفر، وعلي حذر، وقد كان جدّي كذلك!

وشرب اللبن وشرب معه السائق ولم يرغب فيه غيرهما!