المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بستان النخيل للكاتب البريطاني دينيس جونسون ديفيز



خالد محجوب محي الدين
09-12-2014, 03:37 PM
http://sudanelite.com/vb/uploaded/2758_01410521302.jpeg (http://sudanelite.com/vb)http://sudanelite.com/vb/uploaded/2758_01410521354.jpeg

توقفت الحمير الثلاثة خارج البوابة المزدوجة ذات الحليات المعدنية ،كان الوقت في بداية الاصيل وظلال الحمير وركابها تميل بزاوية نحو السور الطيني العالي الذي كان يطوق النخيل من ناحية في حين كان النيل يحده من الناحية المقابلة.

كان الشخص الذي في الوسط ولدا طويلا نحيفا اسمه جعفر يلبس جلبابا منشي ناصع البياض وعمامة كبيرة من اللون نفسه لاحت متأرجحة فوق جبينه الابنوسي وملامحه الجميلة صفق بيديه ونادي بصوت عال التفت الي رفيقه الاصغر سنا وكان ولداً ابيض يركب عن يمينه وتبادلا بعض الكلمات في حين كان يتم سحب المزلاج وفتح جناحي البوابة تسابق الولدان وهما يتدافعان الي الداخل.

فاصل ونواصل

Amr
09-12-2014, 04:07 PM
ما تطول الغيبة ياثيد

خالد محجوب محي الدين
09-12-2014, 07:16 PM
كان الولد الأبيض ،وهو أول من دخل الي عالم الحديقة الظليل ،يلبس بنطالاً قصيراً كاكي اللون وسترة كاكية اللون بها جيوب منتفخة،كان يحمي رأسه من حرارة الصيف السوداني الشديدة بقبعة واسعة من اللباد المزدوج ،العضو الأخير من ثلاثي الأولاد ،واسمه شاكر،كان خادم الولد الأبيض،كان يلبس جلباباً لونه أزرق باهت وطاقية،وكان حافي القدمين، كان وجهه يحمل تقطيبة قلقة ،مصدرها ولا شك مسئوليات العناية بسلامة إبن مفتش المديرية الانجليزي.

صرخ الولد الأبيض والذي كان اسمه الحقيقي دايفيد والذي كان جعفر يناديه بإسم داود ((انا الكسبان)).
صحح له جعفر قائلاً :((حمارك هو الذي كسب ،فحمارك هذا اقرب إلي الحصان )) وإنفجر الأولاد الثلاثة يقهقهون.

كان بستان النخيل ،الذي يقع بين النيل والصحراء المحيطة ، يبعد أكثر من الميل بقليل عن البلدة الممتدة حيث كان صاحبه ، الشيخ عثمان عبد الغفار ، يمتلك متجراً ، كان كبير صائغي الفضة في البلدة ، وينحدر من إحدي العائلات الكبيرة في كردفان ، في حين جاءت زوجته ، فاطمة ، وكان جعفر آخر ابنائها ،، من الكبابيش ، وهم من مربّي الماشية ، وجلبت معها ثروة كبيرة ونفوذاً واسعاً ، كان السائحون الذين يزورون البلدة قادمين من الحدود المصرية بالباخرة نادراً مايرحلون دون أن يشتروا من متجر الشيخ عثمان ، حتي لو كان منفضة سجائر من الفضة في وسطها عملة معدنية قديمة من زمن المهدي . رغم أن أي شخص غريب قد يتصور أنه ليس سوي صاحب متجر يبيع الفضيات و مجموعة ضئيلة من الساعات ، إلا أن الشيخ عثمان كان في الواقع واحداً من كبار التجار في المنطقة . كان منخرطاً في التجارة المربحة لنقل الماشية والجمال سيراً علي الأقدام إلي مصر ،وأحياناً حتي القاهرة نفسها ، كذلك كان يشتري أغلب محصول البلح في المنطقة ويبيعه إلي تجار الخرطوم . وكان يشاع ان مصدر ثرائه الحقيقي هو التجارة غير المشروعة للآثار النوبية التي يتم التنقيب عنها بغرض السرقة من المقابر في أعالي النهر . علي العموم كان رجلاً يحسب له الف حساب ، وكان سعيداً جداً أن إبنه جعفر علي صداقة مع إبن المفتش الانجليزي ، فهذا كان يمنحه صيتاً إضافياً.

يتبع

سيف الاسلام
09-12-2014, 07:20 PM
دكتورنا الرائع واصل بدون فواصل
استهوتني قصة تجارة الاثار علها تكون هي غموض القصة واثارتها

خالد محجوب محي الدين
09-12-2014, 08:52 PM
الفارق في درجة الحرارة بين خارج بستان النخيل وداخله كان شاسعاً جداً ، حتي أن الراكبين أحسوا للحظات برعشة برد وهم يجتازون خبباً الطرقات الطينية الممتدة علي جانب قنوات المياه الملتمعة تحت الشمس.
وكان اليمام الرقيق يتحرك بين سعف النخيل العالي ويطلق هديله الناعم ، بالنسبة للولد الإنجليزي كان ذلك مكاناً لا أفق له ، حيث كانت هناك دائماً أشياء جديدة يمكن إكتشافها ، وقنوات مياه يمكن تعقبها ، والثيران مغماة العيونيمكن مشاهدتها وهي تدور دون كلل حول السواقي ، كان عالماً من السحر ، وكان صديقه جعفر هو الذي يمتلك مفتاح هذا العالم .

ترجل الأولاد الثلاثة بجانب إحدي السواقي المتوقفة . قام شاكر ، بعد أأن كنس مساحة من الأرض بسعف النخيل الجاف وفرش ملاءة ،أخرج الولد الإنجليزي ست بيضات صغيرة مسلوقة ملفوفة في منديل ، كذلك علبة عصير مشمش وفتاحة ، في حين فك جعفر صُرّة صغيرة وكشف عن عدة قطع من الكفتة كانت والدته قد أعدتها وبعض الأرغفة ، بعد أن أكلوا وشرع شاكر في غسيل الأطباق المعدنية ، قام الولد الإنجليزي بتقسيم قطع الحلوي التي أحضرها معه بينه وبين جعفر ، ولكن جعفر أصر علي أن يأخذ شاكر نصيباً مماثلاً لهما ، ووافق الولد الانجليزي علي مضض . ثم قام جعفر ليغسل يديه في المياه الجارية التي كانت بجانبهم وشاهده الولد الإنجليزي وهو يغترف المياه ليملأ بها فمه ثم يقوم ببصقها مرة أخري ، فقلده ، بعد ذلك إنتقل الولدان إلي مكان منبسط خلف الساقية حيث كانا قد وضعا بعض التماثيل الطينية لتجف في الشمس والتي كانا قد قاما بتشكيلها في آخر مرة جاءاا فيها الي البستان .
كانت هناك تماثيل لحمير وجمال وكذلك إبريق مياه وحلة طبيخ مصفرّة كلها ، كان هناك أيضاً تمثالان لشكلين بشريين إختلف جعفر والولد الانجليزي حول البروزات المعيبة فيهما .
حطم الولد الإنجليزي التماثيل المختلفة برفسها بقدمه وقال لجعفر ((سنعمل أشكالاً أخري في المرة القادمة)) .

ودع كل منهما الآخر ، وإتفقا علي اللقاء في اليوم التالي بالسوق ، ثم ركب الولد الإنجليزي وخادمه تجاه البيوت الصغيرة التي اصطفت علي ضفة النيل مباشرةً ، في حين عاد جعفر إلي منزل الأسرة الذي كان يضم متجر ابيه.

يتبع

خالد محجوب محي الدين
09-12-2014, 10:41 PM
أخذ الولد الإنجليزي حماماً ، وكان يجلس لابساً الروب ويتناول عشاءه . كانت والدته تجلس بجواره وتقرأ له ، وكانت كلما أدارت صفحة كانت تريه الصورة التي بجانب النص . كان الكتاب قد قُرأ للولد عدة مرات ، وكان يحفظه تقريباً عن ظهر قلب . لذلك لم يبد إهتماماً كثيراً بما تقوله والدته ،ولكن كان يستمتع بوجودها معه وهو يأكل ثم دخل والده وعلي وجهه نظرة جادة دون أن يقول شيئاً ، ولكنه أشار لوالدته بأن تخرج من الغرفة معه .

قالت له عندما عادت :((دايفيد ، يبدو أن شيئاً حدث لجعفر))، إتجهت ناحيته وأخذت في إحتضانه و تقبيله ، قالت له : إن حادثة وقعت بسبب انفجار المصباح وإمساك النيران بملابس جعفر.
سأل الولد :((هل يمكنني الذهاب لرؤيته؟؟)) .
هزت رأسها وقالت :إن جعفر مات ،كان الولد في حيرة وارتباك حول كيفية الإستجابة لهذا النبأ، عندما رأي عينيها تدمعان إنفجر في البكاء .
هدأت من روعه وأدخلته في الفراش وإرتاحت عندما نام مباشرةً بعد يومه الطويل . في الصباح ، سأل عن جعفر وقالت له والدته إنه ، إذا أحب ، يمكنه الذهاب إلي الشيخ عثمان ليعبر له عن حزنه لوفاة جعفر .
قالت له : ((سيكون في منزله)) ، وإنطلق مع شاكر ، عندما وصل إلي منزل الشيخ عثمان شعر بالقلق وتمني لو أنه لم يجئ أصلاً ،،ترجل ونظر عبر غرفة الاستقبال الطويلة حيث شهد والد جعفر يتلقي العزاء من كبار رجال البلدة . فكر في الرحيل ، ولكن خادمه جاء وإصطحبه إلي غرفة إستقبال اصغر ، وقف هناك لعدة دقائق وهو ينظر الي الكراسي المطلية باللون الذهبي المرصوصة حول الغرفة قبل أن يدخل والد جعفر . رحب الرجل العجوز به وأمسك يده بين كلتا يديه ، كان الولد يعرف أنه يجب أن يقول شيئاً للشيخ عثمان.
لوكان جعفر هناك لكان سأله
سأل بإرتباك :((هل يمكنني رؤيته؟؟))
جلس الرجل العجوز وأحاط الولد بذراعه.
أوضح الشيخ عثمان : ((دفن مساء أمس)) ، وأحس الولد بدموع الرجل العجوز وهي تتعلق بلحيته البيضاء الخفيفة وبالبلل علي خده ، كانت أول مرة يشاهد فيها شخصاً بالغاً يبكي . تذكر الولد تلك المرة ، منذ عدة اسابيع ، عندما لدغ عقرب قطته ووجد جثتها في الفيراندا . وضعها هو و والدته في علبة أحذية ودفنها في الحديقة .

فكر في صديقه جعفر ، وعن معني أن يُدفن في الأرض ،وفكر في معني كلمة الموت ، وايضا في أنه لن يذهب مرة أخري إلي بستان الشيخ عثمان .

تمت

خالد محجوب محي الدين
09-12-2014, 11:03 PM
ما تطول الغيبة ياثيد
جمعة مباركة ياعمرو ....عارف الكاتب البريطاني دينيس جونسون اتاثر بفترة طفولته العاشها في السودان ...لو لاحظت القيم السودانية كيف لمن جعفر اصر علي دايفيد انو يتقاسموا الحلوي مع خادمه شاكر..ياهو ده انسان السودان الجميل

خالد محجوب محي الدين
09-12-2014, 11:06 PM
دكتورنا الرائع واصل بدون فواصل
استهوتني قصة تجارة الاثار علها تكون هي غموض القصة واثارتها

جمعة مباركة يادكتور سيف ...الجانب الانساني الفيها احلي واعلي من اي سسبينس او اثارة....لاحظته ياسيف انو الانجليز ديل احترموا انسان السودان كيف ..ياخي الانجليز ما كانوا بيحتكوا بمواطني مستعمراتهم ولا اطفالهم بيختلطوا وبيلعبوا مع السكان المحليين لا في الهند ولا مصر ولا نيجيريا ولا اي مستعمرة عدا السودان .....الكاتب ده طبعا من عليه الله بنعمة الاسلام واظن لغاية قريب ده كان علي قيد الحياة

Amr
09-12-2014, 11:14 PM
متابعين يا ثيد :read:

بلقيس
09-13-2014, 04:30 PM
هكذا جمال لايُرشف دُفعة واحده..
لكن ما إن تبدأ يستحيل عليك التوقف قبل أن تصل لـ (تمت)..
الروح الطيبه التى تسكُن دواخل (أهلنا الغُبُش)..
تجعل من الصعب جداً على شخص العيش معهم دون التأثر بهم...
وأظُنها تُجسّد الفقد بمعناه الحقيقي حينما يرتبط الأمر بالموت ..
وكيف أنه بالرغم من وضوحه التام يحتفظ بغموضه الكامل..
....
شكراً صديقي ..

خالد محجوب محي الدين
09-13-2014, 05:55 PM
متابعين يا ثيد :read:
والله ده من دواعي سروري ياعمرو ياذوق

خالد محجوب محي الدين
09-13-2014, 06:00 PM
هكذا جمال لايُرشف دُفعة واحده..
لكن ما إن تبدأ يستحيل عليك التوقف قبل أن تصل لـ (تمت)..
الروح الطيبه التى تسكُن دواخل (أهلنا الغُبُش)..
تجعل من الصعب جداً على شخص العيش معهم دون التأثر بهم...
وأظُنها تُجسّد الفقد بمعناه الحقيقي حينما يرتبط الأمر بالموت ..
وكيف أنه بالرغم من وضوحه التام يحتفظ بغموضه الكامل..
....
شكراً صديقي ..

الله يفتح عليك ويرضي عليك والديك يا أديبة ..جبتي خلاصة الخلاصة ...التأقلم علي فكرة الموت وفقد انسان وانو يذهب عبر البرزخ وماتشوفو تاني فكرة صعبة شديد شديد......الانسان السوداني معدنه ذهب مهما علق فيه التراب برضو حيفضل ذهب ماحيتغير مهما مرت عليهو المحن والمصايب ...
تخيل كيف يكون الحال لو ما كنت سوداني ... لو ماجيت من زي ديل كان وأسفاي وأماساتي وآ ذلي