المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ذاكرة الخندريس عبدالعزيز بركة ساكن



خالد محجوب محي الدين
10-20-2013, 10:41 PM
   http://share.ftimg.com/thumb/M652x500/aff/flamingtext/2013/10/20/flamingtext_23191094942504450.png
http://share.ftimg.com/thumb/M652x500/aff/flamingtext/2013/10/20/flamingtext_23191096838373890.png


رواية



ذَاكِرةُ الخَنْدَرِيسْ
"وَ مَنْ الذيْ يَخَاف عثمان بُشرى؟ "





عبد العزيز بركة ساكن















" إنَّ المرأة الحصيفة لا تحكي لرجلها الغبي تاريخ علاقاتها مع غيره،
وكثيرٌ من الرجال أغبياء وليست كل النساء حصيفات."
بركة ساكن







ألَذُّ مِنَ المُدامِ الخَنْدَرِيسِ وأحْلى مِنْ مُعاطاةِ الكُؤوسِ
مُعاطاةُ الصّفائِحِ والعَوَالي وإقْحامي خَميساً في خَميسِي
فَمَوْتي في الوَغَى عَيشي لأنّي رَأيتُ العَيشَ في أرَبِ النّفُوسِ
ولَوْ سُقّيتُها بيَدَيْ نَديمٍ أُسَرُّ بهِ لكَانَ أبا ضَبيسِ

"أبو الطيب المتنبي"

إقرار مهم
جرت أحداث هذه الرواية في دولة شديدة الشبه بجمهورية السودان، قد تتطابق أسماء المدن، القرى، الأشخاص، الوزارات والصحف. قد تتطابق الأحداث، السياسات، الأزمنة والأزمات أيضاً، لكن تظل أحداث الرواية تجرى في دولة خيالية لا وجود لها في الواقع، لأن ما يحدث في هذه الرواية يستحيل حدوثه في واقع السودان. هي من شطحات الخيال المريض لكاتبها بركة ساكن، بالتالي الأفكار التي تطرحها هذه الرواية لا تعبر بأي حال من الأحوال عن رأي المؤلف، بل تعبر عن أفكار القارئ، وهو من يتحمل مسئوليتها والدفاع عنها، وقبل ان أحدثكم لماذا أتبنى هذا الرأي الصريح المتطرف، هو ان الآراء في قاموسي، أربعة: أراء خيرة، آراء شريرة،أراء خيرة وشريرة، آراء لا خيرة ولا شريرة. طبعا كما هو معروف و مؤكد، لا تُوجد آراء بين بين. فالرأيان الأولان هما رأيان قد يصدران من الكاتب الأول للنص، في هذه الحالة هو شخصي الضعيف، أما الرأيان الأخيران هما رأيا القارئ، الذي لسوء حظه يتطلع على الرأيين الأولين لكنه للأسف يفهمهما كما يشاء ويؤول النص وفقا لما يريده هو، فما أراه أنا خيرا مطلقا وجمالا متكاملا، مفرطا في إنسانيته، قد يراه هذا القارئ الشرير شيطانيا، قبيحا وحيوانيا مفترسا. العكس أيضا صحيح، قد يُقْرَأ ما اعني به أنا شراً جميلاً، خيرا مُطْلقاً بالتالي من يتحمل سوء أو حسن ظن القارئ غير القارئ نفسه؟ وهذا يقود إلي الرجال والنساء الذين يستخدمهم البعض لتقييم أعمال أدبية صرفة أو سياسية أو حتى علمية، بغرض تجريمها وتحريمها أو صرف صك مرور خجول من أجلها، في ظني ان السلطات الرشيدة، يجب عليها ان تقاضي أو تحاكم القارئ الذي عُين حكما، لأنه لا يقوم سوى بعرض قراءة خاصة به للعمل الفني، بالتالي يفضح سريرة نفسه وقبحها أو يستعرض جمالها. وسأحكي لكم قصة هنا – أفكر فيها الآن- ستكون جميلة في رأينا وعفيفة، إذا سمحتم لي باستخدام هذا المصطلح الأخلاقي في وصف عمل أدبي، ولو أنني اتفق مع الكثيرين بان العمل الأدبي حَمَّال قيم، طالما اعتمد على اللغة التي قال عنها كارل ماركس ذلك.
ذات يوم مطير، وأنت تخاف من المطر والبرق، يخيفك أكثر الرعد الذي يصطحب البرق الفجائي، ليس ذلك خوفا من الموت، لكنها فوبيا صاحبتك منذ ان كنت طفلا صغيرا ترضع من ثدي أمك، يوم ان خطفت الصاعقة روح والدك أمام عينيك. عندما احتشدت السحب السوداء الخيرة الحبلى بالمياه في السماء، في الشرق، فأسرعت الخطى نحو بيتك. أنت تعرف ان السحب القبلية مطرها مؤكد. وهي معرفة شائعة وأنت تهتم بكل ما ينذرك بالمطر، فليست في بلدك هيئة أرصاد تهتم بصحتك و سلامتك، تحركت من السوق الكبير حيث تعمل قبل ميعاد خروجك الطبيعي بساعتين، على بعد خمس كيلومترات من بيتك في حي الموظفين، حتى لا نفضحك فإننا سوف لا نذكر في أية مدينة أنت، أو اسمك كاملا، أو رقم بيتك أو تلفونك، سوف لا نصف هيئتك كيف تبدو، فبعض الناس بإمكانهم حرز من تكون وسيرسلون لك رسائل نصية يقولون لك فيها: بركة ساكن كان يقصدك، وبذلك يزيفون الواقع، وهم الذين يقصدونك في حقيقة الأمر.
عندما هبطت النقطة الأولى على راسك الكبير الأصلع، أصبت بهلع فوبوي عنيف. سالت نقاط الماء من أعلى راسك متدلية في دلال مرعب ناحية فمك من انفك الأفطس الذي بدأ يرتجف الآن. مرت النقاط خلال شفتك العليا عابرة شاربك الكبير إلى شفتك السفلى. احتفظ شارباك ببعض الماء على الشعيرات الخشنة السوداء، مررت عليهما كفك اليسرى بطريقة غير إرادية، في ذلك الحين لم يبيض شعرك كما هو الآن، لم تصبح ذقنك و لحيتك مثل مزرعة قطن منسية بعد. لم تستطع ان تفتح فمك لبلع النقاط الطيبات التي جاءتك من السماء مباشرة، تركتها تسقط على الأرض لتنضم إلى أخواتها السماويات تحت قدميك، ما كنت تحتاج للبرق المرعب وهزيم رعد طائش، لكي تقفز على اقرب جدار بيت من بيوت جيرانك لتنجو بنفسك. جدار من الطوب الأحمر مطلي بالجير والأسمنت، بيت جارك العزيز. الماء يتبعه البرق، البرق تتبعه الصاعقة، الصاعقة قد أخذت روح أبيك وقد تأخذ روحك بذات العنف والقسوة، لقد حرقت أبيك حريقاً تاماً ونهائياً، إلى ان أصبح اسود مثل جوال الفحم. لم تتركه لكي يصرخ أو يطلب النجدة، لم تنذره، لم تمهله لكي يودعك بنظرة قصيرة، عندما هبطت في بيت جارك، الذي كنت تعرف انه يقيم وحده، فلقد ذهبت بنتاه زوجته إلى بيت أبيها احتجاجا على لشجار الدائم الذي يدور بينهما، اقصد هنا انه ضربها ضربا مبرحا، مما جعل أخيها وأبيها يأتيان إليه من مدينة الخرطوم، يضربانه، يفصدانه بسكين المطبخ مرتين في بطنه وذراعه. ولم ينجده سوى تدخلك وبعض الجيران في الوقت المناسب، أي بعد ان اخذ عقابه جيدا وبوفرة، وقبل ان يقتله الرجلان الغاضبان، مع العلم ان أخ الزوجة كان اعز أصدقائه، كما ستعرفون لاحقا.
دخلت حوش جارك الواسع، بقريظة الحياة الفاعلة فيك، وجنون الفوبيا الذي ظل يطاردك منذ سنوات طوال. توجهت مباشرة إلي غرفة المعيشة، وبكل ما لديك من قوة دفعت الباب لتدخل، ففوجئت بشيء غريب، وجدت زوجتك الحبيبة، تقفز على مِسْبَار جسد جارك الطيب. مثل فرس في سباق فاشل، كانا في تمام عريهما. على الرغم من صدمة الحدث إلا انك لاحظت ان ظهر زوجتك كان جميلا كما لم يكن من قبل، وأنها كانت تستمتع بالفعل، شاهدك جارك أولاً، حيث ان زوجتك كانت تعطي ظهرها للباب، ظهرها العَرِقْ الجميل الذي لم تتعرف عليه من الوهلة الأولى، لأنك عندما فوجئت بهما يرقصان رقصة الحب، صرخت قائلا:
- آسف، أسف.
بالطبع كنت تظنها امرأة أخرى صادها جارك، يشاع عنه انه صائد ماهر للنساء، ويُهْمَس بأنه يعجبهن.
في اللحظة التي أردت ان تنسحب فيها، وتعود لأمطارك المرعبة في الخارج، التفتتْ زوجتُك الجميلةُ إليك، كان وجهها عَرِقاً، ومغطى بشعرها الغزير الأسود، شفتاها كبيرتان مكتنزتان، بدا الجانب الذي يواجهك من صدرها ناهدا، جموحا وبارزا كأنه كوخ صغير من الشكولاطة. أنت تعرف أن المرأة تصبح في قمة جمالها، ومنتهى أنوثتها، أثناء ممارستها الجنس.عندها قفزت زوجتك الجميلة الحبيبة من أعلى شيء جارك، عارية كالبرق، مرعوبة، كلما تتذكره أنت، أنها دارت دورتين حول نفسها، صرخت بأعلى صوتها الذي كنت تشبهه بنغمات الكمان، وأنت تسمعها أول مرة، في الحق، هو السحر الذي أوقعك في حُبها:
- سجمي؟ إدريس؟
قبل ان نحكي لك، لماذا كان ذلك آخر ما رأيته، اسمح لي ان أحدثك عن بعض التأريخ بشأنك وشأن زوجتك- لا تنسيا إنني أؤلف كل ذلك الآن ولا اعرف شيئا عن تاريخ علاقتكما الزوجية أو غيرها، فانا لا أعرفكما من الأساس، إنما توحي إليَّ بها الموحيات الآن- تزوجتما عن حب- لسلوى رأي آخر سنعرفه لاحقا- هي مغرمة بك وأنت أيضا مغرم بها، عندما تزوجتها كانت عذراء. بشهادتك وشهادة الطبيبة مريم – بنت خالتك - التي قامت بمساعدتك في فض عذريتها بطريق علمية حتى لا تؤذيها، فكانت المسكينة حبيبتك مختونة ختانا فرعونيا قاسياً، لدرجة انك تحيرت كيف بإمكانها ان تتبول وان ينزل منها دم الحيض، لأنك لم تر شيئا في ذلك المكان يوم "دُخْلَتك" سوى ثقب لا يُدخل إبرة الخياطة، قالت لك:
- إنهم وضعوا قشة كبريت لضبط المقاس.
لكن، إذا كانت لك تجربة جيدة مع النساء، وكنت حاذقا ذكيا في شأنهن- الرجل غالبا ما لا يكون ذكيا حاذقا في مثل هذه الأشياء- لاكتشفت أشياء مهمة وهي:
1- ان ملمس خيط الختان في عضو زوجتك كان بارزا خشنا، أي انه لم يكن قد أصبح مثل بقية الجلد حوله، إذا مررت أصابعك عليه لوجدته خشنا مثل نشارة الخشب الملصقة على سطح أملس، وهذا يعني الكثير لرجل تقليدي مثلكـ اذا انتبه.
2- الشيء الآخر والمهم، انك لم تسأل الطبيبة- طبعا إذا كان يهمك ذلك، على فكرة، أنا لا يهمني- ما إذا كانت زوجتك عذراء أم أنها صارت عذراء قبل شهرين من الزواج.
3- الشيء الأهم، وأنت تحتفي بعذرية زوجتك، لقد حكيت ذلك لكثير من أصدقائك الحميمين بفخر، لم تسأل نفسك عن عذريتك أنت، وكم من النساء فضضت بكراتهن بمتعة رهيبة، ولم تسأل نفسك كيف سيصير بهن الحال إذا شاءت أقدارهن الرهيبة ان يتزوجن من رجل يرى ان شرف البنت في عضوها؟
4- أقول لك هنا ما لم تشاء ان يُذكر، في رواية سيقرؤها كثير من الناس: هل كنت غاضبا تماما وأنت تفاجأ ان زوجتك كانت تستمتع بالجنس مع جارك الطيب العزيز؟
حسنا، دارت زوجتك حول نفسها دورتين- كما قلنا لك ذلك سابقا- هذا كل ما تتذكره، ثم وجدت نفسك في المستشفى فاقد الذاكرة بصورة كلية، أنت الآن تقيم في بيتك الهادئ تحت رعاية زوجتك الجميلة، وهي الوحيدة التي ترعاك، بعد ان انصرف عنك الجميع، كانت ترعاك بحب حقيقي وبصدق، لم تدخر جهدا من أجلك واجل أطفالك الثلاثة، إذا كانت لك ذاكرة إنسانية جيدة لسمعتها تقول لك كل يوم: أنا آسفة، لقد حدث كل شيء دون إرادتي، ما كنت لأصارحك واحكي لك كل شيء، وتعني بينها وبين نفسها انك لم تكن بالذكاء الكافي.
بالتأكيد ليس بإمكانك ان تستمع لحكايتها، لأنك إذا لم تكن بذاكرة خربة الآن، لسمعت ما يبكيك، وسامحتها، ببساطة لأن كل ما حصل بين زوجتك وجارك، حدث قبل سنوات كثيرة قبل ان تتزوجا، لكن عقلك المرتبك خلط الحابل بالنابل.
هذه هي القصة، ودعوني أرى أي خيرين انتم وأي، أشرار بينكم. ما رأيكم الآن؟ ويعني هذا السؤال فيما يعني الآتي: إنكم قرأتم ما تريدونه ان يحدث في القصة، وليست هي مسئوليتي إذا لم يحدث أو انه حدث بالفعل على المستوى الذهني أو مستوى النص، لكني لا أظن ان أحدكم قد بلغ من الفظاعة أشدها ونص

خالد محجوب محي الدين
10-20-2013, 10:47 PM
ل أنا سأنسحب عند هذا الحد، قد أتدخل أحيانا في مجريات السرد، قد لا أتدخل، أنني أريدكم ان تستمتعوا بهذه الرواية وانتم تطرحون من خلالها وجهات نظركم المختلفة، تتحملون مسؤوليات ما تصلون إليه من نتائج وتأويل قد يضر بالنص ضررا بالغاً، فأنا لست سوي ميسر، بينكم وبينكم أيضاً، سلوى عبد الله، أمها، عبد الباقي الخضر، إدريس، الفقيه المتشرد وغيرهم سيحكون لكم ما يربككم ويتطلب منكم وجهة نظر واضحة و فعلا مباشرا: مع السلامة.

سلوى السردية
قبل ان أبدا مشوار السرد حيث أرادني المؤلف الأول ان أكون الرَاوِية أو صوت الرَاوِية، أريد عن أعرفكم بنفسي، وافشي لكم سراً. أولاً أنا سلوى عبد الله اسكن بالأزهري في الخرطوم،عمري سبعةُ وعشرون عاماً، تخرجت في كلية البيطرة جامعة بحر الغزال، قسم الإنتاج الحيواني، اعمل الآن طبيبة بيطرية في وزارة الثروة الحيوانية. إذا شِيءَ لي ان اصف كيف أبدو، فأنني مثل كل البنيات جميلة، عاطفية ونسبة للهجين الوراثي الذي شكل ملامحي، حيث أنني من أم ترجع أصولها إلى شرق دارفور وأب من قبيلة الأزاندي، ورثت من والدي لون البَشرة الحمراء والوجه الدائري ومن أسرة أمي قصر القامة والأثداء الكبيرة، لكن لا يعني ذلك أنني قصيرة جدا، فطولي 160 سم، بالنسبة لبنت نحيفة ذات وجه وسيم- يقولون أيضا إنه ساحر- أظنه طولا مقبولا. يهمني أيضا ان تعرفون عني أنني فتاة ملول، أحب دائما ان أؤكد لنفسي أنني محبوبة وأنني مرغوب فيَّ، هذا قد يوقعني في شباكٍ لرجالٍ كُثر، لكن لا تخافون علي، أنني دائما ما أتعامل مع الرجل في حدود، فمثلا لا تتجاوز علاقتي الجسدية مع الرجل الوسيم قبلات عميقات أو رضعة ثدي وقد أمارس معه الجنس اونلاين Online sex لا أكثر، أما الرجل غير الوسيم فحسبه مواعيد لا أفي بها إطلاقاً. وأظن ان هذا يكفي. أما الشيء السر، فان الشخصية التي يُلْبُسها عنوة الكاتب على اسمي، هي شخصية غير محببة لدي وانه أقحمني فيها إقحاما، الأجدر به ان يختار اسما آخر غير اسمي، لكنه لا يستطيع، فهو يريد ألا ينساني وللأبد بان يحولني من حبيبة معشوقة إلى شخصية روائية لا علاقة لها بواقع حالي، لكنها أكثر ديمومة مني و منه، فهي ستبقى بعد موتنا البيولوجي بسنوات كثيرة، قد يكون العكس، أي أنه ينوي التخلص مني أيضا بان يسردني، يفرغ الشحنة العاطفية التي تخصني على لوحة مفاتيح حاسبه الآلي، كما يفعل الأجداد في العصر الحجري بان يتخلصوا من خوفهم من الوحش برسمه على الجدران. الشيء الأهم ان الكاتب يريد ان يكَّفِرْ عن خيانته الشخصية لي، فلقد خانني مرارا وتكرارا وأجحف بكل المشاعر الطيبة والحب الذي أكنه له، ليس هذا المكان بالموضع المناسب للتشكي، كما إنني لا أشكو، لكنني للأسف سأنتقم، هذه الكلمة لا أحبها، لكن استخدامها يجعلني أحس بالرضاء، لأن الكاتب هنا يريدني ان امثل شخصية أخري باسمي، ليست شخصيتي، بالتالي سوف اترك ما يخصني ويخصه وأتحول إلى مَسْخٍ سردي اسكن في سلوى التي يُريد. ربما تعلمت من هذه التجربة بان أصبح روائية في يوم ما واكتب قصتي الفعلية معه ومع غيرة، صدقوني سأحكي كل شيء دون مواربة، سأفضح شخصيته الحقيقية، اقصد الشخصية الداعرة الشهوانية التي تختفي وراء ذلك المثقف الذي يدعي الحشمة، وسيعرف الناس كم هو تافه وحقير. كان هذا الروائي المغمور هو الشخص الوحيد الذي تجاوزت معه القبلة والجنس الإلكتروني إلى مالا أغفره لنفسي من أفعال. حسنا، إلى ان يحين ذلك الوقت الذي امتلك فيه أدوات الكتابة، دعوني اصطحبكم في هذه الرواية كَرَاوِية أو شخصية أساسية، كما يكتبها ويتخيلها الروائي بركة ساكن، أي سأكون مثل المُسرنمة التي يطوف بها حمار النوم أينما يَشاء، سأكون طيعة وسهلة وان أسلمه قياد روحي وجسدي بصورة مطلقة ونهائية، لأمكنة من كتابة رواية جيدة، قد تكون أجمل رواية يكتبها في حياته. أعتقد أن هذا التفسير والشرح لابد منهما، حتى لا يخلط الناس ما بين سلوى في الواقع وسلوى السردية، لأنه سيجعلني احكي بضمير المتكلم وهي طريقة توحي بان الراوي هو المؤلف وهو الذي يحكي عن تجاربه الحياتية الشخصية.
أشكركم لما أبديتموه من صبر لقراءة شروحي، واشكر المؤلف الذي أتاح لي هذه الفرصة وهذه المساحة لكي اعبر فيها عما أشاء للقراء، انه وفاء منه للاتفاق المبدئي بيننا، عندما طلب مني ان يستخدم اسمي في روايته ذاكرة الخندريس، وآسفة للإطالة: سلوى عبد الله زاندي.

المَوتُ نَشْوةً
لم تعد علاقتي به ذات جدوى، أنا لا أفكر بطريقة مادية أو براغماتية، لقد أحببت بإخلاص، أظن انه كان ومازال مخلصا في حبة لي، لكني الآن على مشارف الثلاثين من عمري، أريد أن أتزوج. في الحقيقة بصورة أدق أريد أن يكون لي طفل، أظن إن ذلك هدف نبيل وإنساني في مجتمع يدعي المحافظة والتمسح بقيم فوق ما نستطيع. مجتمع يقدس المظهر ولا يهمه جوهر الأشياء في شيء، في هذا السياق الذي هو واقع الحال لا يمكنني أن أنجب طفلا بغير أب. لآن تلك جريمة في حق الطفل وحق الأب وحقي، فالتربية الجيدة للطفل تبدأ من قبل ميلاده، ويجب أن يلاحظ أيضا أنني لا أريد أي أب كما اتفق، أريد أن أنجب طفلا من رجل أحبه، عندما أقول رجلا أحبه لا اعني غيره هو بالذات.
الأمر ليس بهذه البساطة. فكرت كثيرا فيما إذا كنت أحبه من أجل الطفل. اقصد من أجل تصوري الخاص للطفل الذي هو إنسان الغد. يعجبني أسلوبه في الحياة، علي الرغم من أن هذه الجملة عامة، قد لا تعني شيئا بالذات إلا أنها تعني الكثير بالنسبة لي، أو أنني أتوهم أنها كذلك. علمني حب الأطفال، كان يقول لي دائما إن الرجل مثل ذكر النحل لا فائدة منه ترجي إذا لم يستطع أن يضع أطفالا أقوياء في رحم سيدة، وإذا فعل ذلك فلا فائدة منه بعدها. عليه الرحيل. والمرأة الذكية هي التي لا تحتفظ بالرجل، لأنه سوف يسعى علي نيل مكانة في الأسرة لا يستحقها في الغالب. يريد أن يصبح سيدا، ملكا وربا. كان الأحق بهذه المكانة الأطفال. هذه الفكرة رغم بدائيتها، في عمقها تحمل كثيرا من الدجل والاحتيال العاطفي، يهدف من ورائها بوضوح- هذا الوضوح أحبه فيه أكثر- أن يهبني طفلا دون أية روابط شرعية، أي بغير ذلك الطقس الاجتماعي البغيض لدينا الاثنان، الذي لا مستقبل لأطفال في هذا المكان دونه. علمني حب الأطفال. علمني كيف أحب الأطفال، كل الأطفال في ذات اللحظة التي حرمني منهم فيها. كنا نراهم يوميا، يعومون في دفيء سائلنا الأبيض الحميم، لهم طعم لاذع، كنا نراهم في المنازل، في الطرقات، المدارس، الأندية، ومن ثم ارتبط عملي بهم، فانا اعمل في دار رعاية للمتشردين من الأطفال أو باسم ألطف "الأطفال فاقدي الرعاية الأسرية". هي دار لمنظمة مجتمع مدني تطوعية. نقوم بتوفير الحد الأدنى لهم من متطلبات الحياة: إفطار بالفول المصري أو العدس، ماء للاستحمام،النظافة الشخصية وغسيل الملابس المتهرئة القديمة الممزقة، التي لا تتحمل الغسيل في الغالب، فتتمزق أكثر. نقدم لهم أيضا خدمات طبية عند الطلب. لكننا في الحقيقة لا نقدم لهم شيئا مهما، فقط نبقي علي الوضع كما هو. "العمل الفردي أو في جزر بدون تخطيط اجتماعي حكومي للمدى الطويل والقصير لا فائدة ترجي منه، ويظل كل ما نقدمه مجرد إبقاء علي الوضع كما هو بل تعقيده أكثر" وذلك لشح الإمكانيات وقلة المحسنين الذين يقتنعون بان رعاية المتشردين بها اجر أو ثواب في الحياة الأخرى أو تشبع حاجاتهم الآنية من المساهمة في دعم الخير الإنساني والمشاركة في استمرارية الحياة بألم أقل. مقابل الفكرة الأخرى التي تري في المتشردين الشر في اكتماله وكامل شيطانيته. بل يحس البعض بان المتشرد مخلوق ادني بكثير ليس اجتماعيا فحسب بل إنسانيا أيضا. كنا نحبهم ونحب بعضنا، كنت أحبه بغير شروط، نعم أخذت الشروط تنمو قليلا قليلا مثل الطحلب فوق سطح حجر علي ضفة النهر. عندما تحب المرأة فإنها تفكر بطريقة لا تشبه التي ورطتها في الحب، فإنها تفكر في الأطفال، البيت والزوج. وهذا طبيعي، لكنه قد يعيق فكرة الحب التي تنهض علي سلطة الجسد: رغائبه واختياره داخل دوامة الانتخاب الطبيعي.
كنت اقتنع بكثير من آرائه. القليل منها يستهويني، الآخر أتحمله بفريضة المحبة، وهو يفعل كذلك تجاه أفكاري الشاذة أيضا، وترددي المتكرر لكل منا ما يخصه من جنون و خير، لكن يبقي الحب القاسم المشترك وهو ما يبقينا علي صلة. وهذا التحليل مضللٌ أيضا، لأننا لسنا دائما علي ما يرام ولسنا دائما في حالات حب، قد يقع خصام بيننا يدوم لأيام طويلة، قد اكرهه، وتمر بي أيام قد أقع في حب شخص آخر وحدث ذلك مرتين خلال فترة علاقتي به وهي الآن في عامها الرابع. إذا ليس الحب هو الذي يبقينا معا: إنهم الأطفال. هذا ما توصلت إليه أخيرا، الأطفال الذين تستحيل عملية إنجابهم وتتعقد كلما مضي يوم من حياتي بدون أن يكون ذلك الشيء قد تخلق في رحمي.
كنا نمر سريعا أمام مستشفي أم درمان التعليمي. في اتجاه قبة الإمام المهدي. الجو كما هو في مايو حارا جدا. كنا مرحين وقريبين من بعضنا البعض على الرغم من الحَزَنِ الذي يغمر قلبينا، لولا خوفنا من الشرطيين وخشيتنا من ان يرانا احد أفراد النظام العام المتنكرين في هيئة مدنيين، لتلامسنا بأيدينا بل لأمسكنا بكفي بعض ونحن نسير في هذا الطريق الفسيح. كانت دائما ما تغمرنا تلك النشوةُ الإنسانيةُ الجميلة كلما اختلينا لبعضنا في مكان آمن. نستطيع فيه أن نتعرى، نقبل بعضنا ونصلي صلاة الجسد. لقد فعلنا ذلك قبل ساعتين في بيت الخليفة عبد الله التعايشي تحت رعاية وحماية بعض الرسميين. هو أكثر الأمكنة أمانا لدينا نرتاده عندما نشتاق لبعضنا البعض، حتى ولو كنا متشاجرين لأن الجسد لا علاقة له بالخصومة، إذا وقعت فانه يصلحها. اكتشفنا ذلك المكان بالصدفة البحتة، اقصد الغرفة السرية التي تقع تحت غرفة الخليفة مباشرة. بوابتها تفتح في الحمام المهجور، لا ندري في ماذا كان يستخدمها الخليفة، هل كان يخاف ان يتآمر عليه البعض وهو نائما، لذا كان ينتقل لهذه الغرفة الآمنة ليلا لينام بدون كوابيس؟ أم أنها كانت سجنا سريا أو بيت أشباح يستضيف فيه الخليفة وأخوه يعقوب جراب الرأي بعض المارقين الكفرة من جدودنا المشاكسين؟. لقد زعمنا حين اكتشافها أن إدارة السياحة نفسها قد لا تعلم عنها شيئاً. قمنا بمرور الأيام بفرشها بمفارش من الخيش و ملاءات كنا نهربها إلى هنالك كلما سنحت لنا فرصة لحملها في حقيبة اليد، قد شَرَدْنَا القطط المسكينة التي كانت تظن نفسها سيدة المكان الوحيدة، آخذة ذلك الحق من كونها أول من اكتشفه أي بوضع اليد. كنا نسمي الغرفة بيت جدنا التعايشي، وهو مؤسس الدولة السودانية الحديثة، بالتالي الأب الشرعي لعلاقتنا المربكة والراعي التاريخي لها، حيينا الحرس. كانوا يعرفوننا لكثرة ترددنا إلي البيت مدعين بأننا نقوم بدراسة أكاديمية عن بيت الخليفة، لكننا لم ندخل مرة أخري بل عبرناه إلي الحديقة الصغيرة التي تقع في مثلث تحيط بها طرقات الإسفلت. كانت الحديقة مزدهرة في يوم ما، لكنها أصبحت الآن بفعل الإهمال ما يشبه المزبلة، ولو أن الغرف التي استخدمت في الماضي كبوفيه مازالت قائمة.
كانت دكتورة مريم في انتظارنا ترتجف قلقا، تسيل الدموع من عينيها الطيبتين الواسعتين. أعطاها عبد الباقي القارورة البلاستيكية. فتحتها بيد مرتعشة. مضينا خلفها إلي الحجرة الخلفية حيث تخفي الأطفال. كانوا يموتون ببطيء شديد. يتلوون من آلام مبرحة في بطونهم، قد تقيئوا كل شيء، يشتكون من صداع يجعلهم يصرخون في الم آلمنا نحن أيضا. سقتهم بترتيب بدأ لنا عشوائيا، لكنها بكلمات متقطعة قالت إنها تفعل ذلك وفقا للمرحلة المرضية التي فيها كل طفل، والغريب في الأمر كان الأطفال يتحسنون بصورة سريعة أو هكذا بدأ لنا. وبعد نصف الساعة تكلم اثنان وبقي اثنان في حالة احتضار. بعد ساعة مات واحد و تحدث الآخر. كنا قد قمنا بتهريبهم من احدي الشوارع الطرفية حيث كانوا يقيمون بصورة دائمة في مصرف للمياه. وهو مكان مكشوف بالنسبة للفرقة حيث أنهم يستطيعون الوصول إليهم بسهولة ويسر وما يعتبره الأطفال مِخبأ يراه الجماعة قلب المصيدة. أصيب الثلاثة بالعشي. وتوقعت دكتورة مريم إنهم سوف لا ينجون من العمى إذا نجوا من الموت. لآن مادة الميثانول التي أسرفوا في شربها خلال العشر ساعات الماضية. تقوم بتدمير شبكية العين. طبعا هذا بالإضافة إلي تدمير كثير من الأنسجة الحساسة بالأحشاء مثل الكبد و البنكرياس وغيرهما. سقيناهم كل العرق الذي استطعنا أن نحصل عليه بما لدينا من نقود قليلة. بعض بائعات العرق الكريمات عندما عرفن أننا نحتاجه لإنقاذ أطفال مهددين بالموت أعطيننا من لدنهم وسعهن. ودعين من قلوبهن الجميلة النقية السوداء لهم بالشفاء ولنا التوفيق.
أنا، عبد الباقي ودكتورة مريم، نمثل فريقا واحدا من بضعة فُرقٍ أخرى تقوم بذات المَهَمَّةِ في الخرطوم، بحري وأم درمان. الهدف الرئيسي هو الوصول للأطفال المصابين قبل أن تصلهم الفرقة، وليس الوصول إليهم فحسب بل إخفاؤهم لأنهم في حالة خطر دائمة وسيصبح مصيرنا مثل مصير أصدقائنا في فريق آخر تم القبض عليهم وجُلدوا بحد حامل الخمر وغرموا ولعنوا ثم أبقوا تحت الإقامة الجبرية بمنازلهم، وأصبح العمل أكثر تعقيداً خاصة بعد أن أفتي مُسلمٌ طيبٌ حريصٌ علي الدين إن العلاج بالعرق والأثينول حرام قطعا وان الأفضل لهؤلاء الصبية الموت لأنهم إذا ماتوا سيموتون شهداء ويدخلون الجنة مع الشهداء والصديقين وحسنُ أولئك رفيقا. خيرٌ لهم من أن يحيون ويعيشون مجرمين ثم يموتون بسوء الخاتمة: اللهم احفظنا واحفظ المسليين، آمين يا رب العالمين. كنا نشعر بأن واجبنا الإنساني يحتم علينا إنقاذ ما يمكن إنقاذه بأي أسلوب كان. و نشك بعمق في ان الفقيه المفتي طيب الذكر بقادر علي ضمانة دخوله هو نفسه وبعض عشيرته الأقربين إلى الجنة، دعك من ترشيح الآخرين لها. أو كما أفتى لنا احد الأصدقاء وهو يرمي في وجهنا أرقاماً مجنونةً عن أن السودان هو من اكبر المصادر للميثانول و الأثينول وهما من فصيلة الكحول.الذين يستخدمهما الغرب بعد تنقيتهما لصنع ألذ أنواع الخمور المحرمة هنا في السودان ولا تفوقه في ذلك غير دولة البرازيل حيث أنها تمتلك اكبر مخازن الميثانول في العالم. وإذا كان هذا المفتي تقيا بما يكفي و لا يخشى لعنة راس المال الإسلامي بالسودان. التي سوف تصيبه في مقتل. لتطرق ولو بحرف واحد لتقطير الكحول في مصنع السكر العملاق. وكأنما سمعه مفتى أكثر ذكاء، وأكثر منه مالا، حيث انه قال بالحرف الواحد: لا حرمة في إنتاج و بيع الميثانول و الأثينول فالبلح والعنب حلالان طيبان وهما مصدران للنبيذ الخبيث وهو محرم. فالعبرة في الاستخدام وليس في إنتاج المادة ذاتها، وإلا حرمنا البطاطس والسكر والذرة بجميع أنواعها، بل كثيرا ما أحل الله لنا من نعم الدنيا والعياذ بالله من غضب الله: أتحرمون ما أحل الله؟؟
إلى اليوم 20-7-2011 تم التأكد من موت ستة وسبعين متشردا وفقا للصحافة، وذلك في غضون أربعة وعشرين ساعة منذ أن اُكْتِشِفتْ أول حالة، واتضح من خلال المؤتمر الصحفي الذي أقامته جريدة السودان في نفس اليوم. أن وزير الرعاية الإنسانية قد فوجئ هو نفسه بالأمر وبدأ عليه الحَزَنُ العميق، ووصف الأمر بالمأساة. ربما كان مشغولا بالإعداد لزيارته الأخيرة للبرازيل. أما مسئول الشرطة فقد نفي نفيا قاطعاً بان هنالك جهة حكومية وراء اغتيال المتشردين. إنه يحتفظ الآن بعشرة من المدنيين المشتبه في تورطهم في القضية، لكنه يؤكد أيضا أن الأمر غير منظم وغير مقصود. اندهشنا جميعاً لآرائه القاطعة قبل انتهاء التحقيق. همست دكتورة مريم في أذني قائلة:
- إذا أردنا معرفة الرقم السليم للمقتولين علينا دائماً أن نضرب رقم الصحافة في تلاتة على الأقل.
قلت لها وبقلبي حسرة
- هذا متفق عليه، للأسف.
كان الصحفيون حذرين كعادتهم تحت قانون الصحافة والمطبوعات الحازم الذي روعيت في صياغته مصلحة البلاد العليا. إلا أن احدهم سأل سؤالاً لم يجبه عليه أحد، وتجاهلته حتى جريدته ذاتها. قيل إنه لم تقم له قائمة بعد ذلك، أقصد استغنت الصحيفة عن خدماته الجليلة بخطاب شكر ضاف مهذب، مرتب ثلاثة شهور، وأمنية حارة له بالتوفيق في جريدة أخرى. المشكلة كلها أنَّ سؤاله الضال. غير المسئول. الذي لم يرع فيه حُرمة المصالح الوطنية والدور الرسالي للأمم السودانية. حرمها من إعلانات بمبلغ يعادل مليون مرة مرتب الصحفي وأبيه وأمه إذا كانت حية وتعمل، وأبناء عمومته إلى يوم الدين، لأنَّ الشركة المعلنة الخَيَّرة تقصد من وراء الإعلان دعم خط الصحيفة الملتزم الوطني ورفع المقدرات المالية لمالكها الهمام، قد بدا لَنَا واضحاً الآن أنَّ: جريدتكم تستخدم براغيث وجرذان، ليس صحفيين محترمين.
أكد الأطباء أن أسرع علاج للتسمم الميثانولي الحاد هو شرب جرعات خيرات من أخيه الأثينول وهو كما يعرفه العرب بالعرق، الذين هم أول الشعوب التي قامت بتقطيره في العالم. كلاهما سم قاتل، لكنهما يتعادلان. تشرح لنا دكتورة مريم ذلك علمياً كما يلي: التركيبة الكيميائية للميثانول...
كان الأطفال يرجوننا أن لا نتركهم يموتون، هم أيضا يريدون استعادة نظرهم. يرغبون في أن يرون العالم مثلما كانوا يرونه من قبل: ملوناً جميلاً ويجري أمامهم مثل القطط الضالة، نحن لا نملك الشيئين. كان يقول لهم بُقْا عليهم بالصبر والإصرار علي الحياة. في الحقيقة كانوا أكثر إصرارا علي الحياة من أي مخلوق رايته في حياتي. أبي كان رجلاً ميسور الحال فهو ليس ثرياً لكنه لم يكن ينقصه شيء. بالتأكيد لا مجال لمقارنة حياته مع حياة هؤلاء البائسين. علي الرغم من ذلك لم يكن شديد التمسك بالحياة كان سعيدا جدا لم يصب بأية أمراض مؤلمة لم يخنه احد لم يدخل السجن. لم يقض ليلةً واحدة باكيا شاكيا. وكان يمتلك زوجة رائعة وفية: التي هي أمي الجميلة. يحب الحياة يعيشها بمتعة خاصة وله الحق في ذلك فلقد أعطته الحياة كل شيء. مات وهو في ريعان شبابه وما ذلك في رأي إلا لأنه لم يكن متمسكا بالحياة تمسك هؤلاء المحرومين. الذين لم يعشوا يوما واحدا طيبا بأية مقاييس كونية، لكن الحياة في تقديرهم ثروة لا يمكن التفريط فيها. قالت لي أمي ذات يوم وكنت قد حدثتها عن طفلين مشردين مصابين بالسل ماتا ذات صباح: الموت خير لهم هؤلاء المساكين.
ولو أن الوقت غير ملائم للتحقيق إلا أننا كنا نريد أن نعرف من أين لهم بهذا المشروب القاتل. كيف تحصلوا عليه وهو غير مشاع، غير رخيص ولا يباع في البقالات أو عند الطبليات أو الباعة المتجولين. كانت لهم إجابات مختلفة، لكن أغربها هي إجابة آدم سانتو- توفي فيما بعد- الذي قال إنه تحصل علية من المصري، كأن هذا المصري علماً علي رأسه نار. لكن البقية تحصلوا عليه من زملائهم الذين تحصلوا عليه من زملاء آخرين هكذا بلا نهاية ولا بداية. يفضل الأطفال المشردون عادة السلسون وهو مادة تستخدم للصق يدخل الميثانول في تصنيعها. رخيصة ويستنشق عبقها المثير. أنبوب واحد صغير يكفي لسكر عشرة متشردا وينيمهم مجنبا إياهم مشقة البحث عن طعام. يهبهم في الحلم الحياة، الراحة والجمال الذي ينشدونه. قد يستخدمون ما يقع في أيديهم من مسكرات أو مخدرات، خاصة الأشهر البنقو، المشكلة الوحيدة التي تمنعهم من تعاطي كل شيء هي المال. إنهم فقراء. عاطلون عن العمل حتى التسول فإنهم لا يتسولون، لا يسرقون، لا يرقصون ويغنون ويضحكون ويبكون في الطرقات مثل مشردي البرازيل، لكي يحصلون على ثمن وجبة تافهة وجرعة كراك. لكنهم يرقدون هناك تحت ظل حائط أو نيمة أو وكر أو في بناية مهجورة. يأكلون البقايا باستمتاع قذر. المزبلة هي أعظم سيوبر ماركت طبيعي وهبه الله للمتشردين. يتسلون بممارسة الجنس فيما بينهم. قد تكفي سيدة مجنونة واحدة نزوة شلة من المتشردين. أما المتشردة الجميلة-وهي كذلك دائما- فلا يمكن مسها بغير مقابل. ويصعب اغتصابها لشراستها. الأكثر عرضة للاغتصاب هم المتشردين الجدد نساء كانوا أم رجالا. طفلات أم أطفال. وذلك قبل انتمائهم لشلة تقوم بحمايتهم وقائد يرعاهم. في الغالب يصبح المُغْتَصِبُ الأقوى هو من يقوم بالحماية لاحقاً حيث يصبح المُغْتَصَبْ واحدا من ممتلكاته الخاصة وفردا من شلته: وفيٌ ذليلٌ طائعْ و لقوية ممتعة.
إذا توفر لدي المتشرد بعض ما يسكر، قليل مما يطعم، وشيء من الجنس من نوعه أو النوع الآخر لا يهم، فهو الأكثر سعادة والأكثر غني من رئيس دولة في العالم الثالث.
يتسلل الشيء إلي المعدة. يسمونه فيما بينهم الإسبرت وهو من مشتقات كلمة انجليزية تعني الروحsprit وربما كانت اختصاراً ذكياً لجملة المشروب الروحي. في اللحظات الأولى من احتسائه، يهب الشخص لذة مجنونة لا تقاوم، وعندما تبدأ عملية الأيض أو التمثيل الغذائي، تحمل الأعصاب وشايا سريعة إلي الكبد مخبرة إياه بان سما زعافا يتغلغل في أحشاء ذلك المتشرد الذي نُعني بحمايته، وعلينا مسؤولية حياته، فيفرز الكبد الوفي إنزيم نازع الكحول. وهو متوفر ومحفوظ بصورة جيدة لمثل هذه اللحظات الصعبة والحروبات غير المتوقعة، لأن الكبد يعرف نزق وشيطنة سيده الإنسان، متشردا فقيرا كان، أم سياسياً غنياً. فيتحول الميثانول الذكي إلي مادة الفورمالدهيد شديدة السُمية ثم خلال ثلاث دقائق أخري يتحول إلي حمض النمليك، بهذه المراوغة الشيطانية. يفقد الكبد إمكانية السيطرة عليه، لكنه يظل يفرز الأنزيم نازع الكحول، وتتراكم النواتج الاستقلالية السامة للميثانول بصورة متواصلة بدون أدنى مقاومة من الجسد، بعد ان حيدت سلطة الكبد، من ثم تظهر أعراض التسمم. ولآن المتشرد هو مخلوق جائع، يحتسي هذا المشروب من اجل أن ينسي آلم الجوع،العوز،خيانة الأصحاب، مرارة الاغتصاب، ظلم الشرطي، إهانات المارة، قلق الحنين إلي الأسرة، الوساخة الشخصية، القمل، برغوث الثياب، والأمراض الكثيرة التي تنهش جسده، فان الميثانول يجد بيئة جيدة ليُمتص سريعا عبر المعدة الخاوية الشرهة التي تنتظر ما يشغلها ويخفف عنها الم إفرازاتها المُرة النشطة. لا يحس الشخص بأعراض التسمم إلا بعد مضي ست ساعات إلى ثلاثة أيام، هذا إذا شرب الشخص النحيل ذي الوزن الهزيل جرعة زائدة من الميثانول، هي في الغالب لا تتوفر لديه، فما يتوفر لديه بعض ملي غرامات من الأثينول، يضيف إليها خمس أضعافها من الماء القراح، لذا لا تظهر علامات التسمم فيه إلا بعد شهور أو سنوات. أي بعد أن يقوم الأثينول بتدمير خلايا الكبد والبنكرياس. ذلك تماماً كما يفعل العرق "الميثانول+ الأثينول" للمدمنين عبر سنوات طويلة من اللذة، النشوة وأحلام اليقظة علي أنغام موت بطيء وبارد، تفسير هذا الموت السريع للضحايا هو أنهم قد تناولوا كميات كبيرة من الميثانول، ليس ذلك القدر الضئيل الذي اعتادوا على تناوله من صنوه الأثينول، فالتشخيص الطبي الباتع لحالاتهم يُطلق عليه الأطباء : التسمم الكحولي الحاد.
ما يقلقنا الآن أكثر، كيفية التعامل مع الجثة التي ترقد أمامنا مغطاة بأسمال باليات تفوح من فمها رائحة الموت مختلطة بقيء الأطفال علي أنغام شخير بعض من نام منهم. كنا نعي جيدا خطورة أن تُضبط الجثةُ في حوزتنا. يحزننا أيضا تركها في هذه الغرفة المهجورة مع الأطفال المرضي الذين لم يحدد مصيرهم بعد. الذين سيصبح مستقبلهم "علي كف عفريت" إذا وجدتهم الفرقة، فسيحقنون في الحال- حسب ظننا وبعض الظن إثم - بمادة الفورماليين الرخيصة القاتلة و يودعون الحياة التي يحبونها جدا رغم قسوتها إلي الجنة البغيضة التي أعدها لهم ذلك المفتي الفصيح، نحن لا نستطيع أن نفعل شيئا أكثر مما فعلنا،. أن سقيناهم العرق وأطعمناهم اللبن الطازج ووهبنا إليهم جرعات كبيرة من زيت الخردل لتقوية معداتهم الملتهبة. كان الأمر كابوسا حقيقا. لكنا اُجبرنا على المغادرة السريعة وتركهم كما هم عندما اتصلت بنا حكمة الجميل صديقتي وأخبرتنا أن الفرقة في طريقها إلينا. شاهدهم البعض قريبا جدا من مسرح البقعة يتعثرون في زحمة المرور، يطلقون صفير إنذار ونجدة، يردد العسكر المتحمسون صرخات الحرب وهم محشورون في عربة لنقل البضائع "دفار جامبو" عملاقة. أضافت:
- لقد قاموا باعتقالات واسعة لناشطين، في أم درمان و الخرطوم، ولا ندري من هم و كم عددهم حتى الآن.
تقع الحديقة، قريبا جدا من مسرح البقعة، جنوب بيت الخليفة التعايشي، شرق سجن الخليفة، في الطريق إلي مستشفى الدايات، تحتل الحديقة المهجورة هذا المثلث الصغير. كان علينا ان نهرب في اتجاه بيت الخليفة، هذا هو الحل الوحيد، اقترحت دكتورة مريم ان نقوم بزيارة البيت، سوف لا يشك فينا أحد. تبادلتُ النظرات مع عبد الباقي، ابتسمنا لبعضنا، ونحن نسرع الخطى نحو البوابة القديمة الأثرية، التي تحرسها جماعة من الرسميين. قمنا بزيارتنا الثانية للبيت في نفس اليوم. اندهشت دكتورة مريم عندما شاهدت الحفاوة التي استقبلنا بها الرسميون. في الحقيقة كانت هذه الحفاوة الدافئة، نتاج علاقة قديمة مستمرة سوف لا تخطر ببال صديقتنا الدكتورة، خاطبونا بالأساتذة ولم يأخذوا منا رسوم الزيارة المعتادة. كانوا يحسون من أعماقهم بأنهم يجب ان يقدموا لنا المساعدة المرجوة لرب ما تكرمنا بذكر أسمائهم في البحث الذي نقوم بإعداده أنا وعبد الباقي عن بيت الخليفة، ذلك المشروع الوهمي الذي سوف لن يُنجز أبداً.
جلسنا عند الفسحة أمام العربات التاريخية المهلهلة المهملة المغطاة بطبقة من الغبار سميكة. كان الظل باردا، تيار الهواء يمر شمالا جنوبا بحرية. كنا نحتاج لقدر كبير جدا من الهواء البارد لإنعاشنا وإعادة الحياة إلينا، قلوبنا وآذاننا تقفز خلف الجدران لتعانق موجودات الحديقة في الخارج، تحوم حول الأطفال المشردين. كان هتافهم قاسياً وعنيفا، مختلطا بصفارات الإنذار المرعبة، عندما اخذ الزوار يخرجون من بيت الخليفة مهرولين يتقصون ما يحدث في الخارج، خرجنا معهم. دارت العربة العملاقة دورتين قبيحتين حول الحديقة الصامتة، كانت مليئة بالجنود الشباب المتحمسين لفعل كل ما يؤمرون به. ليس بإمكانهم ان يلاحظوا شيئا بهذه الطريقة الاستعراضية الفجة في البحث. لأن الأطفال كانوا يرقدون في داخل الغرفة. ليس في حوش الحديقة، توقعنا ان يتوقفوا ويهبطوا ويدخلوا. لكنهم عندما أكملوا دورتهم الرابعة، اتخذت العربة الشارع الجانبي الشرقي الذي يقود إلى الإذاعة، تلاشى صراخهم الرهيب خلفهم تدريجيا، إلى ان اختفي نهائيا عندما انعطفت الشاحنة بهم يمين الإذاعة القومية متخذة طريق الطابية إلى مستشفى القوات المسلحة بأم درمان، أو إلى أي جحيم آخر لا ندريه.
لم نعد إلي الأطفال والمشردين بالحديقة، على الأقل الآن، كان هذا رأي الجميع، كما أننا لم نرجع إلى بيت الخليفة عبد الله التعايشي، مرة أخرى.
تشير الساعة إلى الثانية بعد الظهر، دكتورة مريم ستعود للعمل بمستشفى الحوادث بالخرطوم عند الثالثة والنصف، قد تحتاج إلى ساعة كاملة تقضيها في المواصلات العامة بين أم درمان والسوق العربي، لأن الوقت هو زمن ذروة التزاحم المروري، فالطرقات ضيقة وهي مصممة في عصر الاستعمار لبضعة عشرات من السيارات الصغيرة يستغلها السادة السياسيون والإنجليز، الآن على ذات الطرق ان تتحمل ما لا يقل ان مليوني سيارة في اليوم. فكان الخيار الأرجح ان نذهب معها أنا وبُقا إلى الخرطوم، من هنالك يذهب هو للسلمة وأنا لبحري، وسوف ننسق الخطوة القادمة عن طريق التلفونات أو الرسائل النصية القصيرة. تعرفت على دكتورة مريم منذ سنوات كثيرة مضت، أي منذ ان تخرجتُ في جامعة الأحفاد قبل خمس سنوات، كنت أقوم بقضاء فترة تدريبية بمنظمة رعاية الطفولة السويدية، التقيت بها هنالك، تعمل حينها منسقا لمشروع حماية الطفل بالمنظمة احتضنتني، وشملتني برعايتها منذ اليوم الأول الذي تقابلنا فيه، هي التي جعلتني الم بالجوانب النظرية والعلمية في مجال حقوق الأطفال، ولم يكن فارق العمر بيننا كبيرا، كنت أصغر منها بثلاث سنوات، وهي تكبرني بخبرات عملية وإنسانية تفوق الخمسين عاماً، ومثل كل سودانيين يتقابلان في أي زمان أو أي مكان يجدان شخصا مشتركا بينهما هذا إذا لم يكتشفا إنهما أقارب، فبيني وبينها شخص عابر في حياتي، لكنه خلف في أثر كبير ونهائي، وهو أحد أقربائها بل ابن خالتها حسن إدريس. المرأة لا يمكنها ان تنسي الشخص الأول في حياتها، حتى إذا كان وقحا وناكرا للجميل مثل هذا الإدريس. أنا لا أحب ان أخوض في هذه الحكاية التي يؤلمني ذكراها الآن، هو لم يخدعني لكنني كنت أتوقع منه موقفا أكثر مروءة وإنسانية، أي ما تتوقعه كل فتاة من رجل تورطت معه في علاقة حميمة أدت إلى ان تجعلها حُبلى بِطفل. أتمني ألا أعود لهذه الحكاية مرة أخرى.
العاشقان
والدتي لم تكن كبيرة السن أو هكذا تعتقد هي، أنجبتني عندما كانت في الثامنة عشر من عمرها، ما زالت امرأة نحيفة قصيرة بعض الشيء، ظلت دائما محتفظة بنضارة الشباب. في هيأتها ذاتها عندما تخرجت من كلية الآداب قبل عشرين سنةً. لا يحق لأحد أن يقدر عمرها بأكثر من أربعين عاما. أمي تعتبر نفسها أجمل مني. قد تبدو اصغر مني عمرا، إلا أنها تصر علي إنها أجمل منى، أرى أنها تخلط فيما بين ما هي عليه قبل عقد من الزمان و الآن. عندما كانت أجمل بنت في الحي. وأحلى و اصغر أم في الجامعة. فالواقع أمي تؤكد على انه إذا كانت هنالك مسابقة جمال في تلك الأزمنة لنالت جائزة أجمل بنت في السودان دون منازع. لا مصلحة لي في ألا اصدق ذلك، لكن المشكلة تكمن في ما بعد النقاش اليومي عن العمر والجمال لأنه ينتهي بشجار. لأن أمي تريدني أن أتزوج بأية طريقة كانت بل بأول من تقدم إليَّ، قد تقدم إليَّ كثيرون. بل لماذا انتظر إلي أن يتقدم إليَّ أحدهم. فالبنت الذكية هي التي تختار زوجها و تدفعه بحنكة إلي أن يطلب يدها، قد ترفضه إذا لم يعدها بثروته كلها. وأنت الآن تدخلين في "سن الياس"، تضيعين وقتك في حب شخص لا يمكن أن يتزوجك، لا اعرف مثقفا تزوج من قبل إنهم لا يتزوجون قبل أن يشعرون بان الموت يطرق أبوابهم أو أنهم على قارعة الإفلاس.
- قولي لي كم من النساء تزوجوا شعراء. أريد عشرة منهم؟
- لكنه يا أمي ما شاعر.
كعادتها تهمل إجاباتي عندما تسيطر فكرة ما على رأسها، خاصة بعد أن أخذت تنتابها حالات الإحباط النفسي بين وقت لآخر
- أنا اعرف عشرات النسوان الما تزوجوا شعراء وكانوا بحبوهم مثل عيونهم، ياما كتبوا فيهم شعر وأغاني..
أقول لها يا أمي هذا جدل بيزنطي. لا يوصل لنتيجة. انه ليس بشاعر، وكأنها لم تسمعني : تعدد لي أصحابي الشعراء الذين لم يتزوجوا حتى الآن:
عثمان بشرى.
عاصم الحزين.
الياس فتح الرحمن.
كمال الجزولي.
عاصم الرمادي.
عبد الله شابوا.
عالم عباس....
- يا أمي، يا أمي ديل فيهم ناس متزوجين وعندهم أولاد و بنات متزوجات.
لكنها تواصل في إصرار مجنون. وكأنها تقرأ كتابا منشورا أمامها:
بشرى الفاضل.
احمد النشادر.
مأمون التلب.
علي نصر الله.
محمد الصادق الحاج.
نصار الحاج.
عصام عيسى رجب.
- يا أمي يا أمي.
أضافت وهي تنحرف قليلا عن الموضوع الأساسي، محملقة بعينيها في الأفق البعيد.
- كويس، أو أتزوجوا نسوان تانيات.........
هل تذكرين ذلك الشاعر الذي كتب قصيدة جميلة عن حبيبته إيما، أظنه قال فيها إنها تشبه غيمة وتشبه نجمة: وحاجات تانية ما بتذكرها، لقد تزوج من فتاة أجمل منها اسمها انتصار، وذلك الذي كتب عن فتاة ذوبته عشقا وهي ماريا، تلك القصيدة الطويلة التي درسناها في الجامعة بعنوان ماريا وامبوي، سقطتُ فيها مرتين، قد تزوج امرأة اسمها ليلي علم الدين. وقالت إنَّ أراجون الذي ظل حياته كلها يكتب لعيون حبيبته إلزا أجمل الأشعار. العيون التي ظنَّ أنها الأجمل منذ ان خلق الله حواء أم البشر،اقترن في أواخر عمره بفنانة غجرية متشردة لا تكاد عيناها تريانه جيدا.
لم يبق لها سوى أن تضيف للقائمة رامبو، مالا راميه، بود لير و أمل دنقل. ذات مرة اعترفت لي بأن صديقة لها- أظنها تقصد نفسها- كانت تعشق شاعرا. لكنه يخونها مع صديقتها المقربة جدا بل الوحيدة، عندما اكتشفت أمرهما برر لها ذلك بقوله إن للجسد سلطان ونحن لسنا سوي شغيلة عنده. قالت إنها لم تفهم شيئا لكنها لم تعد تحبه منذ تلك اللحظة. بل كرهت المثقفين جميعا، على رأسهم الشعراء. لأن الشعراء يتفلسفون في الخيانة. ويقولون كلاماً غير مفهوم: كيف يكتب شخصا سويا نصا بعنوان "في مديح الخائنات"، وهو يعني بالخائنات، الخائنات، نعم الخائنات ذاتهن، ليس مجازا أو رمزا؟!
أحبت أمي وكرهت بعد وفاة أبي بسنوات لكني اعرف أنها الآن تحب روائي في عمرها. لا خير منه يُرجى - سوء الظن في الروائيين من حسن الفطن- وأظن انه يستغلها جسديا ومادياً، فانا لا اعرف شيئاً عنه وعن علاقتهما، وخطأ تخميناتي على أمي ان تتحمله، لأنها لم تفصح لي عن شيء. لم تتكرم علي بمعلومة مفيدة. غالبا ما تِدَعِي:
- هو صديقي ما أكثر.
أمي ليست صريحة معي، لكنها دائما تريدني أن أكون صريحة معها:
- حتى لا يَخدعكِ الرجال. فكل الرجال مُسيلمة يا بنتي، كذاب. بدون فرز وبدرجات متفاوتة، بعضهم إبليس بعينه:
- "أوعك تدي واحد قلبك كله".
اعشقيهم بلسانك لا أكثر. اقصد بطرف لسانك، لا تفرطين في قلبك أو جسدك، الرجل مثل الطفل، إذا شبع نسي أن له بطناً وإذا جاع تشهى كل الأشياء، حتى إذا كانت حجارة.
أمي أجمل مني. أنا لا اعترف بذلك. كنت أطول منها قامة لكني بدينة بعض الشيء. بل قل الشيء كله. ورثت بنيتي الجسمانية من أبي. لكني جميلة أيضا. فكثير من الرجال يحبون الأرداف المدورة، وهو الشيء الذي عليه أردافي الآن، اسمع كثيرا من تعليقات المارة بالشوارع والمواصلات العامة، تضايقني في أحيان كثيرة، اقض عنها الطرف في بعض الأحيان، اطرب لها وخاصة إذا كان مزاجي عكرا و كنت في حاجة إلى دُعابة ما، مهما كانت سخيفة، طولي 175 سنتمترا، فكرة الجمال عندي تتمثل في تصور الآخر لك من جانب، وتصورك لنفسك من الجانب الآخر. أنا أيضا لا كرش لي، مثل أمي،أمارس الرياضة بصورة متواصلة وخاصة تمارين البطن، لا آكل الشحوم أو السمن، امشي كثيراً برجلي ولا اتركه يَرِقَ فيَّ. لي بشرة سوداء ناصعة ورثتها عن جدود شتى، فور ونوبة برابرة وعرب. لا استخدم كريمات تبييض البشرة وهذا مبدأ إنساني، جمالي وأخلاقي لا أحيد عنه، ولو أنني بذلك افقد فرص العمل في كثير من القنوات التلفزيونية، البنوك، الشركات التي تهتم بالمظهر العام المنمط والمعلن عنه رسميا وإعلامياً، ورغم ذلك يحبني الكثيرون من اجل أنني أرغب ان أكون كما خلقني الله، يقولون ان لي ملامح ملكة نوبية، باختصار، اعرف أنني جميلة وهذا يكفي. أنا وأمي وحيدتان. أقاربنا يسكنون بعيدا ومتفرقون في مدائن السودان الكثيرة. ترك لنا أبي بيتا كبيرا في الخرطوم بحري. قمنا بتأجير نصفه الذي يفتح على شارع السيد على الميرغني، نسكن نحن في النصف الآخر المطل على شارع فرعي صغير لا اسم له. يحتوي على غرفتي وغرفتها، صالون وثلاثة حمامات بكل من الغرفتين والصالون. الجزء الآخر من البيت تستأجره منظمة مجتمع مدني تعمل في حماية الأطفال المتشردين. وهي المنظمة ذاتها التي أعمل فيها أنا أيضا كباحثة اجتماعية. تسمى المبادرة الصديقة للأطفال C F I. ليس كل ما تقوله أمي لا فائدة منه. لأن فكرتها عن حبيبي عبد الباقي كانت في محلها. إن علاقتنا قد استنفذت فرصها كلها. هو يريدها أن تبقي طالما كنا نذهب كثيرا إلى غرفة جدنا الخليفة عبد الله التعايشي السرية ونقضي فيها أجمل أوقات حياتنا. عندما نكون معا كنا نمتلك الحياة كلها. لا يهمنا شيء آخر في العالم. حتى الأطفال المتشردين، المسلولين وغيرهم. كان همنا أن نمتع جسدينا. أن نشبع رغبة الوحش الساكن في حشو كل منا. أظن الجنس يستطيع أن يفعل ذلك. أن يقوم بواجب التواصل الإنساني، الجنس الآمن. لم اقل إنَّ همه كان الجنس أو همنا. بل كل شيء لكن الأشياء الأخرى إما يصعب الإيفاء بها أو لنا فلسفة في جدواها. إذاً حان الوقت أن نفترق. أنا أريد أطفالا. بل تريدهم أمي أكثر، أمي تصاب بين وقت لآخر بالإحباط النفسي. وتظل لشهر أو شهور تري وتسمع أشخاصا وتتحدث معهم. مرات عديدة كانت تفكر في الانتحار. لا تستمر الحالة طويلا لكن عندما تصاب بتلك الحالة تكون في أسوأ أيامنا. في الآونة الأخيرة أخذت تساعد في رعاية المتشردين حسب مزاجها وبما تستطيع. فهي ليست ذات بال طويل وصبر علي نزق وشيطنة هؤلاء المنفلتين. الذين لا يترددون في عض اليد التي تقدم إليهم كسرة الخبز. فالحياة علمتهم عدم الثقة في الآخرين. ولا في أنفسهم كذلك. أمي تريد أطفالا يملئون حياتها، يوفرون لها الرفقة، أطفالا تثق فيهم على الأقل يمكنها أن تتنبأ بما ينوون القيام به. كنت أتحدث إلى نفسي بصوت عال مما أخاف أمي وظنت أن مرضها قد انتقل إليَّ. لكن عندما حكيت لها القصة هدأت وكادت أن تبكي، أمي لا تبكي بسهولة. ثم سمعنا طرقا عنيفا على الباب. على الرغم من أن لدينا جرس إلا أن الطارق لم يستخدمه. هتفت أمي
- مُنُو ؟ إن شاء الله خير ؟
كان يتنفس بصعوبة. ملابسه ممزقة. وتوجد في ما تبقى منها بعض بقع الدم الجاف. لم يكن هنالك زمن للأسئلة. استحم. لبس احد جلابيب أبي، أمي تحتفظ بالكثير منها للذكرى. أمي تهمس في أذني من وقت لآخر. مستفسرة عما لحق به. اهمس لها بأنني لا ادري، لكني كنت قد خمنت كل شيء. باختصار شديد وفي كلمتين اخبرني بكل شيء. احتسينا القهوة. عرفت أمي فخافت علينا. كان عبد الباقي رجلا مربوع القامة. طوله أربعة وسبعون سنتمترا أو يقل بقليل. تدل ملامحه علي انه قد يكون من سكان وسط السودان. أو لحد ما الشمالية. كان غاضبا وهو يحكي كيف قبضوا عليه وضربوه في الشارع العام ثم أطلقوا سراحه ثم لحقوا به مرة أخرى في بيته. ودارت معركة معهم في البيت. تدخل جيرانه. أصحابة و زوجته. ضربوا الجماعة ضربا مبرحا إلى أن فروا بجلدهم هاربين.
قاطعتني أمي
- سجمي! عنده أولاد ؟ بتحبيه ليه؟؟
- يا أمي شنو علاقة الأولاد بالحب؟
انتفضت أمي تقول، وهي تحملق في عيني كأنها تراني لأول مرة في حياتها، ولأول مرة ألاحظ ان بعينيها حزن عميق لا يستطيع الكحل اصطياده.
- عندو مرا ولا لأ؟
اجبتها بهدوء
- عنده مرا.
حاولت ان تكون هادئة مثلي
- يعني عايزة تقلعي راجل المرا و تشردي عياله؟
- يا أمي يمكنا نعيش مع بعض المشكلة شنو؟ أنا أصلا ما عايزة راجل متفرغ عشاني. يكفي نصف راجل أو ربع راجل. ما أكثر.
صمتت لبعض الوقت، كأنما كانت تريد ان تقول شيئا ما، ثم غيرت رأيها، قالت وهي تمضي بعيدا عني، وتبعثر كلماتها في المكان
- كلام ما مقنع. الراجل راجل والمرا مرا مافي نص ولا ربع. وأحسن تسيبي الزول لحاله، خلينا من الكلام الفارغ، شوفي أي مخلوق ما عنده زوجة و عرسيه.
تعكر مزاج والدتي فجأة ولم تقبل أن تستمع إلي فكرتي الجديدة بشأنه. بل لم تعرف انه لا يريد أن يتزوجني. وأنني صرفت النظر عنه، بالطبع لم اقل لها إنَّ ما تبقي بيني وبينه هو فقط التعود علي تلك المتعة الجسدية، لم يفكر كلانا إلى الآن في التخلي عنها على المدى القريب، هنالك أشياء يجد المرء نفسه ملتزما بالقيام بها قد لا يفكر كثيرا في مسالة جدواها من عدمه، خاصة الأشياء التي لها علاقة بالجسد، فهذا الأخير له منطقه الخاص وأفاعيله التي لا يستشير فيها العقل، فهو لا يفكر بالأعضاء التناسلية وحدها، لكنه يشرك كل الأجزاء الأخرى فيه، ويشرك العقل، الجزء الأكثر بشرية منه، فهو دكتاتور رحيم، ولا يُلام الجسد عندما يعمل عمل الجسد، بعد أن قرأتُ كتاب السِر. أخذت حياتي تتغير بسرعة، رميت بكلماتي في ظهرها:
-أنا ح أتزوج في هذا العام، ح أتزوج رجلا كاملا.
فاجأتني بثورة من الضحك. عادت واحتضنتني وأكدت لي للمرة الألف إنها سوف لا ترفض أن أتزوج أياً كان. إذا كنت أحبه ويحبني. متزوج أم غير متزوج مجنون أم عاقل. المهم يستطيع أن ينجب أطفالاً يعيشون معي في البيت هنا ولتذهبا أنت وهو للجحيم، قلت لها
- هل غيرت رأيك؟
قالت وفي وجهها ابتسامة رائقة.
- لأ، لم أغير رأي، أنا عن نفسي لا أتزوج رجل متزوج.
وضعنا الخطة. اتفقنا على أن نشرك فيها بعض الصحفيين المهتمين بالموضوع. لأنهم يمتلكون الخبرة في التحري، أيضا الشرعية والحيلة في تقديم الأسئلة والدخول إلي كل المؤسسات الحكومية والمدنية. طبعا ليس كذلك تماما لكن لحد ما. الأهم أن لهم أفضلية علينا في ذلك. البحث عن الصحفي المناسب كالبحث عن إبرة في كومة من القش. كنا نريده ذكيا، شجاعا ويؤمن بالقضية بصورة قريبة من وجهة نظرنا. حتى يكون هنالك توافقا وتناسقا في فريق العمل. أهم ما في الأمر ألا يكون مواليا للسلطة، لأن الموالاة تحتم عليه التوافق مع وجهة النظر السائدة. حتى ولو أنها جانبت الصواب، وفوق هذا وذاك نحن لا نستطيع ان نقدم له أجرا، مهما كان ضئيلا، فالعمل تطوعي وإنساني في المقام الأول. لم اقترح عليه أحمد الباشا. سيرفضه ظاناً منه- وأنا اعرف ظنونه- إنني كنت في يوم ما مغرمة به أو انه مغرم بي. كما انه صدَّق احدي كذباتي التي كان الهدف منها إثارة غيرته. بأن أحمد الباشا أكثر وسامة منه وان كثيرا من البنيات يستلطفونه، قلتها بالطريقة التي تجعله يسمع كلمة كثيرا كل أو : أنا واحدة منهم. أكدت له بأنني لا اهتم بذلك على الرغم من انه كان يتودد إليَّ بين حين وآخر. كما إن الباشا بعد أن طُرِدَ من جريدته أصبح مخيفا ومُتَجَنَبا من قبل كثير من المؤسسات وكل الجرائد الوطنية وغير الوطنية بالطبع. فلعنة حرمان الصحيفة من الإعلانات لعنة تظل تطارد صاحبها في الحياة الدنيا حتى الممات. قد تلحق بنسله الميامين. إذا استطاع أن ينسل في ظل لعنته تلك. قال لي عبد الباقي بعد قليل من التفكير
- أقترح صديقنا الصحفي أحمد الباشا، هو أكثر شخص مناسب لهذه المهمة.
المشكلة الوحيدة في انه مراقب، تلفونه لا يعمل، ولا نعرف إليه سبيلا.
كان ينظر في عمق عيني. أو كنت أظن أنه كان يحملق في وجهي ليعرف ردود أفعالي وتأثير اقتراحه المثير. اقترحت عليه حكمة الجميل هي ذات خلفية قانونية مثقفةٌ وشديدة الجمال وأعرف انه يحب طريقتها في كتابة الشعر. تعمل بالمحاماة والصحافة في نفس الوقت. اقترح هو صديقتنا دكتورة مريم الطبيبة البشرية ذات النشاط، الهمة والقلب الحنين، قد عملنا معا كثيراً، خضنا مغامرات شتى في سبيل المتشردين والأطفال. هي شخصية لا يختلف عليها اثنان. عليه أن يتصل بالباشا، عليَّ أن اتصل بحكمة ومريم.
أمي تحرص بشدة على أن تكون علاقتها الخاصة في غاية السرية والكتمان، لا تريدني أن اشك لحظة في أن لها علاقة قد أفسرها بأنها مشبوهة قد تقلل - حسب ظنها- من حسن صورتها عندي، حيث أنها تعمل طوال الوقت على ان تجعل من نفسها قديسة في نظري، من حقها ذلك، ولو أنني أري ذلك تزيفا روحيا كبيرا. وان عليها ان تنتبه لنداء جسدها بصورة أو بأخرى. فلقد كانت جميلة وفتية، أهدرت وقتها وروحها من اجل تربيتي بصورة لائقة، فكنت وما زلت مشروعها في الحياة، المشروع الذي كاد ان يثبت فشله، أو انه فشل بالفعل، حسب رأيها عندما لا تكون في مزاج رائق. توفي والدي ذات صباح باكر. كنت حينها نائمة في غرفتي. احتضن كما كنت افعل طوال طفولتي دميتي الصغيرة التي احضرها لي أبي من دولة أجنبية زارها. علي ما اعتقد كانت فرنسا أو ألمانيا. استيقظتُ على صراخ النساء، جدتي، خالاتي، أمي ونساء الجيران. انتزعت نفسي من السرير هرولت ناحية باب الحجرة، لكنها كانت مغلقة من الخارج، أخذت اصرخ واضرب الباب بكفي الصغيرين، اصرخ بكل ما لدي من صوت واركل بكل قواي، إلى ان تعبت تماما، خمدت في شبه إغماء، لم يأت إليَّ احدٌ، اختفت الأصوات تدريجا حلَّ محلها همهمة رجال، ليس صوت أبي من بينها، كنت أميز صوته من بين كل الأصوات، وأستطيع ان اسمعه من مسافات طويلة. ثم جاءتني خالتي، حملتني من على الأرض، حيث تبولت دون إرادتي. أخذتني على كتفها. كان وجهها مبللا بالدموع، وبصوتها حشرجة غير مستحبة. بدأتُ اصرخ من جديد مطالبة بأمي، إلى ان جاءت بعينين بنيتين غارقتين في الدموع احتضنتني بقوة، قبلتني وطلبتْ مني ان اذهب مع: خالتو. أحسست بشيء غير عادي يحدث في بيتنا، لكن خالتي العجول هرولت بي إلي بيتها عابرةً الشوارع الواسعة الساخنة وأنا على كتفها اصرخ وارفس بقدمي.علي بعد ميلين من بيتنا، تركتني لألعب مع بنتيها الشيطانتين صديقتيَّ، أحبهما كثيرا، كنت اصغر منهما قليلا في العمر. حالما أنسَيَتاني كل شيء وأقامتا ليَّ عُرساً، زوجتاني من طفل من القصب صنعته الأخت الكبرى علياء، رقصتُ كعروس حقيقة، علي إيقاع صينية الشاي، فانا أحبُ الرقص،غنتا رقصتا، انضمت إلينا فتيات الجيران الأخريات، فقد كان عرسا بهيا وجميلاً. عندما عدت في اليوم الثالث لم أجد أبي في البيت إلي هذا الحين. كانت أمي تقول لي إنه مسافر إلي مكان بعيد، ثم أخبرتني فجأة بأنه مات أي ذهب إلى الجنة، كلنا سنلحق به آجلا أم عاجلا. سوف لا يأتي مرة أخرى للحياة الدنيا، هذا مصير البشر. ثم زرنا قبره مرارا وتكرارا لسنوات طويلة، صيفاً وشتاءً، في الأعياد، وفي المناسبات العامة، كلما مرضتُ أو مرضتْ أمي، كلما بلغنا الصحة، كلما مات أحد أقاربنا، بل كلما تذكرته أمي. ثم فجأة توقفنا عن زيارة قبره، وأستطيع أن أؤرخ لذلك منذ اليوم الذي التقينا فيه بما أسمته أمي صديقها الروائي وليد الجندي في المقابر. كان هو الآخر في زيارة لما اسماها المرحومة صديقتنا سيدة. لا ادري كيف تطورت العلاقة بينهما بعد ذلك بعيدا عن بصري وسمعي، بينما كنت أنا اكبر قليلا قليلا، تمر السنون علي، عليهما وعلى علاقتهما مع بعض. من جانبي كنت أحس بفقدان أبي، دائما ما ارغب في أن أتحدث إليه، كان يسافر كثيرا، إلا انه عندما يكون بالمنزل فانه يلعب معي، يحكي لي ويستمع إلي ثرثرتي. رغم صغري في ذلك الحين كنت أتعلم منه. واسأله عن أمور كثيرة لا اذكرها الآن لكنها تجعله يضحك من صميم قلبه ويحملني على كتفه، يجري بي في حوش البيت. أريد من يفعل بي ذلك الآن، قد يكون هذا مستحيلا لوزني الثقيل لكن غير المستحيل أن أجد من يحكي لي، يستمع لحكاياتي ويضحك من قلبه لأجلي. يقول عني أصحابي أنني مترددة وغالبا ما أغير رأي، ليس لعدم ثقة في النفس، ولو انه يبدو كذلك لكني كنت في صميمي احتاج لآخر يتخذ معي القرار. اقصد أنني احتاج فعلا لأبي في هذا الشأن قد يرى الناس ذلك غريبا بالنسبة لإنسانة في نهاية العقد الثاني من العمر. تخرجت في الجامعة منذ أكثر من خمس سنوات وأحبت ما لا يقل عن خمسة رجال. وتعمل في مجال حماية الأطفال والمشردين بصورة يشهد عليها مديريها بأنها متميزة وجادة. كان عبد الباقي قد عرف في وقت مبكر هذه المعضلة. واخذ يعلمني كيف املأ فراغ الأب، لكن المشكلة الأساسية تقع في انه ملأ هذا الفراغ بنفسه. كان يكبرني بعشرة أعوام. يعني أنه اصغر من أمي بثمانية سنوات. كما قلت من قبل أمي ليست طاعنة في السن. تكبرني بثمانية عشر عاما لا غير.أمي أيضا كانت تفتقد أبي، تفتقده بشدة وبصبر، إذا كانت صريحة معي كنت أمنت لها خصوصية عظيمة بل لساعدتها في أن تتزوج أيضا، بإمكان أمي أن تتزوج، ماذا يمنع.
كان وليد الجندي شخصاً غامضا، هو أيضا من نوعية الكتاب الذين يصبح كل نصيبهم من الإبداع كتاب واحد لم يكتمل أو بضع مقالات لم تنشر بعد، ثم يقضون بقية العمر في التضجر، لوم الدهر، صب اللعنة علي الحكومات، ضيق ذات اليد وفشل المشروع الوطني السوداني. في الحقيقة لم التق به سوى مرات معدودات طوال سنوات علاقته مع أمي، لأن أمي تحرص ألا تكون لي معه أية علاقة قد تقود إلي فضح تفاصيلها هي الشخصية. أمي أيضا كانت واحدة من الفريق. اقترحت أنا للفريق بان ينضم إلينا وليد الجندي. كانوا يعرفون انه مقرب إلى أسرتنا الصغيرة. لكنهم لا يعرفون تفاصيل علاقتنا به. رفضت أمي الفكرة في بادئ الأمر بحجة أن الفريق يجب أن يكون مختصرا بقدر الإمكان حتى لا يفتضح أمره. كما أعلنت، وهو سبب غير وجيه. كانت تضمر سببين آخرين مقنعين لم تصرح بهما. لكن عيناها برقت سعادة عندما أقنعتها حكمة الجميل بضرورة أن ينضم إلينا الأستاذ وليد الجندي، حتما سيستفيد الفريق من حسه الروائي والنقدي، حيث يشاع انه ضليع في النقد الأدبي أيضاً.
الاجتماع الأول كان في بيتنا، أنا وحكمة الجميل. علينا أن نجمع المعلومات عن مادة الميثانول. كل ما يخصها من تفاصيل، معلومات مكتبية من الانترنت عن طريق الأخ قوقل، معلومات ميدانية عن أين وكيف يوجد هذا الميثانول في الخرطوم، ومدى سهولة أو صعوبة الحصول عليه. هذا قد يقود إلى مصدره بالتالي يضعنا وجها لوجه أمام المتهم الأول أو الخيط الذي يقود إلى المتهم الأول. هذا إذا كان هنالك متهما في الأساس. لأن من نسميهم نحن بالجماعة أو الفرقة ونتهمهم بالتسبب في قتل المتشردين كانوا هم أيضا يتهمون جهات شريرة أخري- نحن بعض هذه الجهات- ويعملون ليل نهار من أجل القبض عليها ووضعها في ميزان العدالة. وهذا يضع كل اتهاماتنا لهم ليست سوى أوهام ويدرجها تحت نظرية التآمر، ما لم تكون هنالك معلومات جيدة، دقيقة ومؤكدة، لا توجد حقيقة. الرأي الأرجح اقصد الوسطي في الصحافة أنَّ احدهم سرق مادة الميثانول معتقدا أنها أثينول وباعها للمتشردين بحسن نية وغرضه وراء ذلك الربح الحلال. لا أكثر..
أمي ووليد مسئولان عن التحقيق مع وزارة الرعاية الإنسانية وان يتبعا في ذلك ما يستطيعان من الحيل والمكر البشري، عليهما أن يعرفا ما هو الرأي الحقيقي لوزارة الرعاية الإنسانية في هذا الشأن وما هي الإجراءات التي اتخذتها. ويا حبذا لو تطرقا علي سياساتها تجاه المتشردين. الدكتورة مريم وباقي. عليهما متابعة التشريح الجنائي الذي حدث للجثث. وان يحاولا من ذلك تحديد وقت تناول الميثانول. أما الباشا الذي لم يحضر الاجتماع لصعوبة الوصول إليه، فكان عليه القيام بتحقيق صحفي شامل مع إدارة شرطة أمدرمان محلية البقعة، أمين عام الرعاية الإنسانية، المدير الطبي لمستشفى أمدرمان التعليمي، الأحياء من الأطفال والمتشردين الذين نجوا من الموت، وبعض منظمات المجتمع المدني. قلت لأمي، على خلفية نقاش طويل عن الحب والحياة، مصائر البشر، عن الموت والجمال، أيضا عن العلاقة بين الرجل والمرأة، وقد مررت إليها عدة تلميحات عن علاقتها بالجندي، وبدا لي أنها تعاملت مع تلميحاتي بتسامح لم اعتده منها، مما شجعني على خطوة أكبر:
- أنا ادعوك الليلة للعشاء في سوق نمرة أتنين ومعانا الأستاذ.
سالت مندهشة
- منو الأستاذ؟
قلت لها وانأ انظر بزاويتي عيني في أم وجهها
- الأستاذ الروائي.
لم اعرف أنَّ أمي بهذا القدر من الخجل، إلا عندما عضتني في كفي، وقرصتني بشدة في خدي مثل طفلة شقية تلعب بدميتها لعبة خشنة، وكنت أحس بها تريد ان تحتضنني وتبكي، لكن أمي لا تبكي، على الأقل لم اعتد ان أرى دموعها، لكنها حولت طاقة البكاء إلى ضحكات مجلجلات، أنا التي بكيت، بكيت بقدر ما ضحكت هي.
أمي ارتديتْ بنطالها الجميل الأزرق، ارتديتُ بنطالي الجميل الأزرق. أمي تحب قمصان القطن البيضاء الخفيفة غالية الثمن. لبستُ بلوزة قصيرة بيضاء. لأن أمي قصيرة بعض الشيء فإنها تختار حذاءها ذي الكعب العالي الذي لديها منه الكثير المثير. الحذاء الرياضي "sport" هو الأنسب لي. يظهرني عملية، أكثر شبابا، اخف وزناً، و يريحني في سير المشاوير الطويلة. أمي تحب المشي أيضاً. بقيتْ كثيراً أمام المرآة. اخفتْ بعضاً من توقيعات محن الأيام بوجهها. تستطيع أمي ان تجعل عينيها أكثر اتساعا بل ضعف حجمهما الحقيقي عندما تحيطهما بقدر زائد من الكحل في زوايا تحددها بدقة. أنا تعلمت منها فن وضع الكحل ولو ان مقلتاي خُلقتا جميلتين. تماما مثل عينيها. ساعدتني في تصفيف شعري كما تفعل منذ ان نبت لي شعر في راسي، فهي لا تثق في إمكانياتي في تصفيف شعري، دائما ما تتهمني بالعجلة والإهمال، وأنني أتعامل مع شعري كما أتعامل مع حذائي، ودائما ما تلومني علي التدهور الذي أصابه نتيجة لذلك، لكن الأغرب في الموضوع أنها لا تؤمن بغير طريقة واحدة لتصفيفه، طريقة جعلتني أبدو في هيئة واحدة LOOK منذ ميلادي إلى اليوم، خصلتان كبيرتان طويلتان تنحدران إلى نهاية العنق، تقول أمي أنهما في الماضي كانتا تصلان إلى منتصف ظهري، لولا أنني تمردت عليها مرتين وذهبت للكوافير مع صديقاتي، يوم تخرجي من الجامعة، ويوم ميلادي العشرين. عطرتني. أبدت ملحوظةً غامضةَ حول شفتي، قالت إنني يجب ان أتزوج بأسرع ما يمكن إنها تريد ان ترى أحفادها قبل ان تموت. ذكر الموت هنا وهي في كامل زينتها، سابحة في عطر برادا BRADA المحبب لديها، المقصود منه إثارة الشفقة والتخويف، قد يعني أيضا أنها تريد ان تتزوج، وعزوفي عن الزواج هو عقبتها الكأداء، من يدري؟

خالد محجوب محي الدين
10-21-2013, 04:33 AM
روح الخشب
أخذت حكمة الجميل تستعرض علينا بصورة دراماتيكية، المعلومات التي تحصلت عليها، في الحقيقة شاركنا جميعا في الحصول عليها عن الميثانول. ابتدرت العرض بمقدمة طويلة مرحة، لا أظننا نحتاج لكتابتها هنا، لسبب واحد هو ان مقدمتها تطرقت لما اعتبرناه هدفا استراتيجياً لا يمكن الإفصاح عنه، لذا سنبدأ من هذه الجملة، وعذرا لبترها: ثم استطاع العالم روبرت بويل بعد تجارب كثيرة فاشلة من عزل الميثانول النقي عن طريق التقطير الإتلافي للخشب. أي حرق الخشب وتقطيره بمعزل عن الهواء، وذلك في عام 1661،أطلق عليه روح الخشب. في الحقيقة لم يكن هو المقطر الأول للكحول، فقد سبقه العلماء العرب بسنوات كثيرة، ذكر الرازي تلك المسالة في كتاب الأسرار. الميثانول مثل رصيفه الأثينول "العرق" ينتميان إلى فصيلة "الكحول" - وهي كلمة عربية الأصل نقلها عالم سويسري للغات الأخرى بذات أصلها- في عام 1834 تم تكوينه كعنصر كيميائي وأخذ يُعرف باسم الميثلين، ثم عُرف باسم الميثيل، ذلك في سنة 1840 ولم يعرف باسم الميثانول إلا في 1892، أقيم أول مصنع لإنتاج الميثانول في 1923 في ألمانيا. "سنتجنب أيضا فقرتين طويلتين عن أسماء المصانع التي شُيدت بعد ذلك و الترتيب الزمني لها، وأيضا سنقض الطرف عن عشرين اسما لعلماء طوروا صناعات خاصة بالميثانول و الأثينول، لأسباب غير فنية ولكنها خاصة بموضوع الرواية".
نتيجة لمقدراته الهائلة في التفاعل مع العناصر الكيميائية، يعتبر الميثانول، احد العناصر المكونة للكثير من المركبات الكيميائية والمنتجات ذات الاستخدام اليومي، ويمكن استخدامه لأغراض كثيرة، بما في ذلك الصناعية، مثل:
صناعة اللدائن،
صناعة الأسبرين،
صناعة الألياف،
صناعة السيلكون،
صناعة مطاط اليوتيل،
المبيدات الحشرية،
دباغة الجلود،
الصناعات البتروكميائية،
إنتاج ألياف البولي استر،
صناعة علب الأغذية والمشروبات وغيرها.
ويستخدم الميثانول في كثير من دول العالم الأكثر فقرا في غش الخمور. حيث انه ارخص بكثير من الأثينول، له تأريخ طويل من القتل والتسبب في حالات العمى، تليف الكبد،إتلاف خلايا الجسم، التهاب البنكرياس وغير ذلك من كوارث بشرية مؤلمة.
أما صنوه الأثينول فيدخل في صناعة الخمور المتنوعة. ويستخدم كوقود حيوي. قد يحل محل البترول علي خلفية ارتفاع أسعار النفط، علي الرغم من أنَّ له أثار سالبة علي البيئة لا تقل عن الوقود الاحفوري، بل قد تكون أكثر ضرراً نسبة لسهولة امتصاصه في التربة ومزجه بالهواء، وسهولة تفاعله مع عناصر كيمائية وعضوية أخرى.
لكن المعلومة الأكثر إثارة هي التي تحصلنا عليها من العم قوقل. فقد كتب صحفي ساخر نفضل عدم ذكر اسمه:
في 11 يونيو 2009 اُفْتِتِحَ مصنع لكحول الأثينول "العرقي البكر" بكنانة وهو أول مصنع لإنتاج الأثينول بإفريقيا. بالتالي الأكبر حجما. اُنْشِأ بخبرات برازيلية لها باع طويل في تقطير الخمور. وتشجيعا لهذه الصناعة المباركة تم إعفائها من الرسوم الجمركية، كل أنواع الضرائب، الزكاة و العشور. ينتج مصنع كنانة 65 مليون لتراً سنويا وطاقته القصوى تعادل 200 مليون لتراً في العام، بذلك يعتبر السودان اكبر الدول المنتجة للأثينول الذي يتم تصنيعه من مخلفات قصب السكر والمنتجات المصاحبة لإنتاج السكر مثل المولاص، في مصنع كنانة العملاق. ينافس بذلك دولة البرازيل صاحبة اكبر مخزون منه في العالم، يغزو الأثينول السوداني اليوم السوق الأوربية المشتركة، يفضل الأوربيون إنتاجه في دول افريقية بائسة فقيرة نسبة للمشاكل البيئية والاقتصادية المصاحبة لإنتاجه، فيستهلك إنتاجه 7 % من الحبوب الخشنة في العالم، و9 % من الزيوت النباتية عالميا، 2 % من الأراضي الصالحة لزراعة المحاصيل، وتعتبره منظمات عالمية من المنتجات التي تهدد بصنع ندرة غذائية في العالم، بالتالي يطلقون عليه المنتج الإجرامي. السوق الأوربية المشتركة اكبر المستوردين للأثينول السوداني
لا باس أن نساهم كسودانيين في تظبيط الأمزجة الخواجاتية الراقية، ونعمل بصورة فاعلة في تنشيط الأخيلة وهياج حالات العِشق الأوربي الرزين الأكثر فُسقا وجمالا أيضا. ولا أظننا سنخسر شيئا إذا زدنا من حوادث السير والجرائم الخفيفة التي يفتعلها السكارى العاديين بنسبة ضئيلة لا تكاد تحسب. قد يلهم خندريسنا الطيب شعراء مغمورين في تأليف قصائد عظيمة، لا تقل جمالا عن "الأرض اليباب" أو "أوراق العُشب" أو كتابة روايات في عظمة " أطفال منتصف الليل". كما ان هذا الخندريس الطيب سيزيد الصادر السوداني بنسبة 10% بذلك يتحسن الميزان التجاري الوطني. خاصة ان الموازنة السودانية العامة قد فقدت 90% من مواردها بانفصال الجنوب ببتروله وموارده الغابية وهما البقرتان الحلوبتان اللتان أرضعتا البلاد التي تعاني من سوء تغذية منذ الاستغلال إلى أعوام كثيرة قادمة بإذن الله. "هنا سنضطر على حذف بعض الأرقام وجداول الكميات التي توضح كمية الصادر السوداني من الأثينول للسوق الأوروبية المشتركة، كما إننا سوف لا نتطرق للمسائل الاقتصادية البحتة، مثل الميزان التجاري، التحويلات الائتمانية والنمو الاقتصادي الخاص بمسألة التبادل التجاري المحدود مع السوق الأوربية المشتركة، يمكن الحصول على ذلك عن طريق معامل البحث قوقل".
أمي ذكرتني بأمر مهم. وهو أن صناعة الأثينول في السودان تجزر عميقا في المجتمع السوداني، لكنها بدأت بقدماء النوبة الذين يستخدمونه في شكله الخام في التحنيط، العلاج والنظافة وذلك قبل آلاف السنين. ثم دخل مرة أخري كخمور أكثر نقاء عند اتفاقية البغض"البغط" التجارية، التي وُقِعَتْ ما بين جدودنا النوبة والعرب المسلين الذين جاءوا بقيادة عبد الله ابن أبي السرح، في محاولتين فاشلتين لاحتلال بلاد النوبة الغنية بالذهب والعاج، حيث انه من بنود الاتفاقية أن يقدم العرب المسلمون إلى النوبة الوثنيين قدراً كبيراً من الخندريس"الأثينول" وقناطير مقنطرة من العدس والتوابل سنوياً، مقابل بعض ما تنتجه بلاد النوبة من خيرات. ولم ينقطع تصنيع الأثينول بعد ذلك محليا، فالنساء العربيات المهاجرات لأرض السودان بحثا عن المراعي وهربا من الجفاف، كن الفداديات الأوائل، حيث أنَّ آلاف اللترات تُصْنَعْ يوميا عن طريق حفيداتهن الوريثات الحديثات للتقطير وهن صانعات عرق البلح، العيش، الجنزبيل، الجوافة والمولاص، والعرق كما يعرفه الجميع عبارة عن الأثينول مضافا إليه الميثانول. الفداديات الخبيرات يستطعن أن يفصلن بين الاثنين. وذلك في مراحل التقطير المختلفة. حيث يطلقن علي الأثينول النقي الأكثر قيمة اسم: العرق البكر، السكوسكو،أو السيكو، تيمنا بتلك الساعة السويسرية الجميلة الأنيقة الدقيقة، وهو يُنْتج أولا عندما تصل درجة حرارة المادة موضوع التقطير 73. ثم بعد ذلك ينتج العرق التني. وهو الميثانول والأثينول مختلطان معا، مع كثير من الشوائب والغازات بعضها سامة جدا.
حكت لي والدتي قصة غريبة وقعت بين قاضي، شرطيين ومقطرة أثينول بلدي، حيث قُبِضَ على امرأة ذات حملة شرطية ضد المشروب الأكثر جماهيرية لدى الندماء في السودان، وجد عندها الشرطيون النبهاء الأتقياء الناهون عن مثل هذه المنكرات والآمرون بالمعروف، زجاجتين من العرق السيكو. أي الأثينول النقي. قدمَتْ للمحكمة. معها المعروض من الخندريس. كانت الفدادية من الذكاء بحيث أنها تبينت أن لون العرق المعروض أمام القاضي مختلفا عما هو في الواقع، وظنت أنَّ ما يعرض الآن أمامها ليس هو العرق السيكو الذي أنتجته بيديها الماهرتين وبخبرة عشرين عاما، وقبل أن ينطق القاضي المتعجل بالحكم قالت له:
- ممكن كلمة يا مولانا ؟
قال لها من خلف نظارته السميكة قد ترك العبث بالقلم في الأوراق الداكنة اللون
- تفضلي يا ميمونة،إذا كان عندك كلام، قوليه.
قالت له وهي تشير إلى قارورتي العرق اللتين تقبعان في ركن قصي من المحكمة
- العرقي دا ما حقي.
فانتهرها الشرطي الشاهد ومحرر البلاغ بان هنالك خمسة شهود آخرون سوف يحلفون قسما على المصحف: ورقةْ ورقةْ وآيةْ آيةْ، علي أن هذا العرق قد تم ضبطه في بيتها وبحضورهم شخصيا وحضورها هي. شهاداتهم مسجلة، قرأها القاضي. قالت له بعدما انتهي من تلاواته.
- أنا اسمي ميمونة سُكوسُكو يا مولانا. وخوفاً على سمعتي يا مولانا واسمي ما بعمل عرقي ذي دا بدون مؤاخذة يا مولانا.
مشيرة إلى القارورتين الحزينتين القابعتين في ركن قصي من المحكمة تنتظران تنفيذ الحكم الرادع عليهما وعلى سيدتهما.
قال لها مولانا بحكمة، وهو يعطيها انتباه عدالته كله.
- ما فاهم، ممكن تشرحِ اكتر؟؟.
قالت له. وهي ترمي ساعديها المثقلين بالذهب الفالصو في الهواء. فيصدران شخشخة خشنة مثل كشيش جرس صدئ.
- العرقي الأنا بعمله يا مولانا.إذا كشحته ما بيصل الواطا بيتبخر في الهواء قبل ما يصل الأرض. وإذا أشعلت فيه قشة كبريت يولع زى السبيرتو والعالم كله عارف الكلام دا. وجربه يا مولانا. أنا العرقي بتاعي يا مولانا يولع الرتينة.
وأمر القاضي الشرطي باختبار العرق، لم يتبخر لم يشتعل، لم تكن به رائحة العرق المتميزة، بل كان ماءً نقياً طهوراً حلالاً، صالحاً للشرب الإنساني، لا مذاق، لا لون، لا رائحة، لدرجة أنَّ القاضي بلع منه بُقْةً كبيرة استقرت في معدة جلالته بكل سلام وبركة، فقام حضرته بشطب البلاغ ضدها على الفور وطالب بتحرير آخر في حق الشرطيين الذين قبضوا عليها، بتهمة تزييف الأدلة، وهو يقصد بينه وبين نفسه: تهمة شُرب العَرَقْ، وهي تهمة يصعب على الإدعاء إثباتها و يستحيل على المتهمين الشَرَطِيين نفيها.
الفقيه المتشرد
أمي تحبني أو هذا هو خيارها الوحيد، فليس لديَّ إخوة اصغر أو اكبر يقاسمونني حبها، كنا أنا وهي فقط في هذه الحياة، أنا أيضا أحبها، هذا لا يمنع الشجار اليومي الذي يجري بيننا واختلاف وجهات النظر في أشياء جوهرية ومهمة. مشكلة أمي لا تتحمل السرعة التي أغير بها رأي في القرارات التي قد أكون اتخذتها بكامل وعي وإرادتي، والشيء الآخر هو أنَّ أمي تتدخل في كل صغيرة وكبيرة تخصني بل الأشياء التي تخصني وحدي، كتصفيف شعري أو فرده، تعاملني كطفلة غير راشدة، هذا هو السبب المباشر الذي يوتر العلاقة بيننا، قد كنت أصر على أن يبقي بُقْا الليلة في البيت، أن يبيت بالديوان، وجهة نظرها ألا يبقي رجل مع سيدتين لا تربطه بهما وشائج شرعية:
- يقولوا الناس علينا شنو ؟
- أنا يا أمي لا اهتم بما يقول الناس.
ترد مستخدمة نفس طريقتي، مع التأكيد على كلمتي اهتم والناس، ربما نطقتهما مستخدمة أسنانها.
- لكني يا سلوى، أنا اهتم بما يقول الناس.
قلت لها همسا
-نحنا ماشين نشوف المتشردين في الحديقة، وحنجي وننوم هنا في البيت، والبيت دا بيتك زي ما هو بيتي و بيت أبوي.
قالت بكل برود، بذات درجة الصوت الهامس، في أذني، وهي تقبض على راسي بشدة كأنما لو أنها أطلقتني سأهرب قبل أن تكمل جملتها.
- أبوك لو كان عارف بنته بتطلع زيك قليلة أدب كان "كتلك" قتلك قبل ما يموت.
قلت لها، قد ملأت غيظا
- كويس، أنت ليه ما كتلتيني.
قالت وهي تحملق في عيني
- أنا لا اقتل الذباب و الحشرات.
لحسن الحظ عبد الباقي لم يكن قريبا ليسمع شتائمنا، كان بالديوان وكنت وأمي بالمطبخ، عندما تصل أمي لهذه المرحلة من إطلاق الشتائم أفضل الانسحاب، لأنني لا أستطيع ان احمي نفسي من أسلحتها الشريرة التي تبدأ بالقذف بآنية المنزل، لا يعلم غير الله ما يكون آخرها.
خرجنا. أنا وبُقَا، استقلينا المواصلات العامة من بحري المحطة الوسطى إلى ميدان الشهداء، إلى الحديقة. عبرنا أمام بيت جدنا الخليفة عبد الله التعايشي، لم تكن لدينا الاثنان رغبة في ممارسة الجنس، ولو ان كلانا نظر للبيت الأثري الجميل في تشهي، كان يشغل جسدينا وروحينا الأطفال والمتشردون المعرضون للتصفية. حيانا الرسميون الذين يحرسون بوابة بيت الخليفة. قد تكون القطط سعيدة الآن في حجرتنا، قد تتوسد مخداتنا ولحافنا اللذيذ. كانت الحديقة المهجورة صامتة كعادتها، دخلناها بحيث لا يرانا أحد، خاصة رجال الشرطة. لم نجد الأطفال الآخرين. شممنا رائحة الجثة المتعفنة منذ ولوجنا حوش الحديقة. عندها اصررنا على الدخول سريعاً، كانت الرائحة تجذبنا للداخل على الرغم من أنها لا تُطاق. وجدنا جثتين لطفلين آخرين متعفنتين، في الحجرة شبة المظلمة، تحرسهما جيوش من الذباب والجرذان، كان طنين الذباب مرعباً. ونحن نتعمق في الحجرة المهجورة وجدنا آخر يحتضر يطلب الماء، بين حين وآخر يردد في صوت حزين: أشهد أنَّ لا اله إلا الله وأنَّ مُحمداً رسولُ الله، صلى الله عليه وسلم. يرتل سورة من القرءان لم نتبينها. لكننا كنا متأكدين أنه يقرأ سورةً ما. يطلب جرعة ماء. ثم يردد الشهادة مرة أخرى. كان شبه مشلول. شبه ميت. شبه نبي. شبه إنسان.
بغير أي تحفظ، في لحظة واحدة حملناه خارج المكان. أنا من جهة الرأس، باقي من جهة الساقين. كان ثقيلا، طويلا كث الشعر، باردا وثرثارا مثل ببغاء. أحضرنا له ماءً، رفع رأسه، نظر إلينا، قال بصوت متحشرجٍ:
- عايز آكل. أنا جيعان حأموت من الجوع.
أصابتنا الحيرة البالغة في أسلوب التعامل مع حالته، كان الخوف هو السيد الأساسي والوحيد للموقف. العفنة تطل علينا بعنقها القذر من داخل الحجرات، شبح الجثث يطاردني يرتسم في كل شيء انظر إليه، كانت عيونهم البارزة للخارج تحملق في طوال الوقت، أصبت بحالة من الغثيان. المتشرد الطويل يثرثر في همس غير منقطع، يقرأ ما يمكن ان نطلق عليه كلاما مقدساً. وهو يحتضر في صورة دراماتيكية. يرجوننا بإصرار إنساني و محبة في البقاء عنيفة، ان ننقذه. نخاف أيضا على أنفسنا من السجن والمساءلة، حيث بالإمكان ان تُلفق في حقنا أية من التهم ذات المعيار الثقيل. كنا كما هو واضح ومعروف أننا نخشى من فرقة الموت. لم نرهم لم نحتك بهم لكنهم كانوا دائما ما يفيخون في وعينا ويشعلون عُشب المخافات في ذواتنا، نتخيلهم يطوفون حولنا مثل فريق من الشياطين. إنهم دائما موجودون في مكان ما في الوعي أم خارجه. إذا كان لدينا المال لكان تصرفنا مختلفاً، فالمال كما يقولون نوع من التفكير. كنا في قارعة الطريق ويسهل القبض علينا، لأن الجثة التي لا تكف عن الثرثرة ترقد ممددة على الأرض في وضع شاذ ومفضوح. قمنا بتغطيتها بجوال فارغ من الخيش عثر علية عبد الباقي في المكان. قبل يومين أقام بعض السياسيين الرحماء مأتما للعزاء في بيت كبير وثري، تحدثوا فيه عن المتشردين بحب وعاطفة جياشة، قد بكى البعض على الظلم الذي حاق بهم وحقهم في الحياة الكريمة المسلوب. كنا هنالك، تعرفنا برجل ذي مال وعاطفة، رجل شحيم بدين نظيف، تفوح من جوانبه فابريقات كرستيان ديور، قال لي إنه سيقدم لنا كل ما يستطيع من مساعدة طالما كنا نخدم المتشردين طواعية:
- أنا مهتم شديد بموضوعهم، لابد من تصحيح وضع المتشردين في السودان.
قمت بالاتصال به عبر جواله، جاء صوته هادئاً منسابا رقيقا من الجانب الآخر، بلغني شوقه في كلمات عشر ثقيلة، وانه سأل عني كثيرا، وفي باله محاولة مبيتة للاتصال بي ودعوتي لوجبة في مكان سوف اختاره بنفسي، لم يسألني لَم اتصلتُ به ولم يعطني فرصة لقول ما أريد قوله، إلى ان نفد رصيدي القليل جدا من الدفع المقدم وانتهت المكالمة إجبارياً. لكنه اتصل بي مرة أخرى سريعاً قائلاً إنه سيدخل في اجتماع بعد قليل مع مسئول كبير، سينتهز الفرصة ويناقش معه موضوع المتشردين، سيتصل بي لاحقاً، ربما بعد الاجتماع مباشرة : تسلمي يا ستي، باي باي.
أخذ منا سائق التاكسي كلما لدينا من نقود. وهي ليست كثيرة. أمي كانت أكثرنا حركة وقلقا على صحة المتشرد المريض. واتبعت معه طريقة للإطعام تقول إنها الوحيدة التي تنفع مع شخص لم يتذوق الطعام منذ أيام. كلما يعاني منه كان ألماً في المعدة حادا. أعطيناه جرعة كبيرة لا نعلم مقدارها العلمي من الفلاجيل. وهو الدواء الذي نتناوله في البيت لكل الأمراض التي تصيبنا في الأحشاء، حيث أننا لا نستطيع ان نفرق ما بين الم المعدة، الم المصران والمغص الكلوي. صنعت له أمي كوباً كبيراً أيضا من الحلبة، سألناه ما إذا كان يشعر بصداع، قال إنه يريد أن يأكل لا أكثر،ألتهم كل ما يستطيع بلعه مثل تمساح بشري. أعطته أمي احدي جلابيب أبي، بعد أن استحم جيداً. رمينا بلباسه، بنطاله و فانلته الداخلية الممزقة التي تفوح منها رائحة نتنة بعيداً. تم استبدال كل شيء بما كان لأبي. كان شابا وسيما نحيفا تبدو على وجهه بعض التقرحات بفعل المرض أو الشجار اليومي. عيناه ضيقتان محمرتان. كان يبتسم بصورة متواصلة حتى ظننا انه أبله. قال إنه لم يتناول الاسبرت أو أية من المخدرات في حياته. ليس حتى التمباك والسجائر. وقال إن والده أودعه خلوة في ضواحي كردفان وانه هرب منها وعمل مساعدا في شاحنة لوري إلى أن وصل أخيرا إلي مدينة أمدرمان. التي كان يعلم أن بها احد أقاربه. بحث عنه ولم يجده لأنه كان يظن أنَّ ذلك سهلا. فامدرمان في مخيلته كانت ليست سوى قرية كبيرة. وهكذا بات يومها في الطرقات ثم يومان. إلى أن أصبح بلا نقود. ثم تعرف على أطفال ورجال و بنات الشوارع، ثم صار واحداً منهم. هو الآن زعيم لكل المجموعة التي تقيم حول موقف الشهداء وعمارة المتشردين، قد حصل على شهرة عظيمة في المعركة التي دارت بين مشردي سوق أم درمان ومشردي الشهداء. حيث كان أول من استخدم النبلة في مثل تلك المعارك. يسمونه الفكي لأنه كان الوحيد بين كل المتشردين الذي يحفظ بعض سور القرءان ويعرف كيف يتوضأ، ولو انه لم يتوضأ أو يصلي في حياته كلها. كان يصنع التمائم والأحجبة لأصحابه. ويعرف كيف يلقن الشهادة للمحتضرين منهم. حتى يموتون على ذمة الإسلام ويدخلون الجنة. كانت بساقه اليُسرى علامة لجرح كبير. بل قطع بسكين أو آلة حادة. تجنب الخوض فيما هو وراء ذلك الأثر.
في الحقيقة أنا لست خالية ذهن تماما عن ماهية هذا الفقيه المتشرد. فعملي في مجال المتشردين جعلني اعرف الكثيرين منهم شخصياً واسمع عن من لم التق بهم وخاصة إذا كانوا ذوي سمعة متميزة وخطرة مثل هذا الفقيه المزيف الذي يرقد في ديواننا الآن بعد أن نجا بحياته وألَّفَ قصة روت كيفية وصوله إلى أم درمان طازجة قبل قليل، ربما تكون هي قصة متشرد حقيقية رواها له في يوم ما. هذا الذي يعرف بالفكي اخطر متشرد مرَّ بمدينة أم درمان. مغتصب، سارق، كاذب، قاتل وعلي ذلك كله يمارس الدجل و الشعوذة. كان بُقَّا أيضا قد تبين أننا قد أنقذنا حياة مُتشرد كبير، زعيم لا يُشق له غبار رجل صال وجال في شوارع المدن الثلاث. الشيء المحير فعلا هو أنَّ متشردا بكل تلك السُمعة لِمَ لَمْ يحاول أن يغير من واقعه شيئاً. وكيف حاصره الموت في ذلك المكان المهجور العفن. إذا هل صحيحا ما قاله إنهم كانوا يقصدونه هو بالذات: ليشنو "لماذا"؟
لأي مدى يمكن الاستفادة منه في مشروع التحري؟ عندما مشي على قدميه، بعد أسبوع بأكمله حيث لاحظنا انه يمشي بعرج طفيف نتيجة لقصر في رجله اليسرى، لاحظنا أيضا انه أطول بقليل مما رأيناه في بادئ الأمر وأكثر نحافة، بجسده ندبٌ صغيرةٌ، جروح متعددةٌ مبعثرةٌ في وجهه و كتفيه. لكنه تحدث بفصاحة قبل ان يتمكن من المشي بأيام كثيرات، اقصد منذ اليوم الأول حيث أنه استطاع أن يثرثر ببراعة مع أمي وباءت محاولاته بالفشل على إقناعها بأنها مريضة نتيجة عمل شرير فُعل بها، وانه "فكي" عالج ويعالج المرضى عن طريق القرءان ورتل عليها سورة يس من ذاكرته. أمي، أنا وبُقا كنا نعرف انه إنما يريد ان يقدم شيئا لنا ولأمي بالذات مقابل رعايتها المتفردة له، لم ينج أيضا من تهمة التكسب. أمي تفعل كل شيء بحب، تقول إنها لا تقوم بعمل أي شيء ما لم تشعر بالحب.
تمشى قليلا، احتسى قهوة طيبة صنعتها له أمي. قال وهو يضغط بكفة يده اليسرى، على عنقه النحيف الذي تغطيه شُعيرات الذقن الكثة. إنه يريد أن يقول لنا الحقيقة وراء حياته. لقد كذب علينا في بادئ الأمر، وحكي لنا حكايات سمعها من بعضهم وهي الحكايات الرسمية وراء كل متشرد، يحكونها للشرطين وللقضاء إذا مثلوا أمامهم في محكمة، للباحثين الاجتماعين وموظفي المنظمات العاملة في المجال. أنا بخاف من الناس، لكن:
- انتوا ناس طيبين انقذتوا حياتي.
أنجبته أمه على مسطبة خلف بمباني السينما الوطنية بالخرطوم بحري قبل ما لا يقل عن ثمانية وعشرين عاماً، وهذا بالتخمين. بعد انتهاء العرض السينمائي بقليل. قبل أن يغادر رواد السينما شارع السيد علي الميرغني، لقد شهد ميلاده مئات الأفراد. كان ميلاداً طليقاً وحراً. على الهواء مباشرة. تماما مثيل ميلاد الحملان. تبرع ممرض رحيم- كان قد صحب حبيبته الجميلة للسينما عرضا في هذا اليوم- بقطع حبل السُرة والتخلص من الملحقات المصاحبة للولادة. أرضعتني أمي في الفور. هكذا كانت تقول له دائما: أنت مولود جيعان. حتى آخر مرة رآها فيها، كانت تكرر له نفس الجملة، وسيظل جائعا طوال عمره لأن كلباً ضالاً قد أكل المشيمة خاصته. خطفها من قرب أمه الدائخة التي كانت تنوي ان تقوم بدفنها عند باب السينما متى ما فاقت من خدر الولادة. على الرغم من أن انه كان أول المواليد، إلا أن أمه في ذلك الوقت عمرها اثنا عشرة أو ثلاثة عشر عاما لكنه يصر على أن عمرها كان ثمانية سنوات أو اقل. دكتورة مريم أكدت لنا إنَّ ذلك مستحيلا لأسباب علمية. حيث إنّ الرحم لا يكون قد اكتمل عند الثامنة. الشيء الآخر والأهم هو من عرفه أن أمه كانت في الثامنة؟ كيف عرفتْ أنها في الثامنة؟ لقد شاهد بأم عينيه طفلات صغيرات في اقل من الثامنة من عمرهن يمارسن الجنس في الأوكار ومجاري مياه الخريف باستمتاع، بل يمتهن الدعارة ويكسبن منها الكثير وإنهن يحبلن ويلدن ويرضعن أطفالهن، هو نفسه قد مارس الجنس مع بعضهن، ليلا نهارا، في الأجحار والأوكار وقارعة الأزقة الخالية من المارة في منتصف الليالي المظلمة، أينما اتفق وصادف ان اختلى بواحدة منهن. لقد حكي لنا فيما بعد إنَّ أمه ذاتها وُلدت في إحدى شوارع أم درمان من أم طفلة، أنجبتها ثم ماتت مباشرة بعد ميلادها. وهذا قضاء وقدر لا أكثر. إذاً، من عَرَّفَها بتأريخ ميلادها. ولو أنَّ هذا المنطق أيضاً يمكن الرد عليه وتفنيده بكل بسهولة. تربي في كل الشوارع بدون فرز. يعرف كل الأمكنة بالعاصمة ذات المدن الثلاث بأسمائها، يحفظ تاريخ كل مبني، حديقة، حفرة، وكوشة بل يستطيع أن يقول إنَّ أول مالك عربة في الشارع الفلاني كان اسمه فلان الفلاني. هذا الرجل النحيل الطويل ذاكرة للمكان لا يُسْتَهان بها. ثم حدثنا قائلا:
- أنا أول زول باع الإسبرت في الخرطوم للشباب. وحياتي ما شربتهُ. قلبي أباه كُلو كُلو "نهائيا" ريحتو بتعمل لي طُمَامْ. أنا لا أدخن ولا بشم ولا بسكر بس لو ربنا هداني من الشُغُل داك. تاني ما عندي مُشكلة.
سألته مستفسرة
- الشُغُل دَاكْ شُنُو؟
قال دون إحراج وهو يبتسم و ينظر إليَّ في وقاحة.
- اللقو.
و اللقوية هي كل ما يُمكن أن يُمَارَسْ معه الجنس وتُطلق على المذكر والمؤنث. على امرأة، رجل، أو حيوان. وهي مفردة شائعة في لغة المتشردين المُسماة بالرندوك. ويستخدمها أيضا أنصاف المتشردين وبعض العاملين في الأسواق والمهن الهامشية ونحن الناشطين مع المتشردين.
قال إنه حفظ كل الذي حفظهُ من القرءان من صلاة الجمعة وبعض القراء العرضيين الذين يتواجدون بين هنا وهنالك، يقرؤون القرءان و ينتظرون الناس ان يضعون في مواعين فارغة أمامهم بعض المال، مال يتراكم يوما بيوم إلى ان يصبح في يد البعض ثروة طائلة:
- في واحد بني بيت وعنده عشرين ركشة.
كان بإمكانه ان يصير شحاذا من تلك الفئة القرءانية التي تثري بسرعة. إلا انه لا يمكنه ان يكون طاهرا طوال الوقت، و القرءان يحتاج لطهارة. اعترف فيما بعد انه عمل في مهنة شحاذ قارئ للقرءان لما يقارب الشهرين على أسوار الجامع الكبير بالخرطوم، لكنه أصيب باللعنة وبدأ جسده يصدر رائحة أشبه ببول الكلب، كبر القمل برأسه حتى أصبح في حجم الصراصير، قد بصق في مرات كثيرة ديدان كبيرة في حجم الأصبع من فمه، واقسم ان ثعبانا حيا خرج من دبره. عرف ان ذلك حدث له لأنه كان يتلو القرءان في نجاسة، وهو لا يستطيع ان يتحكم في أمر نجاسته، لأنه لا يستطيع التحكم في ممارساته الجنسية الضالة، في اعترافه المشين للسمعة الإنسانية، قال: إنه يمارس الجنس مع كل الأنواع، نساء ورجالا، أطفالا وطفلات وبعض الحيوانات الأليفة مثل الكلاب والمواشي، قد لخص عبد الباقي ذلك قائلاً: مع كل ذي دبر.
كان يستطيع أن يحفظ كل ما يسمعه دون أن يعرف ماذا يعني ذلك. عن ظهر قلب. واختبرناه. أخذ يكرر لنا كلاماً علمياً قالته دكتورة مريم- بنسبة ثمانين بالمائة- وكأنه مُحاضِراً جامعياً في عِلِم الأحياءْ الدقيقة. أو ببغاءً آدمياً كبيراً. اسمعنا من الذاكرة مباشرة-هو لا يقرا ولا يكتب- خطبة صلاة جمعة كاملة. كنا نكتشف فيه شخصيةً غريبةً ومدهشةً. لإنسان إذا كان قد وجد قليلا من الرعاية والإرشاد النفسي، لأصبح اليوم شخصية مختلفة. على الأقل فقيه ديني أو كما قالت دكتورة مريم : خطيباً سياسياً ماهراً.أضافتْ: إن هذا الفكي قد يكون ذكيا جداً أو في غاية الغباء، من يدري. ابتدرنا الحوار في موضوع الأسبرت، ونحن قد تعبنا من حكاية بطولاته التافهة، التي نعتبرها نحن غير إنسانية وفي غاية الوحشية والقرف
مصادر الأسبرت " الأثينول" كثيرة ومتعددة. قال أهمها
- دكاكين تركيب العطور.
قال له بُقا مؤكداً.
- نعرف هذا المصدر.
قال وهو ينظر في عمق عيني بقا، وفي فمه ابتسامة مربكة.
- ستات العرقي.
قال له بُقا
- نعرفهم برضو.
قال: الأسطى.
- من هو الأسطى؟
- اسمه الأسطى.
- وتاني؟
- ما عنده اسم.
- وتاني.
قال: الصُياغ بتاعين الدهب والفضة.
- وتاني؟
قال: أمي.
- أمك؟
- ايوا. أمي. يجيبهُ ليها الأسطى براو " بنفسه ".
- وتاني.
قال ضاحكا: أنا.
كان يبتسم كثيرا. بصورة حسبناها في بادئ الأمر مَرَضِيَّة.لكننا قليلاً قليلاً تعودنا عليها وفهمنا أنها ليست سوي حيلة لتلطيف اللغة الخشنة التي يعبر بها عن الأشياء. يحب أن يتحدث عن كل شيء. يخاف من شيئين الموت والشرطة. وهو في ذلك مثلنا جميعاً. إلا انه اعترف لنا طواعية بجريمتي قتل قام بهما وعشرات جرائم الاغتصاب. وهو لا يسميها اغتصاب بل يطلق عليها سيطرة. وقال إنها سُنة الحياة:
- راكبْ أو مركوبْ.
في الحقيقة استخدم الفكي كلمتين بذيئتين تافهتين وهما "ظاعط أو مظعوط" لكننا استبدلناهما بتلك الكلمتين المحترمتين مراعاة منا للذوق العام وحساسية المصنفات الأدبية المفرطة وخصوصية الشعوب الرسالية الطيبة، مثل شعبنا السوداني. على كلٍ، الفكي يفضل أن يكون الأول لكن في ظروف كثيرة في هذه الشوارع اللعينة المظلمة وخاصة في صباه الباكر كثيرا ما كان الثاني:
- و المُشْكِلة شُنُو؟؟
والآن يبدو أننا تعرفنا على خمسين مصدرا للميثانول والأثينول في المدن الثلاث. الخرطوم، بحري وأم درمان. والفكرة الحكيمة التي أتت بها أمي هي أن نصطحب الفكي معنا لنرى أمه ونتحدث معها بشأن الأسطى. من اسمه يبدو انه ذو أهمية بالغة، وظننا انه مفتاح اللُغزْ. بعد أن اشترينا له ملابس جديدة وحذاء جديدا جميلا. أخذناه للحلاق الذي قام بإزالة شعر ذقنه ورأسه كله حتى ينمو له آخر خالي من بيض القمل والبراغيث، وحف شاربيه بعد لأي، فالشاربان دليل الرجولة. قام بنفسه بنظافة جسده الشخصية. تعطر جيداً وخرجنا. كان يمشي بسرعة أمامنا. وهو يتحسس ملابسه من وقت لآخر. يبتسم لنا ابتسامته المريبة تلك. عبرنا أزقة كثيرة في سوق أمدرمان. كان يتوقف فجأة عندما نمر بمزبلة كبيرة. وكم مرة منعه بُقْا من تناول بعض المرميات على الأرض. كان يقول إنه يفعل ذلك دون شعور منه. وإن رائحة المزبلة تجذبه إليها. للمزبلة رائحة متميزة ورحيمة. أستطيع أن أشم من بعد كاف رائحة ما يُمكن أكله وهو مرمي بإهمال في كومة الأوساخ. لولا هذه المزابل الرحيمة لماتت أمم من البشر. كنت أتوقع أن تقع عيني علي أمه بين وقت لآخر. في ركن ما. في زاوية ما من الطريق. لكنني لم انتبه على انه لا يوجد متشردون في الشوارع. أمدرمان في هذه الأيام أصبحت مثل مدينة فاضلة. خالية من الشحاذين، المتشردين والمتسكعين الكثيرين. الذين كانت تذخر بهم وتجمل وجهها الفقير الخشن بسحنتهم البائسة، في حقيقة الأمر المدينة نفسها مثل متشرد مهمل فاقدا الرعاية الأسرية بائلا في نفسه متبولا على غيره مخبولا وأعمى. أخذتُ أحس بالخوف الفعلي. ولجنا ممراً مظلما أو يكاد أن يكون كذلك، يقع خلف سوق أم درمان، عند زقاق المباول العامة، كانت رائحة المكان لا تُطاق، تحتلها أنفاس الفضلات الآدمية والحيوانات النافقة التي تُرى ما بين هنا وهنالك. أمام مجري مائي شبه مغلق، طلب منا أن نتوقف و نتركه يذهب وحده. قلنا له عليه ألا يخشى شيئا من جانبنا. قال إنهم يخشون. كما إننا الآن جنب المكان. جلسنا على الأرض كما طلب منا. لكي لا نُرى منذ الوهلة الأولى. تقدم بضعة خطوات ثم أطلق صفيرا ناعما ثلاث مرات وصمت. بعد دقيقة أو أكثر أو اقل. سمعنا صفيرا أخر ثم رد الفكي بصفير. فانفتح غطاء مجرى لتصريف مياه الأمطار وخرج منه طفلان صغيران أشعثان عاريان تماما كأنهما إبليسين صغيرين من رسومات الفنان الأسباني بُول كلي. جريا نحو الفكي وتشعبطا في يديه الطويلتين. قال مبتسماً:
- ديل أولادي. حسكا وجلجل.
لم نسأله أيهما حسكا وأيهما جلجل. فلقد كانا يشبهان بعضهما البعض مثل عملتين روح الخشب
أخذت حكمة الجميل تستعرض علينا بصورة دراماتيكية، المعلومات التي تحصلت عليها، في الحقيقة شاركنا جميعا في الحصول عليها عن الميثانول. ابتدرت العرض بمقدمة طويلة مرحة، لا أظننا نحتاج لكتابتها هنا، لسبب واحد هو ان مقدمتها تطرقت لما اعتبرناه هدفا استراتيجياً لا يمكن الإفصاح عنه، لذا سنبدأ من هذه الجملة، وعذرا لبترها: ثم استطاع العالم روبرت بويل بعد تجارب كثيرة فاشلة من عزل الميثانول النقي عن طريق التقطير الإتلافي للخشب. أي حرق الخشب وتقطيره بمعزل عن الهواء، وذلك في عام 1661،أطلق عليه روح الخشب. في الحقيقة لم يكن هو المقطر الأول للكحول، فقد سبقه العلماء العرب بسنوات كثيرة، ذكر الرازي تلك المسالة في كتاب الأسرار. الميثانول مثل رصيفه الأثينول "العرق" ينتميان إلى فصيلة "الكحول" - وهي كلمة عربية الأصل نقلها عالم سويسري للغات الأخرى بذات أصلها- في عام 1834 تم تكوينه كعنصر كيميائي وأخذ يُعرف باسم الميثلين، ثم عُرف باسم الميثيل، ذلك في سنة 1840 ولم يعرف باسم الميثانول إلا في 1892، أقيم أول مصنع لإنتاج الميثانول في 1923 في ألمانيا. "سنتجنب أيضا فقرتين طويلتين عن أسماء المصانع التي شُيدت بعد ذلك و الترتيب الزمني لها، وأيضا سنقض الطرف عن عشرين اسما لعلماء طوروا صناعات خاصة بالميثانول و الأثينول، لأسباب غير فنية ولكنها خاصة بموضوع الرواية".
نتيجة لمقدراته الهائلة في التفاعل مع العناصر الكيميائية، يعتبر الميثانول، احد العناصر المكونة للكثير من المركبات الكيميائية والمنتجات ذات الاستخدام اليومي، ويمكن استخدامه لأغراض كثيرة، بما في ذلك الصناعية، مثل:
صناعة اللدائن،
صناعة الأسبرين،
صناعة الألياف،
صناعة السيلكون،
صناعة مطاط اليوتيل،
المبيدات الحشرية،
دباغة الجلود،
الصناعات البتروكميائية،
إنتاج ألياف البولي استر،
صناعة علب الأغذية والمشروبات وغيرها.
ويستخدم الميثانول في كثير من دول العالم الأكثر فقرا في غش الخمور. حيث انه ارخص بكثير من الأثينول، له تأريخ طويل من القتل والتسبب في حالات العمى، تليف الكبد،إتلاف خلايا الجسم، التهاب البنكرياس وغير ذلك من كوارث بشرية مؤلمة.
أما صنوه الأثينول فيدخل في صناعة الخمور المتنوعة. ويستخدم كوقود حيوي. قد يحل محل البترول علي خلفية ارتفاع أسعار النفط، علي الرغم من أنَّ له أثار سالبة علي البيئة لا تقل عن الوقود الاحفوري، بل قد تكون أكثر ضرراً نسبة لسهولة امتصاصه في التربة ومزجه بالهواء، وسهولة تفاعله مع عناصر كيمائية وعضوية أخرى.
لكن المعلومة الأكثر إثارة هي التي تحصلنا عليها من العم قوقل. فقد كتب صحفي ساخر نفضل عدم ذكر اسمه:
في 11 يونيو 2009 اُفْتِتِحَ مصنع لكحول الأثينول "العرقي البكر" بكنانة وهو أول مصنع لإنتاج الأثينول بإفريقيا. بالتالي الأكبر حجما. اُنْشِأ بخبرات برازيلية لها باع طويل في تقطير الخمور. وتشجيعا لهذه الصناعة المباركة تم إعفائها من الرسوم الجمركية، كل أنواع الضرائب، الزكاة و العشور. ينتج مصنع كنانة 65 مليون لتراً سنويا وطاقته القصوى تعادل 200 مليون لتراً في العام، بذلك يعتبر السودان اكبر الدول المنتجة للأثينول الذي يتم تصنيعه من مخلفات قصب السكر والمنتجات المصاحبة لإنتاج السكر مثل المولاص، في مصنع كنانة العملاق. ينافس بذلك دولة البرازيل صاحبة اكبر مخزون منه في العالم، يغزو الأثينول السوداني اليوم السوق الأوربية المشتركة، يفضل الأوربيون إنتاجه في دول افريقية بائسة فقيرة نسبة للمشاكل البيئية والاقتصادية المصاحبة لإنتاجه، فيستهلك إنتاجه 7 % من الحبوب الخشنة في العالم، و9 % من الزيوت النباتية عالميا، 2 % من الأراضي الصالحة لزراعة المحاصيل، وتعتبره منظمات عالمية من المنتجات التي تهدد بصنع ندرة غذائية في العالم، بالتالي يطلقون عليه المنتج الإجرامي. السوق الأوربية المشتركة اكبر المستوردين للأثينول السوداني
لا باس أن نساهم كسودانيين في تظبيط الأمزجة الخواجاتية الراقية، ونعمل بصورة فاعلة في تنشيط الأخيلة وهياج حالات العِشق الأوربي الرزين الأكثر فُسقا وجمالا أيضا. ولا أظننا سنخسر شيئا إذا زدنا من حوادث السير والجرائم الخفيفة التي يفتعلها السكارى العاديين بنسبة ضئيلة لا تكاد تحسب. قد يلهم خندريسنا الطيب شعراء مغمورين في تأليف قصائد عظيمة، لا تقل جمالا عن "الأرض اليباب" أو "أوراق العُشب" أو كتابة روايات في عظمة " أطفال منتصف الليل". كما ان هذا الخندريس الطيب سيزيد الصادر السوداني بنسبة 10% بذلك يتحسن الميزان التجاري الوطني. خاصة ان الموازنة السودانية العامة قد فقدت 90% من مواردها بانفصال الجنوب ببتروله وموارده الغابية وهما البقرتان الحلوبتان اللتان أرضعتا البلاد التي تعاني من سوء تغذية منذ الاستغلال إلى أعوام كثيرة قادمة بإذن الله. "هنا سنضطر على حذف بعض الأرقام وجداول الكميات التي توضح كمية الصادر السوداني من الأثينول للسوق الأوروبية المشتركة، كما إننا سوف لا نتطرق للمسائل الاقتصادية البحتة، مثل الميزان التجاري، التحويلات الائتمانية والنمو الاقتصادي الخاص بمسألة التبادل التجاري المحدود مع السوق الأوربية المشتركة، يمكن الحصول على ذلك عن طريق معامل البحث قوقل".
أمي ذكرتني بأمر مهم. وهو أن صناعة الأثينول في السودان تجزر عميقا في المجتمع السوداني، لكنها بدأت بقدماء النوبة الذين يستخدمونه في شكله الخام في التحنيط، العلاج والنظافة وذلك قبل آلاف السنين. ثم دخل مرة أخري كخمور أكثر نقاء عند اتفاقية البغض"البغط" التجارية، التي وُقِعَتْ ما بين جدودنا النوبة والعرب المسلين الذين جاءوا بقيادة عبد الله ابن أبي السرح، في محاولتين فاشلتين لاحتلال بلاد النوبة الغنية بالذهب والعاج، حيث انه من بنود الاتفاقية أن يقدم العرب المسلمون إلى النوبة الوثنيين قدراً كبيراً من الخندريس"الأثينول" وقناطير مقنطرة من العدس والتوابل سنوياً، مقابل بعض ما تنتجه بلاد النوبة من خيرات. ولم ينقطع تصنيع الأثينول بعد ذلك محليا، فالنساء العربيات المهاجرات لأرض السودان بحثا عن المراعي وهربا من الجفاف، كن الفداديات الأوائل، حيث أنَّ آلاف اللترات تُصْنَعْ يوميا عن طريق حفيداتهن الوريثات الحديثات للتقطير وهن صانعات عرق البلح، العيش، الجنزبيل، الجوافة والمولاص، والعرق كما يعرفه الجميع عبارة عن الأثينول مضافا إليه الميثانول. الفداديات الخبيرات يستطعن أن يفصلن بين الاثنين. وذلك في مراحل التقطير المختلفة. حيث يطلقن علي الأثينول النقي الأكثر قيمة اسم: العرق البكر، السكوسكو،أو السيكو، تيمنا بتلك الساعة السويسرية الجميلة الأنيقة الدقيقة، وهو يُنْتج أولا عندما تصل درجة حرارة المادة موضوع التقطير 73. ثم بعد ذلك ينتج العرق التني. وهو الميثانول والأثينول مختلطان معا، مع كثير من الشوائب والغازات بعضها سامة جدا.
حكت لي والدتي قصة غريبة وقعت بين قاضي، شرطيين ومقطرة أثينول بلدي، حيث قُبِضَ على امرأة ذات حملة شرطية ضد المشروب الأكثر جماهيرية لدى الندماء في السودان، وجد عندها الشرطيون النبهاء الأتقياء الناهون عن مثل هذه المنكرات والآمرون بالمعروف، زجاجتين من العرق السيكو. أي الأثينول النقي. قدمَتْ للمحكمة. معها المعروض من الخندريس. كانت الفدادية من الذكاء بحيث أنها تبينت أن لون العرق المعروض أمام القاضي مختلفا عما هو في الواقع، وظنت أنَّ ما يعرض الآن أمامها ليس هو العرق السيكو الذي أنتجته بيديها الماهرتين وبخبرة عشرين عاما، وقبل أن ينطق القاضي المتعجل بالحكم قالت له:
- ممكن كلمة يا مولانا ؟
قال لها من خلف نظارته السميكة قد ترك العبث بالقلم في الأوراق الداكنة اللون
- تفضلي يا ميمونة،إذا كان عندك كلام، قوليه.
قالت له وهي تشير إلى قارورتي العرق اللتين تقبعان في ركن قصي من المحكمة
- العرقي دا ما حقي.
فانتهرها الشرطي الشاهد ومحرر البلاغ بان هنالك خمسة شهود آخرون سوف يحلفون قسما على المصحف: ورقةْ ورقةْ وآيةْ آيةْ، علي أن هذا العرق قد تم ضبطه في بيتها وبحضورهم شخصيا وحضورها هي. شهاداتهم مسجلة، قرأها القاضي. قالت له بعدما انتهي من تلاواته.
- أنا اسمي ميمونة سُكوسُكو يا مولانا. وخوفاً على سمعتي يا مولانا واسمي ما بعمل عرقي ذي دا بدون مؤاخذة يا مولانا.
مشيرة إلى القارورتين الحزينتين القابعتين في ركن قصي من المحكمة تنتظران تنفيذ الحكم الرادع عليهما وعلى سيدتهما.
قال لها مولانا بحكمة، وهو يعطيها انتباه عدالته كله.
- ما فاهم، ممكن تشرحِ اكتر؟؟.
قالت له. وهي ترمي ساعديها المثقلين بالذهب الفالصو في الهواء. فيصدران شخشخة خشنة مثل كشيش جرس صدئ.
- العرقي الأنا بعمله يا مولانا.إذا كشحته ما بيصل الواطا بيتبخر في الهواء قبل ما يصل الأرض. وإذا أشعلت فيه قشة كبريت يولع زى السبيرتو والعالم كله عارف الكلام دا. وجربه يا مولانا. أنا العرقي بتاعي يا مولانا يولع الرتينة.
وأمر القاضي الشرطي باختبار العرق، لم يتبخر لم يشتعل، لم تكن به رائحة العرق المتميزة، بل كان ماءً نقياً طهوراً حلالاً، صالحاً للشرب الإنساني، لا مذاق، لا لون، لا رائحة، لدرجة أنَّ القاضي بلع منه بُقْةً كبيرة استقرت في معدة جلالته بكل سلام وبركة، فقام حضرته بشطب البلاغ ضدها على الفور وطالب بتحرير آخر في حق الشرطيين الذين قبضوا عليها، بتهمة تزييف الأدلة، وهو يقصد بينه وبين نفسه: تهمة شُرب العَرَقْ، وهي تهمة يصعب على الإدعاء إثباتها و يستحيل على المتهمين الشَرَطِيين نفيها.
الفقيه المتشرد
أمي تحبني أو هذا هو خيارها الوحيد، فليس لديَّ إخوة اصغر أو اكبر يقاسمونني حبها، كنا أنا وهي فقط في هذه الحياة، أنا أيضا أحبها، هذا لا يمنع الشجار اليومي الذي يجري بيننا واختلاف وجهات النظر في أشياء جوهرية ومهمة. مشكلة أمي لا تتحمل السرعة التي أغير بها رأي في القرارات التي قد أكون اتخذتها بكامل وعي وإرادتي، والشيء الآخر هو أنَّ أمي تتدخل في كل صغيرة وكبيرة تخصني بل الأشياء التي تخصني وحدي، كتصفيف شعري أو فرده، تعاملني كطفلة غير راشدة، هذا هو السبب المباشر الذي يوتر العلاقة بيننا، قد كنت أصر على أن يبقي بُقْا الليلة في البيت، أن يبيت بالديوان، وجهة نظرها ألا يبقي رجل مع سيدتين لا تربطه بهما وشائج شرعية:
- يقولوا الناس علينا شنو ؟
- أنا يا أمي لا اهتم بما يقول الناس.
ترد مستخدمة نفس طريقتي، مع التأكيد على كلمتي اهتم والناس، ربما نطقتهما مستخدمة أسنانها.
- لكني يا سلوى، أنا اهتم بما يقول الناس.
قلت لها همسا
-نحنا ماشين نشوف المتشردين في الحديقة، وحنجي وننوم هنا في البيت، والبيت دا بيتك زي ما هو بيتي و بيت أبوي.
قالت بكل برود، بذات درجة الصوت الهامس، في أذني، وهي تقبض على راسي بشدة كأنما لو أنها أطلقتني سأهرب قبل أن تكمل جملتها.
- أبوك لو كان عارف بنته بتطلع زيك قليلة أدب كان "كتلك" قتلك قبل ما يموت.
قلت لها، قد ملأت غيظا
- كويس، أنت ليه ما كتلتيني.
قالت وهي تحملق في عيني
- أنا لا اقتل الذباب و الحشرات.
لحسن الحظ عبد الباقي لم يكن قريبا ليسمع شتائمنا، كان بالديوان وكنت وأمي بالمطبخ، عندما تصل أمي لهذه المرحلة من إطلاق الشتائم أفضل الانسحاب، لأنني لا أستطيع ان احمي نفسي من أسلحتها الشريرة التي تبدأ بالقذف بآنية المنزل، لا يعلم غير الله ما يكون آخرها.
خرجنا. أنا وبُقَا، استقلينا المواصلات العامة من بحري المحطة الوسطى إلى ميدان الشهداء، إلى الحديقة. عبرنا أمام بيت جدنا الخليفة عبد الله التعايشي، لم تكن لدينا الاثنان رغبة في ممارسة الجنس، ولو ان كلانا نظر للبيت الأثري الجميل في تشهي، كان يشغل جسدينا وروحينا الأطفال والمتشردون المعرضون للتصفية. حيانا الرسميون الذين يحرسون بوابة بيت الخليفة. قد تكون القطط سعيدة الآن في حجرتنا، قد تتوسد مخداتنا ولحافنا اللذيذ. كانت الحديقة المهجورة صامتة كعادتها، دخلناها بحيث لا يرانا أحد، خاصة رجال الشرطة. لم نجد الأطفال الآخرين. شممنا رائحة الجثة المتعفنة منذ ولوجنا حوش الحديقة. عندها اصررنا على الدخول سريعاً، كانت الرائحة تجذبنا للداخل على الرغم من أنها لا تُطاق. وجدنا جثتين لطفلين آخرين متعفنتين، في الحجرة شبة المظلمة، تحرسهما جيوش من الذباب والجرذان، كان طنين الذباب مرعباً. ونحن نتعمق في الحجرة المهجورة وجدنا آخر يحتضر يطلب الماء، بين حين وآخر يردد في صوت حزين: أشهد أنَّ لا اله إلا الله وأنَّ مُحمداً رسولُ الله، صلى الله عليه وسلم. يرتل سورة من القرءان لم نتبينها. لكننا كنا متأكدين أنه يقرأ سورةً ما. يطلب جرعة ماء. ثم يردد الشهادة مرة أخرى. كان شبه مشلول. شبه ميت. شبه نبي. شبه إنسان.
بغير أي تحفظ، في لحظة واحدة حملناه خارج المكان. أنا من جهة الرأس، باقي من جهة الساقين. كان ثقيلا، طويلا كث الشعر، باردا وثرثارا مثل ببغاء. أحضرنا له ماءً، رفع رأسه، نظر إلينا، قال بصوت متحشرجٍ:
- عايز آكل. أنا جيعان حأموت من الجوع.
أصابتنا الحيرة البالغة في أسلوب التعامل مع حالته، كان الخوف هو السيد الأساسي والوحيد للموقف. العفنة تطل علينا بعنقها القذر من داخل الحجرات، شبح الجثث يطاردني يرتسم في كل شيء انظر إليه، كانت عيونهم البارزة للخارج تحملق في طوال الوقت، أصبت بحالة من الغثيان. المتشرد الطويل يثرثر في همس غير منقطع، يقرأ ما يمكن ان نطلق عليه كلاما مقدساً. وهو يحتضر في صورة دراماتيكية. يرجوننا بإصرار إنساني و محبة في البقاء عنيفة، ان ننقذه. نخاف أيضا على أنفسنا من السجن والمساءلة، حيث بالإمكان ان تُلفق في حقنا أية من التهم ذات المعيار الثقيل. كنا كما هو واضح ومعروف أننا نخشى من فرقة الموت. لم نرهم لم نحتك بهم لكنهم كانوا دائما ما يفيخون في وعينا ويشعلون عُشب المخافات في ذواتنا، نتخيلهم يطوفون حولنا مثل فريق من الشياطين. إنهم دائما موجودون في مكان ما في الوعي أم خارجه. إذا كان لدينا المال لكان تصرفنا مختلفاً، فالمال كما يقولون نوع من التفكير. كنا في قارعة الطريق ويسهل القبض علينا، لأن الجثة التي لا تكف عن الثرثرة ترقد ممددة على الأرض في وضع شاذ ومفضوح. قمنا بتغطيتها بجوال فارغ من الخيش عثر علية عبد الباقي في المكان. قبل يومين أقام بعض السياسيين الرحماء مأتما للعزاء في بيت كبير وثري، تحدثوا فيه عن المتشردين بحب وعاطفة جياشة، قد بكى البعض على الظلم الذي حاق بهم وحقهم في الحياة الكريمة المسلوب. كنا هنالك، تعرفنا برجل ذي مال وعاطفة، رجل شحيم بدين نظيف، تفوح من جوانبه فابريقات كرستيان ديور، قال لي إنه سيقدم لنا كل ما يستطيع من مساعدة طالما كنا نخدم المتشردين طواعية:
- أنا مهتم شديد بموضوعهم، لابد من تصحيح وضع المتشردين في السودان.
قمت بالاتصال به عبر جواله، جاء صوته هادئاً منسابا رقيقا من الجانب الآخر، بلغني شوقه في كلمات عشر ثقيلة، وانه سأل عني كثيرا، وفي باله محاولة مبيتة للاتصال بي ودعوتي لوجبة في مكان سوف اختاره بنفسي، لم يسألني لَم اتصلتُ به ولم يعطني فرصة لقول ما أريد قوله، إلى ان نفد رصيدي القليل جدا من الدفع المقدم وانتهت المكالمة إجبارياً. لكنه اتصل بي مرة أخرى سريعاً قائلاً إنه سيدخل في اجتماع بعد قليل مع مسئول كبير، سينتهز الفرصة ويناقش معه موضوع المتشردين، سيتصل بي لاحقاً، ربما بعد الاجتماع مباشرة : تسلمي يا ستي، باي باي.
أخذ منا سائق التاكسي كلما لدينا من نقود. وهي ليست كثيرة. أمي كانت أكثرنا حركة وقلقا على صحة المتشرد المريض. واتبعت معه طريقة للإطعام تقول إنها الوحيدة التي تنفع مع شخص لم يتذوق الطعام منذ أيام. كلما يعاني منه كان ألماً في المعدة حادا. أعطيناه جرعة كبيرة لا نعلم مقدارها العلمي من الفلاجيل. وهو الدواء الذي نتناوله في البيت لكل الأمراض التي تصيبنا في الأحشاء، حيث أننا لا نستطيع ان نفرق ما بين الم المعدة، الم المصران والمغص الكلوي. صنعت له أمي كوباً كبيراً أيضا من الحلبة، سألناه ما إذا كان يشعر بصداع، قال إنه يريد أن يأكل لا أكثر،ألتهم كل ما يستطيع بلعه مثل تمساح بشري. أعطته أمي احدي جلابيب أبي، بعد أن استحم جيداً. رمينا بلباسه، بنطاله و فانلته الداخلية الممزقة التي تفوح منها رائحة نتنة بعيداً. تم استبدال كل شيء بما كان لأبي. كان شابا وسيما نحيفا تبدو على وجهه بعض التقرحات بفعل المرض أو الشجار اليومي. عيناه ضيقتان محمرتان. كان يبتسم بصورة متواصلة حتى ظننا انه أبله. قال إنه لم يتناول الاسبرت أو أية من المخدرات في حياته. ليس حتى التمباك والسجائر. وقال إن والده أودعه خلوة في ضواحي كردفان وانه هرب منها وعمل مساعدا في شاحنة لوري إلى أن وصل أخيرا إلي مدينة أمدرمان. التي كان يعلم أن بها احد أقاربه. بحث عنه ولم يجده لأنه كان يظن أنَّ ذلك سهلا. فامدرمان في مخيلته كانت ليست سوى قرية كبيرة. وهكذا بات يومها في الطرقات ثم يومان. إلى أن أصبح بلا نقود. ثم تعرف على أطفال ورجال و بنات الشوارع، ثم صار واحداً منهم. هو الآن زعيم لكل المجموعة التي تقيم حول موقف الشهداء وعمارة المتشردين، قد حصل على شهرة عظيمة في المعركة التي دارت بين مشردي سوق أم درمان ومشردي الشهداء. حيث كان أول من استخدم النبلة في مثل تلك المعارك. يسمونه الفكي لأنه كان الوحيد بين كل المتشردين الذي يحفظ بعض سور القرءان ويعرف كيف يتوضأ، ولو انه لم يتوضأ أو يصلي في حياته كلها. كان يصنع التمائم والأحجبة لأصحابه. ويعرف كيف يلقن الشهادة للمحتضرين منهم. حتى يموتون على ذمة الإسلام ويدخلون الجنة. كانت بساقه اليُسرى علامة لجرح كبير. بل قطع بسكين أو آلة حادة. تجنب الخوض فيما هو وراء ذلك الأثر.
في الحقيقة أنا لست خالية ذهن تماما عن ماهية هذا الفقيه المتشرد. فعملي في مجال المتشردين جعلني اعرف الكثيرين منهم شخصياً واسمع عن من لم التق بهم وخاصة إذا كانوا ذوي سمعة متميزة وخطرة مثل هذا الفقيه المزيف الذي يرقد في ديواننا الآن بعد أن نجا بحياته وألَّفَ قصة روت كيفية وصوله إلى أم درمان طازجة قبل قليل، ربما تكون هي قصة متشرد حقيقية رواها له في يوم ما. هذا الذي يعرف بالفكي اخطر متشرد مرَّ بمدينة أم درمان. مغتصب، سارق، كاذب، قاتل وعلي ذلك كله يمارس الدجل و الشعوذة. كان بُقَّا أيضا قد تبين أننا قد أنقذنا حياة مُتشرد كبير، زعيم لا يُشق له غبار رجل صال وجال في شوارع المدن الثلاث. الشيء المحير فعلا هو أنَّ متشردا بكل تلك السُمعة لِمَ لَمْ يحاول أن يغير من واقعه شيئاً. وكيف حاصره الموت في ذلك المكان المهجور العفن. إذا هل صحيحا ما قاله إنهم كانوا يقصدونه هو بالذات: ليشنو "لماذا"؟
لأي مدى يمكن الاستفادة منه في مشروع التحري؟ عندما مشي على قدميه، بعد أسبوع بأكمله حيث لاحظنا انه يمشي بعرج طفيف نتيجة لقصر في رجله اليسرى، لاحظنا أيضا انه أطول بقليل مما رأيناه في بادئ الأمر وأكثر نحافة، بجسده ندبٌ صغيرةٌ، جروح متعددةٌ مبعثرةٌ في وجهه و كتفيه. لكنه تحدث بفصاحة قبل ان يتمكن من المشي بأيام كثيرات، اقصد منذ اليوم الأول حيث أنه استطاع أن يثرثر ببراعة مع أمي وباءت محاولاته بالفشل على إقناعها بأنها مريضة نتيجة عمل شرير فُعل بها، وانه "فكي" عالج ويعالج المرضى عن طريق القرءان ورتل عليها سورة يس من ذاكرته. أمي، أنا وبُقا كنا نعرف انه إنما يريد ان يقدم شيئا لنا ولأمي بالذات مقابل رعايتها المتفردة له، لم ينج أيضا من تهمة التكسب. أمي تفعل كل شيء بحب، تقول إنها لا تقوم بعمل أي شيء ما لم تشعر بالحب.
تمشى قليلا، احتسى قهوة طيبة صنعتها له أمي. قال وهو يضغط بكفة يده اليسرى، على عنقه النحيف الذي تغطيه شُعيرات الذقن الكثة. إنه يريد أن يقول لنا الحقيقة وراء حياته. لقد كذب علينا في بادئ الأمر، وحكي لنا حكايات سمعها من بعضهم وهي الحكايات الرسمية وراء كل متشرد، يحكونها للشرطين وللقضاء إذا مثلوا أمامهم في محكمة، للباحثين الاجتماعين وموظفي المنظمات العاملة في المجال. أنا بخاف من الناس، لكن:
- انتوا ناس طيبين انقذتوا حياتي.
أنجبته أمه على مسطبة خلف بمباني السينما الوطنية بالخرطوم بحري قبل ما لا يقل عن ثمانية وعشرين عاماً، وهذا بالتخمين. بعد انتهاء العرض السينمائي بقليل. قبل أن يغادر رواد السينما شارع السيد علي الميرغني، لقد شهد ميلاده مئات الأفراد. كان ميلاداً طليقاً وحراً. على الهواء مباشرة. تماما مثيل ميلاد الحملان. تبرع ممرض رحيم- كان قد صحب حبيبته الجميلة للسينما عرضا في هذا اليوم- بقطع حبل السُرة والتخلص من الملحقات المصاحبة للولادة. أرضعتني أمي في الفور. هكذا كانت تقول له دائما: أنت مولود جيعان. حتى آخر مرة رآها فيها، كانت تكرر له نفس الجملة، وسيظل جائعا طوال عمره لأن كلباً ضالاً قد أكل المشيمة خاصته. خطفها من قرب أمه الدائخة التي كانت تنوي ان تقوم بدفنها عند باب السينما متى ما فاقت من خدر الولادة. على الرغم من أن انه كان أول المواليد، إلا أن أمه في ذلك الوقت عمرها اثنا عشرة أو ثلاثة عشر عاما لكنه يصر على أن عمرها كان ثمانية سنوات أو اقل. دكتورة مريم أكدت لنا إنَّ ذلك مستحيلا لأسباب علمية. حيث إنّ الرحم لا يكون قد اكتمل عند الثامنة. الشيء الآخر والأهم هو من عرفه أن أمه كانت في الثامنة؟ كيف عرفتْ أنها في الثامنة؟ لقد شاهد بأم عينيه طفلات صغيرات في اقل من الثامنة من عمرهن يمارسن الجنس في الأوكار ومجاري مياه الخريف باستمتاع، بل يمتهن الدعارة ويكسبن منها الكثير وإنهن يحبلن ويلدن ويرضعن أطفالهن، هو نفسه قد مارس الجنس مع بعضهن، ليلا نهارا، في الأجحار والأوكار وقارعة الأزقة الخالية من المارة في منتصف الليالي المظلمة، أينما اتفق وصادف ان اختلى بواحدة منهن. لقد حكي لنا فيما بعد إنَّ أمه ذاتها وُلدت في إحدى شوارع أم درمان من أم طفلة، أنجبتها ثم ماتت مباشرة بعد ميلادها. وهذا قضاء وقدر لا أكثر. إذاً، من عَرَّفَها بتأريخ ميلادها. ولو أنَّ هذا المنطق أيضاً يمكن الرد عليه وتفنيده بكل بسهولة. تربي في كل الشوارع بدون فرز. يعرف كل الأمكنة بالعاصمة ذات المدن الثلاث بأسمائها، يحفظ تاريخ كل مبني، حديقة، حفرة، وكوشة بل يستطيع أن يقول إنَّ أول مالك عربة في الشارع الفلاني كان اسمه فلان الفلاني. هذا الرجل النحيل الطويل ذاكرة للمكان لا يُسْتَهان بها. ثم حدثنا قائلا:
- أنا أول زول باع الإسبرت في الخرطوم للشباب. وحياتي ما شربتهُ. قلبي أباه كُلو كُلو "نهائيا" ريحتو بتعمل لي طُمَامْ. أنا لا أدخن ولا بشم ولا بسكر بس لو ربنا هداني من الشُغُل داك. تاني ما عندي مُشكلة.
سألته مستفسرة
- الشُغُل دَاكْ شُنُو؟
قال دون إحراج وهو يبتسم و ينظر إليَّ في وقاحة.
- اللقو.
و اللقوية هي كل ما يُمكن أن يُمَارَسْ معه الجنس وتُطلق على المذكر والمؤنث. على امرأة، رجل، أو حيوان. وهي مفردة شائعة في لغة المتشردين المُسماة بالرندوك. ويستخدمها أيضا أنصاف المتشردين وبعض العاملين في الأسواق والمهن الهامشية ونحن الناشطين مع المتشردين.
قال إنه حفظ كل الذي حفظهُ من القرءان من صلاة الجمعة وبعض القراء العرضيين الذين يتواجدون بين هنا وهنالك، يقرؤون القرءان و ينتظرون الناس ان يضعون في مواعين فارغة أمامهم بعض المال، مال يتراكم يوما بيوم إلى ان يصبح في يد البعض ثروة طائلة:
- في واحد بني بيت وعنده عشرين ركشة.
كان بإمكانه ان يصير شحاذا من تلك الفئة القرءانية التي تثري بسرعة. إلا انه لا يمكنه ان يكون طاهرا طوال الوقت، و القرءان يحتاج لطهارة. اعترف فيما بعد انه عمل في مهنة شحاذ قارئ للقرءان لما يقارب الشهرين على أسوار الجامع الكبير بالخرطوم، لكنه أصيب باللعنة وبدأ جسده يصدر رائحة أشبه ببول الكلب، كبر القمل برأسه حتى أصبح في حجم الصراصير، قد بصق في مرات كثيرة ديدان كبيرة في حجم الأصبع من فمه، واقسم ان ثعبانا حيا خرج من دبره. عرف ان ذلك حدث له لأنه كان يتلو القرءان في نجاسة، وهو لا يستطيع ان يتحكم في أمر نجاسته، لأنه لا يستطيع التحكم في ممارساته الجنسية الضالة، في اعترافه المشين للسمعة الإنسانية، قال: إنه يمارس الجنس مع كل الأنواع، نساء ورجالا، أطفالا وطفلات وبعض الحيوانات الأليفة مثل الكلاب والمواشي، قد لخص عبد الباقي ذلك قائلاً: مع كل ذي دبر.
كان يستطيع أن يحفظ كل ما يسمعه دون أن يعرف ماذا يعني ذلك. عن ظهر قلب. واختبرناه. أخذ يكرر لنا كلاماً علمياً قالته دكتورة مريم- بنسبة ثمانين بالمائة- وكأنه مُحاضِراً جامعياً في عِلِم الأحياءْ الدقيقة. أو ببغاءً آدمياً كبيراً. اسمعنا من الذاكرة مباشرة-هو لا يقرا ولا يكتب- خطبة صلاة جمعة كاملة. كنا نكتشف فيه شخصيةً غريبةً ومدهشةً. لإنسان إذا كان قد وجد قليلا من الرعاية والإرشاد النفسي، لأصبح اليوم شخصية مختلفة. على الأقل فقيه ديني أو كما قالت دكتورة مريم : خطيباً سياسياً ماهراً.أضافتْ: إن هذا الفكي قد يكون ذكيا جداً أو في غاية الغباء، من يدري. ابتدرنا الحوار في موضوع الأسبرت، ونحن قد تعبنا من حكاية بطولاته التافهة، التي نعتبرها نحن غير إنسانية وفي غاية الوحشية والقرف
مصادر الأسبرت " الأثينول" كثيرة ومتعددة. قال أهمها
- دكاكين تركيب العطور.
قال له بُقا مؤكداً.
- نعرف هذا المصدر.
قال وهو ينظر في عمق عيني بقا، وفي فمه ابتسامة مربكة.
- ستات العرقي.
قال له بُقا
- نعرفهم برضو.
قال: الأسطى.
- من هو الأسطى؟
- اسمه الأسطى.
- وتاني؟
- ما عنده اسم.
- وتاني.
قال: الصُياغ بتاعين الدهب والفضة.
- وتاني؟
قال: أمي.
- أمك؟
- ايوا. أمي. يجيبهُ ليها الأسطى براو " بنفسه ".
- وتاني.
قال ضاحكا: أنا.
كان يبتسم كثيرا. بصورة حسبناها في بادئ الأمر مَرَضِيَّة.لكننا قليلاً قليلاً تعودنا عليها وفهمنا أنها ليست سوي حيلة لتلطيف اللغة الخشنة التي يعبر بها عن الأشياء. يحب أن يتحدث عن كل شيء. يخاف من شيئين الموت والشرطة. وهو في ذلك مثلنا جميعاً. إلا انه اعترف لنا طواعية بجريمتي قتل قام بهما وعشرات جرائم الاغتصاب. وهو لا يسميها اغتصاب بل يطلق عليها سيطرة. وقال إنها سُنة الحياة:
- راكبْ أو مركوبْ.
في الحقيقة استخدم الفكي كلمتين بذيئتين تافهتين وهما "ظاعط أو مظعوط" لكننا استبدلناهما بتلك الكلمتين المحترمتين مراعاة منا للذوق العام وحساسية المصنفات الأدبية المفرطة وخصوصية الشعوب الرسالية الطيبة، مثل شعبنا السوداني. على كلٍ، الفكي يفضل أن يكون الأول لكن في ظروف كثيرة في هذه الشوارع اللعينة المظلمة وخاصة في صباه الباكر كثيرا ما كان الثاني:
- و المُشْكِلة شُنُو؟؟
والآن يبدو أننا تعرفنا على خمسين مصدرا للميثانول والأثينول في المدن الثلاث. الخرطوم، بحري وأم درمان. والفكرة الحكيمة التي أتت بها أمي هي أن نصطحب الفكي معنا لنرى أمه ونتحدث معها بشأن الأسطى. من اسمه يبدو انه ذو أهمية بالغة، وظننا انه مفتاح اللُغزْ. بعد أن اشترينا له ملابس جديدة وحذاء جديدا جميلا. أخذناه للحلاق الذي قام بإزالة شعر ذقنه ورأسه كله حتى ينمو له آخر خالي من بيض القمل والبراغيث، وحف شاربيه بعد لأي، فالشاربان دليل الرجولة. قام بنفسه بنظافة جسده الشخصية. تعطر جيداً وخرجنا. كان يمشي بسرعة أمامنا. وهو يتحسس ملابسه من وقت لآخر. يبتسم لنا ابتسامته المريبة تلك. عبرنا أزقة كثيرة في سوق أمدرمان. كان يتوقف فجأة عندما نمر بمزبلة كبيرة. وكم مرة منعه بُقْا من تناول بعض المرميات على الأرض. كان يقول إنه يفعل ذلك دون شعور منه. وإن رائحة المزبلة تجذبه إليها. للمزبلة رائحة متميزة ورحيمة. أستطيع أن أشم من بعد كاف رائحة ما يُمكن أكله وهو مرمي بإهمال في كومة الأوساخ. لولا هذه المزابل الرحيمة لماتت أمم من البشر. كنت أتوقع أن تقع عيني علي أمه بين وقت لآخر. في ركن ما. في زاوية ما من الطريق. لكنني لم انتبه على انه لا يوجد متشردون في الشوارع. أمدرمان في هذه الأيام أصبحت مثل مدينة فاضلة. خالية من الشحاذين، المتشردين والمتسكعين الكثيرين. الذين كانت تذخر بهم وتجمل وجهها الفقير الخشن بسحنتهم البائسة، في حقيقة الأمر المدينة نفسها مثل متشرد مهمل فاقدا الرعاية الأسرية بائلا في نفسه متبولا على غيره مخبولا وأعمى. أخذتُ أحس بالخوف الفعلي. ولجنا ممراً مظلما أو يكاد أن يكون كذلك، يقع خلف سوق أم درمان، عند زقاق المباول العامة، كانت رائحة المكان لا تُطاق، تحتلها أنفاس الفضلات الآدمية والحيوانات النافقة التي تُرى ما بين هنا وهنالك. أمام مجري مائي شبه مغلق، طلب منا أن نتوقف و نتركه يذهب وحده. قلنا له عليه ألا يخشى شيئا من جانبنا. قال إنهم يخشون. كما إننا الآن جنب المكان. جلسنا على الأرض كما طلب منا. لكي لا نُرى منذ الوهلة الأولى. تقدم بضعة خطوات ثم أطلق صفيرا ناعما ثلاث مرات وصمت. بعد دقيقة أو أكثر أو اقل. سمعنا صفيرا أخر ثم رد الفكي بصفير. فانفتح غطاء مجرى لتصريف مياه الأمطار وخرج منه طفلان صغيران أشعثان عاريان تماما كأنهما إبليسين صغيرين من رسومات الفنان الأسباني بُول كلي. جريا نحو الفكي وتشعبطا في يديه الطويلتين. قال مبتسماً:
- ديل أولادي. حسكا وجلجل.
لم نسأله أيهما حسكا وأيهما جلجل. فلقد كانا يشبهان بعضهما البعض مثل عملتين من فئة واحدة.
بعد قليل خرجت شيطانه كثة الشعر. بل لها شعر طويل يصل إلى منتصف ظهرها. متسخ وملتف على ذاته. لونها يميل للصفرة. صغيرة عجفاء مثل جرو أجرب جائع. قفزت مباشرة في كتف الفكي الطويل. باسها في وجهها المتسخ قائلاً لنا:
- دي بتي نونو.
نظرت إليه باستغراب أو إعجاب. أو ربما بتساؤل ثم عضته في عنقه النظيف المعطر. بشدة. صرخ في صوت قبيح مرح
- حبوبتكم جِريوة وين يا عيال الكلب؟
قال الطفلان معا في آن واحد: اتلحست "ماتت".
ثم أضافت نونو بصوت خمير
- دَقَستْ واتلحستْ. شالوها الإرا "البوليس" ميتة يوم الجمعة.
لم يظهر على وجهه النظيف أي اثر للحزن، الصدمة أو المفاجأة، وكأنه سمع نشرة أخبار الأرصاد الجوى التي لا يفهم فيها شيئاً.
قلت له معزية : البركة فيكم.
وتقبل التعازي من الجميع. لم يبك. لكنه أخذ يحزن تدريجيا في صمت قاتل، أو كما ظننت. لم يسال عن شيء. مضي و أبناءه معلقين على كتفيه و ظهره. مَرَّ أمامنا ونحن جالسين كأننا لم نكن هنالك. خرج من الزقاق. خرجنا خلفه. كان منظراً غريباً وشاذا. رجل يرتدي ملابس جميلة جديدة زاهية. نظيف حليق الرأس، الذقن والشارب. يفوح من بين جوانبه عطر hope.على ظهره وكتفيه أطفال في غاية الاتساخ والبشاعة. يصيحون مثل دجاجات بلدية شَممت فُسَاءَ ثعلبٍ. اثنان عاريان تماما. صبيةٌ تلبس ما لا يستر ولا يعري، مِزَقاً شديدة الاتساخ بها عفونة جثة قط نافق منذ أسبوع، شعرها الكث الغريب يغطي كثيرا من عريها. وقبل أن ينتبه إليهم من يمكن أن يؤلمهم. قمنا بحشرهم في عربة أجرة. انطلقنا نحو منزلنا في الخرطوم بحري، احتج كثيرا سائق العربة على الروائح التي لا تطاق، وكان يمضي في الشوارع بسرعة عالية، يريد ان يتخلص من شحنته بأسرع ما يمكن، كما انه لم يستطع ان يخفي جنون حب الاستطلاع عنده، وكان يسأل كلما وجد فرصة لذلك، ماذا نريد ان نفعل بهم، إلى أين نأخذهم، وهل نحن جهة حكومية أم منظمة، هل سمعنا بقصة الأطفال الذين ماتوا بالأسبرت، هو شاهد جثتين قبل يومين في زقاق في السوق الشعبي بأم درمان، رآهم في الصباح الباكر وهو في طريقه لترحيل بعض بائعات الشاي. علم بعد ذلك ان الجهات المسئولة كانت تجمع جثثهم بشاحنات الأوساخ، من الأزقة، المجاري والشوارع الجانبية، تأخذهم ليدفنوا بعيدا في الصحراء شمال أم درمان. أضاف بما يعني إنهم ليسو سوي أوساخ وهو يشجع على التخلص منهم بأية صورة كانت، وهاهو الله قد خلصنا منهم بنفسه، أرسل إليهم من يسقيهم الاسبرت المسموم. كان ثرثارا، لذا قررت ألا أدعه ينزلنا عند المنزل، لكن على بعد شارع من الزقاق الذي نقيم فيه، همست لعبد الباقي بذلك. أفرغت أمي أمعائها مرتين، قبل ان ينعطف بنا سائق سيارة الأجرة الصغيرة الثرثار ناحية سينما حلفايا، حيث أوقفه عبد الباقي. أعطيناه ما اتفقنا عليه من نقود، وتوقفنا في مكاننا إلى ان اختفت العربة عن الأنظار تماما، من ثم هرولنا بهم ناحية منزلنا الذي لا يبعد كثيرا. وسط أعين المارة المتطفلة المشحونة بالأسئلة التي لا إجابات لها في غير حجرات التحري المخيفة في مخافر الشَرَطة، أو أمكنة أخرى أكثر رعباً. تركنا أمي تفرغ ما تبقى من أمعائها عند قارعة الطريق، معطية ظهرها للإسفلت ووجهها لحائط السينما العجوز المغلقة، المهجورة التي هي الآن احدي اوجار اللصوص وملا جيء المتشردين، غير الآمنة، بعد ان انتهى عصر السينما والرفاهية، وفشل مشروع الاستنارة القومي

خالد محجوب محي الدين
10-21-2013, 04:46 AM
انحراف البنت
هل الرجل انتهازي بطبعة أم المرأة لم تسطع ان تفهمه كما يجب. أم العكس ان المرأة هي الانتهازية، والرجل ليس سوى كائن دائما ما يصعب عليه فهم المرأة. لكن في الأمر انتهازي من جهة ما، هو ام هي. هذا ما أنا متأكدة منه تماما ليست لدي تجربة كبيرة في الحياة تمكنني من إطلاق أحكام نهائية على الظواهر. لكن كما تقول أمي إن وعي المرأة دائما ما يسبق عمرها. وكل النساء خبيرات في الحياة. وإلا لما استطعن ان ينجبن الرجال، يربينهم ويزوجونهم أيضا. أمي دائما لها أراء حادة في هذا الأمر، لقد قلت في مكان ما من هذه القصة أنني أحب عبد الباقي، وأنني أريد ان أنجب منه أطفالا أو طفلا. لكن الشيء المحبط الذي لم أتطرق إليه هو ان عبد الباقي يعتبر ان الحب هو الغاية النهائية، ولا علاقة للزواج به، والأسوأ انه يعتبر ان كل حبيبة تفكر في الزواج أنها شخصية منحرفة،أو بدأت تنجرف في تيار الانحراف، فكيف لشخص ان يسعى لما هو أفضل تاركا خلفه ما هو أجمل وأبقى. اعرف ان هذا ما يسميه البعض الانتهازية، أنا مثل أمي، اسميه التهرب من الذهاب بالعلاقات الإنسانية الجميلة إلى نهاياتها السعيدة المرجوة. وهذه النهايات ليست الزواج فحسب، هذا الاسم البرجوازي البغيض، لكن ان يعيش الشخصان معا وينجبان أطفالا يربيانهم تربية خيرة، لكن كيف يتم ذلك في غير المؤسسة الزواجية التقليدية التي يعود لها الفضل في التقليل من عدد المتشردين والأطفال الذين خارج الرعاية الأسرية، وهي أيضا المتسبب الأكبر- من جهة أخرى- في الزيادة الكبيرة في تعدادهم، نتحدث عن الفقر، الجهل، المرض، الأطفال غير المخطط لإنجابهم، ولو ان الرافد الأساسي في السودان للمتشردين هو الحرب وسلم ما بعد الحرب، وهو ما يسميه كاتب مخبول"جثة الحرب". عبد الباقي لا بدائل لديه، دعونا نسمع عبد الباقي معبرا عن نفسه،هذه مساحة إبداعية إنسانية نعطيها لعبد الباقي ليقول ما يشاء قوله لأنه يستطيع ان يعبر عن حاله أكثر مني كراوية أنثى:
المرأة مثل أغنية جميلة لا تكتفي من الاستماع إليها مرة واحدة. وهي مثل البحر مجهولة الأعماق ومثل الطائر لا يطمئن للهواء والشجرة معاً، يطمئن فقط لجناحيه. ستبدو أفكاري غريبة بعض الشيء، متناقضة بعض الشيء، أولا بالنسبة لرجل متزوج ويقيم علاقات خارج المؤسسة الزواجية، بل يحب بعمق، الشيء الذي سوف لا تجدون وسيلة لفهمه هو إنني أحب زوجتي وأحب سلوى، هما سيدتان جميلتان، وطيبتان، المشكلة الفعلية في المؤسسة ذاتها. بالتأكيد ستقولون "إن العامل الفاشل يلوم أدواته". وأنا افعل، لأن الحبيبة بعد العقد تتحول إلى امرأة تمتلك رجلاً، والرجل يتحول إلى أب يمتلك امرأة، أب بكل رموزه الشنيعة ويعمل الاثنان لهدم المشروع بارتباطهما القوي به. عندما أنجبت زوجتي أطفالي الأربعة، صرت أحب أطفالي أكثر وهي أيضا كانت تحب أطفالها، و افتقدنا معاً الحبيب والحبيبة. وهذا تبرير مثالي و نفعي، لكنه يذهب كثيرا في عمق الحقيقة، يفتش عنها بوضوح: وأنت أمام الحقيقة مثل جرذ اعمي تشمم طريقك إليها ولا تراها، حتى إذا لا مس جلدك جلدها، وملأتَ خياشيمَك الفأريةِ بعبق إبطها الحنون، تظل غريبا عنها. كنت واضحاً معكِ منذ اللحظة الأولى التي التقينا فيها وقررنا ان نعيش كحبيبين: أنا متزوج، زوجتي طيبة جميلة، أحبها. لديَّ أربعة أطفال، بنتان وولدان. وأخبرتِني أنتِ أيضاً بأنك تحبين حسن إدريس، وحدثتني عن كل شيء حدث بينكما، وكيف انه وقف موقفا مخذيا تجاهك، وانه كاد ان يقتلك عندما علم بأنك حبلى، فأجهضك قسراً في شهرك الأول. على الرغم من أنكما افترقتما منذ سنة كاملة وانه قد تزوج قبل شهر من لقائنا، إلا انك ما كنت تدرين هل تسامحينه أم تكرهينه أم انك مازلت تغرمين به. و كنت أيضا لا تدرين هل ستعشقينني في يومٍ ما أم لا: قد أتعلم كيف احبك إذا تجاوزت بعض الجراح. هي طريقتك المراوغة في الكلام والعاطفة. فلم نستطع ان نسمي تلك العاطفة العنيفة التي جمعتنا معاً وتركنا كل شيء لما تأتي به الأيام وكان هذا ما يعجبني فيك، لم أمارس الجنس مع زوجتي منذ اليوم الذي عرفتك فيه، ليس لأنني اكتفي بك فحسب لكنني لا اعرف الكذب الجسدي، أو ان جسدي هو الذي لا يعرف الكذب البشري. والجنس والحب كلاهما، خيال مثل الجسد، لا يمكن للثلاثة ان يتشكلوا كعنصر مادي واحد دائم، إلا عندما ينتجوا الأطفال وهذا هو سر تحول الحب إلى الأطفال وترك المؤسسة الزواجية خاوية على عروشها المتهالكة في الأصل تندب حظها. لقد جمع بيننا الأطفال المتشردون أكثر مما يجمع بيننا أي شيء آخر الحب على سبيل المثال، كنا نظن ومازلنا بأننا نستطيع ان نفعل شيئا من اجلهم ولو من اجل طفل واحد لا غير شيئاً فعلياً ملموساً، شيئا يشبع رغبة الانتماء فينا للإنسانية. ليس لمجرد انك خلقت بهذه الهيئة البهية قد توجت إنسانا، كنت تقولين لي، لكن لأنك نلت إنسانيتك بكل جدارة عن طريق سعيك الدءوب للانتماء الفعلي للبشرية وهذا ما يجب وما يكون. المتشردون هم قضيتنا وسُلُمنا للإنسان، البعض يعمل في مجال السياسة أو الأدب، البعض في معامل العلم التطبيقي أو النظري، قد يحمل سلاحاً ويخوض معركته الفعلية ضد الظالمين. البعض يبحث عن كينونته الإنسانية في الحب، وذلك مثل أمك وجُبْران خليل جُبْران. البعض في الشعر والفنون الأخرى مثل الجسد وآخرون في الروح. عم سيف سمعريت يفعل ذلك ببساطة أكثر انه يعمل وسيطا ما بين المعرفة والباحث عنها. البعض يقدم نفسه أنموذجا للسلوك المنفلت مثل عثمان بُشرى، احمد ذكي، زهرة بت إبليس، رامبو وآخرون. كل تلك منافذ للولوج عبر ثقب إبرة الإنسانية التي تسع الجميع: المشاركة في الحياة و الهم الوجودي.أنا أحب ان أثرثر لأنني لا اعرف ان اعبر عن نفسي بطرق أخرى. وها هي سلوى تورطني بالكتابة كما ورطتني بالحب من قبل، وها انتم تجدون كتابتي همومَ مثقفٍ أكثر منها فقرة في رواية أُرِيدَ مني ان أكون أحد كاتبيها.
عبد الباقي يتهرب من التعبير عن نفسه، وكنت قد أتحت له فرصة ذلك كتابة، فهو يعرف كيف يفعل الأشياء بقلمه، لكن لا بأس، في الحق كنت مكتفيه به، لأسباب كثيرة، أولها مثلي مثل كثيرات لا أحب تعدد العلاقات، أحب ان أعطي نفسي لرجل واحد فقط وهو الذي ارتبط معه في علاقة، وطالما كانت هذه العلاقة مستمرة والشيء الآخر صعوبة الدخول في علاقة أخري مع رجل، فعملية اختيار الشخص المناسب الذي يحرك في البنت أحاسيسها ومشاعرها، يُرقِصْ جسدها ترقبا ويحافظ على سرها وعليها، عملية تصير أكثر صعوبة يوما بعد يوم، وكلما مرت البنت بتجربة مريرة كانت أكثر حرصاً في التجارب اللاحقة، إلا إذا شاءت الواحدة منا ان تعطي نفسها للآخر كيفما اتفق، ولا احد يستطيع ان يخدعها أو يكذب عليها، عكس ما تعتقده أمي، فالبنت تعرف ما تريد ولا تفعل إلا ما ترغب فيه حقيقة، ومثلنا مثل الآخر، نحن نبحث عن المتعة الجسدية، نعم نريدها بشروطنا الخاصة، قد نفشل كثيرا، قد ننجح قد نتنازل عن هذه الشروط أو عن بعضها بكامل وعينا وإرادتنا. عبد الباقي يعرف ذلك ويفهمه، لكنه أيضا يريد ان يفعل الأشياء وفقا لشروطه هو الخاصة، ولا ضير في ذلك، أنا قررت ان شروطه الخاصة لا تتوافق مع شروطي الخاصة، أنا أريد زوجا وأطفالا- تريدهم أمي أكثر- وأريد بيتا صغيرا أم كبيرا، اقصد مملكة برجوازية خاصة، وشرط هذا البيت الأطفال وليس الرجل، أستطيع ان أدير بيتي وحدي، وانشأ أطفالي كما أشاء، كل ما يجعل الرجل مهما في هذه المملكة هو الطقس الاجتماعي، وفوضي القوانين والموروثات الاجتماعية، اعرف مئات النساء اللائي رغم ذلك كله تخلين عن الزوج، إما انه مات، أو طلقهن أو طلقنه أو هجرنهن وتزوج من أخريات، واستطعن ان يقدن حياتهن كأجمل ما يكون: بغير طلته الخشنة البهية.
عندما يقرأ عبد الباقي ذلك سيحكي لي قصة القط الذي لم يستطع ان يتحصل على اللحم المعلق في سقف البيت، الذي يغويه بعبقه المثير، فشتمه بأنه سيء الرائحة، طاردا الهواء من انفه: أُفوووووووو.
انك لم تكذب لكنك أيضا لم تقل الحقيقة في شأن زوجتك، فكانت زوجته قبيحة مثيرة للمشاكل، لئيمة مزعجة، لا ادري كيف قال إنه يحبها، هذه ليست غيرة مني عليها، لكن الحقيقة عينها، هي قريبته، كان يحب في الجامعة احدي زميلاته، لكنه عندما أراد ان يتزوج تزوج بنت عمته، هي "فصامية ذكورية" متأصلة، يظن الكثير من الرجال الفصاميين ان قريباتهم لا يفعلن كل ما يفعله هو مع الفتيات الأخريات، وينسون ان قريباتهم هن حبيبات، عشيقات وخليلات آخرين مثلهم، قد يؤدين دورهن في العشق بغاية الحميمية والصدق الجسدي والروحي أيضا. بُقا ليس من ذلك النوع التائه في بُحيرات العسل الأخلاقي، علي الأقل معي. فهو يحترم ويقدر كل ما يجري بيننا، لا اعرف لِمَ لَمْ يتزوج حبيبته الأولى، لكن عليَّ ان اصدق ما قاله هو: أمها لا تريدها ان تتزوج من "رطاني" وتقصد شخص لديه لغة محلية أخرى غير العربية، طبعا لا توجد إشكاليات إذا كانت لغته الأم الإنجليزية أو الفرنسية على سبيل المثال.علي الرغم من أنهما من مدينة واحدة، وإقليم واحد و في الواقع من اصل واحد، كلما في الأمر ان مجموعتها القبلية اُسْتعربت قبل خاصته ببضعة مئات من السنوات قلائل، حوالي مائتين سنة قبل قيام السلطنة الزرقاء، واستعارت اللغة العربية كلغة أم. حبيبي الأول كان شخصاً اقل ما يوصف به جبان، ولم تكن تمنعه من الزواج بي أية سلطة اجتماعية آو ادعاء نقاء عرقي أو أية من تلك الإشكالات الفظيعة، كان همه – للأسف عرفت ذلك مؤخرا- ان يتزوج فتاة لها بشرة- يا حبذا إذا كانت- بيضاء وطالما يستحيل ذلك في السودان فصفراء فاقع لونها، كان يرى في الأوروبيات تمثيلا للجمال المتناهي في تمام اكتماله، لا ادري لماذا لم انتبه لذلك عندما كان يقول لي: لم يخلقنا الله إلا كومبارس لنيكول كيدمان. كنت أظنه يلهو أو في أسوا الأحوال يحاول أثارت غيرتي. انتهي به الطواف إلى الزواج من حورية فاتنة، حمراء البشرة وهي أخت احد أصدقائه، وصديقتي بصورة أو بأخرى. كانت قد تحولت إلي بيضاء عندما رآها في المركز الثقافي الفرنسي، عندما تزوجها كانت شديدة البياض، وبإمكانه ان يرى الدم يجري في شرايينها، لها أرداف حقيقية مدورة كبيرة، لم يلاحظها طوال فترة الخطوبة، على الرغم من أنهما مارسا الجنس مرارا، لها نهدان شاهقان أثارا إعجابه، هما لم يكونا هنالك من قبل بالفعل، الذين يعرفونها قديما تحدثوا عن عروس أخرى لها بعض ملامح خطيبته السابقة، عندما بدأت تنجب له الأطفال، أخذت بشرتها تتقشر، وظهر على مواقع حساسة من جلدها طفح قبيح، فنصحها طبيب جلدية استشارته، بعدم استخدام المراهم الكيميائية التي تبيض بشرتها عن طريقها، لأنها قد تُصاب بفشل كلوي حاد أو سرطان البشرة أو الاثنان معا. ولأنها لم تستطع ان تعود للونها الأول الطبيعي وكان جميلا وناصعاً، وليس بإمكانها مواصلة استخدام المراهم الكيميائية، لتظل ببشرتها البيضاء التي شاهدها بها إدريس في المركز الثقافي الفرنسي قبل سنوات كثيرة، وأعجب بها، فقد أخذت تذبل بسرعة، بل تنحدر انحدارا بليغا نحو هوة الياس والأحزان. وبدأت مرحلة جديدة في حياتها الزوجية، تتسم بالشجار اليومي بل والضرب في كثير من الأحيان، ولم يكن السبب لونها لكن لمشاكل اجتماعية أكثر تعقيداً.
كلما تمعنت في غابة التعقيدات التي تعيشها البنت يوميا، وما يجب ان تكون عليه، وما لا يجب دون المراعاة لها هي ككائن له خياراته، اثمن كلمات أمي ووصاياها لي، قد تبدو دكتاتورية بل وساذجة في أحيان كثيرة، إلا أنها لم تكن دائما في الجانب الخطأ مئة بالمائة، إذا كيف لي ان أوازن ما بين رغباتي ورغبات الآخر وتصوري للمستقبل؟
لم يوضح لي الفكرة إطلاقاً، كنت لآخر لقاء معه اتفقنا على ان نحتفظ بالطفل وان نتزوج وان نخبر أمي بشان الزواج في أقرب وقت ممكن. وكنت سعيدة جدا به، قد اظهر لي ما يمكن تفسيره بأنه أيضاً في غاية السعادة، ولو انه بدا يكثر من شرب العرق بصورة لا يمكن تبريرها بغير الشعور بالإحباط والقلق، وأصرَّ على ان يسقيني بعضا منه، لكني رفضت، فانا في شهري الأول وعلى ان أكون حريصة على صحة طفلي. كان شخصا طويلا يتمتع بصحة جيدة، وسيماً وهادئا، قليل الكلام ويهتم بمظهرة وأناقته بصورة جيدة، ولا يملك الآخر إلا ان يفترض فيه حسن النية، ولو انه أصيب بمرض السكر قبل سنتين أو أكثر إلا انه يمتلك طاقة كبيرة ينفقها في العمل عند شركة الصرف الصحي الخاصة التي يعمل بها وفي لعب الكتشينة وشرب الخمر مع أصدقائه. كالعادة عندما نرغب في البقاء معا ليوم أو أيام، أعلن لأمي بأنني أسافر في رحلة عمل لمدينة قريبة أو بعيدة، وهي غالبا ما لا تمانع وشرطها الوحيد ان اتصل بها كثيرا لأطمئنها باني حية ارزق وتزودني بجملة واحدة: اعملي حسابك من أولاد وبنات الحرام، وهي لا تدري بأنني أكبر بنت حرام أنجبتها هي نفسها، وكان يؤلمني كثيرا، أنها لا تعرف ذلك.
استيقظ مبكرا، كنا ننام في سرير واحد كبير من خشب الموسك الناعم البني، لم انم جيدا الليلة الماضية لقلق ينتابني بين حين وآخر من أجل أمي التي تركتها وحيدة في البيت وبشأن الطفل الذي يتشكل الآن فيَّ، وهي لا تعلم عنه شيئا، أول ما تفعله أمي إذا عرفت، فإنها ستقوم بشيء واحد، ببساطة وبدون أية تفكير أو رحمة: تقتلني.
أنا اعرف أمي تماما، من أي نوع من البشر هي. أخذ زجاجة العرق من تحت السرير، مسح عليها بكفيه، تناول كوبا صغيرا فارغا، كان قد استخدمه بالأمس، نظر في عمقه باحثا عن أوساخ أو ما يقنعه على غسله، صب عليه ما تبقى من الخمر، قربه من انفه، استنشق رائحته لبعض الوقت، ثم ابتلعه في جرعة واحدة. صر وجهه، مدَّ شفتيه إلى الأمام فيما لو انه يجعل منهما مدخنة بشرية لخروج غازات حارقة من جوفه، تجشأ ثم، بصق على الأرض في قرف، قال لي
- نحنا ما عايزين الفي بطنك دا.
قلت له
- أنت ومنو؟
قال وهو يحملق في عيني
- أنا و أنت.
قلت له بتحد و إصرار
- أنا عايزاه.
قال ببرود وقلق
- لا يمكننا نتزوج، أنا ما جاهز للعرس، ولا عندي إمكانية لفتح بيت.
شرحت له، للمرة العاشرة، حيث كان دائما ما يكرر هذه الجملة البائسة، البليدة
- العرس لا يحتاج لشيء سوى عقد، وأنت عندك بيت ولا ينقصك شيء، أنا ما عايزه منك غير العقد وارحل معاك في نفس اليوم. وكنا اتفقنا قبل أيام، مش كدا، و ناقشنا الموضوع دا؟
تحدث كثيرا عن إمكانياته في إعالة أسرة، وانه الآن يتكفل برعاية أيتام كثر بالإضافة إلى أبناء وبنات أختيه المطلقتين واللتان لا تعملان، وقال ما لا أتذكره عن أمه و أبيه، و أظنه ذكر شيئا عن جار ما، أو جارة ما، لكنني أتذكر تماما انه عندما توقف عن الكلام، هجم عليَّ، صعد على بطني بكامل ثقله، كان يضربني بصورة عشوائية في صدري وكليتي وتحت السُرة بخوف ورعب شديدين، وهو في حالة أشبه بالجنون. كان يردد بأنني ورطته في هذا الحمل المشئوم من اجل ان اجبره على ان يتزوجني، وانه سوف لا يفعل ذلك مطلقا، وعلي ان أجهض الآن. قد شتمني أيضا واصفا إياي بالداعرة والخبيثة. إلى ان أُغمي عليَّ، نزفت في ذلك اليوم دما كثيراً، وكدت ان أموت لولا انه تصرف أخيراً، أتى لي بدكتورة مريم بنت خالته، تلك السيدة الرحيمة الجميلة، فأنقذت حياتي. لا ادري أي شيطان رجيم جمعني بهذا المخلوق الغريب، اكتب الآن وأحس بجيش من النمل يسرح على جلدي، إحساس ما بين الخوف، الجنون والنجاة، إحساس لا يمكن وصفه، لكنه يحيل لي صورته في شكل مخلوق آدمي له منقار أشبه بحقنة، وبطن منتفخة محشوة بالدم المتخثر، رغم ذلك اسأل نفسي كثيرا: هل أنا اكرهه؟ أنا امقته، وأستطيع......، حسنا، لا أحب ان أخوض في هذه السيرة المهلكة.


منطقُ الجسدْ
أثناء البحث بالقوقل عن "فرقة الموت" المنوط بها مهمة اغتيال الأطفال المتشردين في البرازيل. تحصلنا على كتاب "الحرب ضد الأطفال في شوارع أمريكا". وهو كتاب مشهور "ألفه السيد أوفه بولمان". بهذا الكتاب حقائق مخيفة ومرعبة في نفس الوقت. تركنا مهمة تلخيصه على الصديقة الصحفية حكمة الجميل، على وعد ان تقوم بطباعته وتوزيعه لنا.
فقد تشكلت "فرقة الموت" في البرازيل، من داخل وزارة الداخلية في سبعينيات القرن الماضي، وعلى ذمة العم قوقل، كانت تُمَوَّل من قبل بعض الأثرياء،الأسر الكبيرة، الشركات الرأسمالية العملاقة ولفيف ممن لا يرون في المتشردين سوى قاذورات وفضلات اجتماعية يجب التخلص منها بأي شكل في سبيل بيئة إنتاجية متعافية.
"قامت لجنة في البرلمان البرازيلي في نهاية عام 1991 بإحصائية مخيفة. حيث أشارت إلى مقتل 7000 طفل خلال الخمس سنوات المنصرمة وفي أواسط عام 1992 ازداد عدد الأطفال القتلى ليصل 16,414، وحسب إحصائية الحكومة البرازيلية فان عدد الأطفال المشردين في السبعينيات من القرن الماضي كانت 1,5 مليون طفل"
قرأتُ هذه الفقرة لأمي، بالتأكيد لم اقرأ لها الطريقة البشعة الدموية، التي كانوا يقتلوا بها الأطفال، وأخفيت عنها حكايتين، في الحقيقة شهادتين لطفلين نجيا من مذبحة، أو كما يسمونها في البرازيل حفلة مريعة، لكني أكدت لها ان القتل كان مباركا ومؤيدا من قبل الحكومة نفسها وتحت إشرافها. كعادتها أمي لم تصدق أن يحدث ذلك في أية دولة كانت في العالم. والسبب بسيط جدا، وهو أن الحكومات عليها حماية الناس وليس قتلهم وفقا للعقد الاجتماعي غير المُعْلن بين الشعب والسُلطة، قلتُ لها هذا ما يُدَرَّسْ في الجامعات ويُعْمَل به في الدول التي أنتجته فقط، فنحن نستهلك كل ما أنتج الغرب من تكنولوجيا ومعارف مادية، ولكننا نتجنب تماما منتجاته من القيم الإنسانية الرفيعة والأخلاق العالية، قالت أمي
- اعرف، نحن نأخذ ما يتناسب وطبيعتنا.
طبعا، أمي كانت تقصد إغاظتي، لكنني تجاهلت الأمر، أخذت العب مع الطفلين. كان يوما طويلا جدا، الأطفال الأشقياء لا يكفون عن الصراخ، كما هو متوقع من أمي أنها اشترت لهم ملابس صينية من المحطة الوسطى بحري، قام والدهم بعملية الاستحمام، وقصف أظافر الكفين والقدمين، كما قام بإزالة شعر رأسيهما إزالة تامة بماكينة حلاقة أبي القديمة. هذه الخطوة لابد منها لكي لا يبدون كمتشردين، بالتالي نبعد عنهم عين الرقيب الحقيقي أو المتخيل، كما ان لابد للروائح النتنة التي تنبعث منهما ان تزول، لكن أمي رغم ذلك لم تحببهم أو تطمئن إليهم، فلقد كانوا فوضويين بامتياز، أمي تحب النظام كما أنها لم تعتد على الأطفال في بيتها، وتبين ان حُبها للأطفال كان نظريا بحتاً، كانت تحتج على كل ما يقومون به حتى أكلهم، فهم لا يعرفون كيف يأكلون سوى عن طريق خطف الطعام و حشو اكبر كمية ممكنه منه في الفم والبلعوم، ولا تفيد صفعات والدهم الخجلة على ظهورهم من إثنائهم عن ذلك، كانوا أيضاً يسرقون كل ما تقع عليه أياديهم الصغيرة: صابون الحمام، زجاجة عطر، راديو أمي الصغير كم مرة وجدته مخبأ خلف الباب، الأحذية، قوارير المشروبات الغازية الفارغة، حتى الخبز والعظام، يفعلون ذلك جميعا. لكن البنت كانت أكثر هدوءا وخجلا، اقل إصدارا للضجيج، ربما للإعياء الشديد الذي يبدو عليها، يظهر واضحا أنها تعاني من سوء تغذية حاد وفقر في الدم وأنها مهمومة بأمور أخرى عميقة غير الأكل، الشرب والفوضى. كانت الأكبر عمرا قدرت دكتورة مي عمرها بعشر سنوات. قال والدها إنها اكبر من ذلك بكثير، أي أن عمرها خمسة عشر عاماً، إنها إذا تزوجت ستنجب أطفالاً، قال إنها تحيض في كل شهر مرتين، ذلك دليل عنده على خصوبتها وكبر سنها، قد ساورني شك عظيم في إنه يخفي عنا شيئا، فسألته:
- وين أم العيال ديل؟
قال في حزن، وهو يستعدل بنطاله الجديد
- ماتت قبل أيام. شربت الاسبرت "المسموم".
وأضاف إنها كانت صغيرة العمر، اكبر بقليل من بنته نونو.
- إذا نونو أمها براها.
أجاب سريعا. بان نونو في الحقيقة ليست ابنته من صلبه، بل انه تبناها، كانت ترعاها أمه، وتقيم معها في الزقاق. وجدها منذ أن كان عمرها يوما واحدا مرمية في احدي المزابل، كادت أن تأكلها القطط والكلاب الضالة، كانت :
- بِتْ حَرَامْ.
تخلصت منها والدتها خوفا من الفضيحة :
- ظاهر إنو أُمَّا"أمها" من أسرة غنية شديد.
لأنه وجد معها مئة جنيه كاملة وخاتم ذهب، قام بأخذها إلى أمه التي أرضعتها ورعتها. الحمد لله نجت من الموت. قال إنها كانت جميلة زى القمر و سمينة. لكن أكل الشوارع والعفن : أثر معاها.
قالت نونو الصغيرة، التي كانت تستمع للقصة في هدوء، بعد أن جلست قربه، بل التصقت به في غنج، مبعثرة خصلات شعرها المتوحشة على صدره، واضعة راحة كفها علي فخذه الأيسر، ووجهها يكاد ان يلتصق بوجهه الجاف الخالي من الشعر، أزاحها عنه بعيدا بحركة غير إرادية، وهو متجاهلا النظر إليها كلية.
- الفكي دا راجلي"زوجي" أنا، مش أبوي، راجلي عدييييل كدا.
كانت دهشتنا كبيرة، لدرجة أن بُقْا توقف عن اللعب مع الطفلين وانضم إلينا بعينين واسعتين، كان الفكي هادئا ولو انه بدا مرتبكا بعض الشيء، قال
- طبعا تزوجتها، عشان ما يقرب منها واحد من بتاعين الشوارع الصعاليك المعفنين ديل، الناس المابيترحم، الزواج سترة، مش كدا؟؟.
قال له بقا وهولا يستطيع أن يخفي غيظه
- لكنها طفلة.
قال وهو ينظر إليها مبتسما
- أنا أمي لمان ولدتني كانت اصغر منها بكثير، يا اخوي البت إذا نطت عتبة البيت، تشيل راجل قدر أبوها، والكلام دا معروف، ومن الأحسن تتزوج النسوان وهم صغار أحسن مما "يجلكنوا". مش كدا؟؟.
قلت له إن هذا عيب وغير صحيح وإن البنت لا يكتمل نموها الجسدي والعقلي إلا بعد ثمانية عشر سنة على الأقل، والرجل الطبيعي، الشهم والإنساني لا يتزوج البنات القاصرات. اعرف أنني لم أجد اللغة المناسبة التي تجعله يفهم، وهو أيضا لم يجتهد ليفهم، كان يحملق فيَّ واضعاً ابتسامته الغريبة الغبية في وجهه، فلم اعرف أنه كان سعيداً حقا أم يريد أن يبكي الآن، المهم انه لفت نظري لكي أحملق لأول مرة في نونو حقيقة، وأتمعن في تفاصيلها، كان ثدياها صغيرين جدا، فارغين تماما، متدليين مثل كيسين من الجلد مبتلين بالماء. يتضح ذلك من خلال فستان الطفلات التي اشترته لها أمي عندما كانت تظن أنها طفلة، وجهها طفلي، بعينها نزق و بريق لا يمكن فهمهما مطلقا، كانت شفتاها جافتين، وزنها لا يتعدى ثلاثين كيلو غراما، لها بطن صغيرة بارزة قليلا ولا تتناسب مع حجمها، أكثر الأشياء غرابة فيها هو شعرها الغزير شديد السواد القذر الخشن، الذي يتبعثر على كتفيها يغطى جانبا كبيرا من ظهرها، بل يتدلى إلى ما دون الردفين، هذا إذا كانت تُسمي تلك الجلدتان الباليتان ردفان. همست لي أمي ذات مرة إنَّ هذه البنت ذات أصول أجنبية، من جهة الأم أو الأب، كثير من ملامحها تدل على ذلك، شُوفَي انفها، شوفي شعرها، وقالت محرزة فجأة:
- أنا عرفت أهلها الحقيقيين، والله عرفتهم.
ذلك عندما حدثنا الفكي عن المزبلة التي التقطها منها، في الحقيقة كان هو أيضا يعرف أمها، اعترف لنا لاحقا انه ابتزها كثيرا. إلى أن هدده رجل قال إنه والد الأم، بالقتل. وهو الذي أرسل إليه من يذبح رِجْلَه اليسرى كعربون لعملية أكثر إيلاما في الطريق إليه : إذا قليت أدبك تاني يا وسخ.
عندما تفحصتها دكتورة مريم لاحقا. قالت إنها مصابة بالسل الرئوي. مثلها مثل الطفلين والفكي نفسه، وبرحمتها المعهودة بدأت معهم دورة علاج السُل، الجيد في الأمر أن عقاقيره متوفر ومجاناً.
في الحقيقة بدأنا نفهم الفكي بصورة أوضح، وفهمنا أيضا لماذا عندما دخل الحمام مع نونو اخذ زمنا طويلا جداً، إذا كنا أسأنا الظن فيه مبكراً، لفسرنا الأصوات التي صدرت من الحمام في ذلك الوقت تفسيرا صائباً. وعندما خرج اعتذر لنا بحيلة أنها لم تستحم منذ الخريف الماضي على الأقل، وان الكوشة التي برأسها تحتاج إلي مياه سيل لكنسها وليس دُشاً، فصدقناه وضحكنا. الآن تأكد لنا أننا كنا نضحك على أنفسنا لا أكثر، علينا منذ الآن ألا نصدق حرفاً واحداً مما يقول لنا، طلبتْ أمي منه مغادرة البيت فوراً، أن يأخذَ زوجته وأطفاله إذا كانوا حقا أطفاله ولم تكن هنالك قصص مؤلمة أخرى وراء كل واحد منهما : وأمشي أختانا.
قال مستعطفا
- إذا لقوني حيكتلوني، وأنا عايز أعيش، اربي عيالي.
انتهرته أمي محتجة
- أنت زول تستحق الموت، تنوم مع شافعة "طفلة"؟
قالت نونو محتجة وهي تُرقص صدرها الأعجف الفارغ
- أنا ما شافعة يا أمي، أنا مرا بالغة والأولاد ديل أولادي، ولدتهم من بطني دي.
وأشارت إلى بطنها الصغيرة غير المتناسبة مع حجمها الضئيل. بالتأكيد كاد التعجبُ أن يقتلنا، وسيبدو الأمر مقبولا إذا وقفت عند هذا الحد، لكنها رفعت جلبابها للأعلى، ذلك الأطفالي الجديد، الذي اشترته لها أمي من كشك بالمحطة الوسطى، بسرعة لا يتوقعها منها أحد. رقدت بظهرها مواجها الأرض. أبعدت ساقيها النحيفين الأصفرين. المنقوشين ببقع سوداء كبيرة وصغيرة، في زاوية مقدارها مئة وثمانون درجةً بالضبط، كومت شعرها سريعا في شكل وسادة صغيرة من الصوف، وصاحت بصوت قبيح، أو هكذا سمعناه، قائلة:
- دا يَدَخِّلْ جَمَلْ.
مشيرة إلى شيء مريب كان مابين ساقيها، تحجبه عن أعيننا غابةٌ كثيفةٌ من الشعر الأسود الطويل، حمدنا الله كثيراً على ذلك الغطاء الصوفي الطبيعي للعورات البشرية ذات الأبعاد الاجتماعية الحساسة.
أحسست بأنني أنا الفاعلة، وينظر العالم كله الآن إلي، إلى شيء أنا، وكدت أن أموت من الخجل، أما أمي فهربت خارج الصالون تلعن اليوم الذي جمعها بالفكي و أسرته غير المحترمين،أطلقت احدي أمثالها المحببة إلى نفسها:
- "اليلعب مع الجيروات يخربشنه"
لم تعجب أيةً أو أيَّاً مِنا طريقتها في التدليل على إمكانياتها الأنثوية بمنطق الجسد. كانت طريقة شاذة وقبيحة بكل المقاييس، ضربها الفكي ضرباً عنيفاً على ظهرها ووجهها، وسحبها من شعرها الغزير، محاولاً أخذها للخارج، طبعا كان ذلك عبثا، لأنه لم يستطع أن يفعل، كانت مثل جزع شجرة عرديب معمرة تعتصم بالأرض، تحملق في عينيه بلا دموع بلا استعطاف أو رجاء، إلى أن تدخلنا وحلنا بينهما. تلفظ الفكي بألفاظ لا يمكن ذكرها في هذه الرواية خوفا من شيوخ المصنفات الفنية والأدبية الرساليين، وكان غاضبا جدا ومبتسما جدا وهو يعتذر عن سلوك زوجته المشين:
- امسحوها لي في وشي يا جماعة دي زولة ماسورة.
أمي بدأت تتفهم الأمر شيئاً فشيئاً. أعدت لهم وجبةً أخرى. طعموها بهدوء أكثر. خرج الطفلان جُلجُل وحَسْكا. حتى الآن لم نتبين أيهما جلجل وأيهما حسكة، لأننا ذا ندهنا حسكة، التفت الاثنان، أو جاءا معا إذا كانا بعيدين والعكس صحيح، ولأن اسم جلجل ثقيل بعض الشيء، فان أمي اكتفت بان تطلق على الاثنين اسم حسكة. تبولا عند باب الديوان مباشرة، تغوطا كثيراً. عرفنا ذلك عندما داهمتنا الرائحة المتميزة للمخلفات الآدمية مع طليعة فوج الذباب. قامت ما أصبحت أم الطفلين بنظافة المكان جيداً. ورمي القاذورات في الشارع يمين الباب. قالت لها أمي إنَّ ذلك خطأ أيضاً، عليها أن تتخلص منها في المرحاض: هزت نونو رأسها في استغراب وابتسمت. لقد نسيت أمي تماما ان نونو لم تر مرحاضا في حياتها، مرحاضها هو هذا الفضاء الرحب، وكل مكان وزمان لا يشاهدها فيه شخص غريب وهي تقضي حاجتها، هو بلا شك مرحاض، أما براز الأطفال، من يهتم ببراز الأطفال؟!.
الساعة الآن قاربت الثانية عشر منتصف الليل، نحن لم نستطع أن نعرف المعلومات الأساسية عن المورد الأصلي للميثانول القاتل، كان كل مرة يأتينا الفكي بفكرة جديدة ولا ندري هل نصدقه أو انه سيجيد مرة أخرى إدهاشنا باكتشاف كذباته الكبيرة جداً، فالفكي مثل قنبلة موقوتة في يد جندي، قد تنقذه من الموت وقد تقتله، لا ندري هل سينفجر بين أيدينا أم أننا سنحطم به جدران سر موت المتشردين المسمومين بالميثانول.
عندما نَعِسَ الأطفالُ ونعستْ زوجته، تركنا لهم الصالون، بعد أن أحضرت أمي فرشا خاصا للأطفال، لأن أمهم أكدت لها أنهم يتبولون عادة أينما ينامون. بُقْا رحل إلي بيته متصيدا آخر بص من المواصلات العامة، أنا وأمي لم ننم، ساهرنا إلى ان غدر بنا النُعاس،لا ندري بالضبط متى نمنا. كنا خائفتين من مصيبةٍ لا ندريها قد يفعلها الفقيه المتشرد وأسرته الصغيرة العجيبة.

ذَاكرةُ العَرَقْ
العرق، أو ما يطلقون عليه الأثينول أو الميثانول، هو في الواقع خليط بين الاثنين، بنسب متفاوتة، لكن من خلال استيطس STATUS في الفيسبوك بعنوان الكحول، علقت أستاذة جامعية لمادة الكيمياء اسمها عائشة حسن كاتبة:" العرق البكر الذي يُنْتَجْ في الدقائق الأولى من عملية التقطير الكُحولي البلدي أي قبل أن تغلي المادة المخمرة موضوع التقطير" وهي البلح أو العنب، السكر، الجوافة أو الذرة أو غيرها من النشويات المخمرة" بفعل الحرارة، ويُسمى أيضاً الأثينول أو السيكو أو السكوسكو، وغالبا ما يكون خال من الشوائب والميثانول.................." وأخذت تعدد أسماء العرق، حتى تخيل إليَّ أنها فدادية لا يُشق لها غبار. فخاطبتها في رسالة داخلية a message، ما إذا كانت لديها معرفة في كيف تتم عملية صناعة الأثينول بلديا في البيوت. واستخدمت هذه الصيغة المحترمة حتى لا أكون قد أسأت لها فيما لو ظنت أنني اقصد أنها تصنع العرق بنفسها. وهذا بالطبع حرام بين. لأن الله لعن صانع الخمر. وشاربها. بائعها. حاملها و المحمولة له. و من اسمها أستطيع أن أخمن أنها مسلمة ملتزمة. لكن لحسن المفاجأة أن أرسلت لي كتاباً الكترونياً فريدا ألَّفهُ احد الأوروبيين المفتونين بما سماه عبقرية المرأة السودانية في التخمير عنوان الكتاب Fermentation Technology in Sudan. قد تناول فيه صناعات كثيرة بالتفصيل. كيف تعد وكيف تستخدم بل كيف ومتى يتم تناولها مثل الكول، الشرموط، أم جنقر، المرايس بأنواعها، المِرِس، خميس طويرة، الكاني مورو والشربوت، ثم تناول صناعة الايثانول تحت عنوان العرق.
يعتبر إنَّ صناعة العرق، هي صناعة مستحدثة في السودان لأنه لا توجد قبيلة لديها اسماً غير مركب له، وتقريبا ترجمة اسمه في أكثر من عشر من اللغات المحلية هي : بالشيء المٌر،" أتي بقائمة طويلة من أسماء العرق، من كثير من القبائل الشمالية، الجنوبية، قبائل شرق وغرب السودان، باللغات المحلية، من أراد ان يستزيد معرفة فليسأل جدته في البيت، وكلها تعني الشيء المر" إذاً ظل هذا الشيء المُر عابراً في الثقافات السودانية قديمها وحديثها. ولو أن تقطيره بدأ مع دخول العرب للسودان، فهو كذلك احتفظ باسمه الأصيل الذي يشرح ويعبر تماما عن طريقة استخلاصه، فهو ليس سوى عرق البلح أو العنب عندما يتعرض لدرجة حرارة عالية، نفس فكرة تقطير العرق. أما المجموعات السكانية القديمة فهي بارعة في صناعة المريسة بكل أنواعها، وهي خمور طيبة وصديقة، اقرب للغذاء منها للكحول، هي متعمقة في الثقافات الإفريقية وتُسمي في بعض البلاد الإفريقية بالبيرة المحلية. تصنع بتخمير النشويات الطبيعي بتعرضها لبكتيريا التخمر العالقة بالهواء، كان هذا الكتاب ممتعا، والتصميم الإيضاحي لصناعة العرق كان مفيدا أيضاً، وخاصة خطوات تصنيعه من الذرة المسماة بالفيتريتا حيث تبدأ بعمل:
1- الزريعة "وهي عملية تنبيت "زراعة" الذرة في وسط رطب، غالباً ما تكون بين سطحين من الخيش أو الكتان".
2- السُورج " وهو خلط مسحوق الزريعة مع عجين شديد الحموضة بفعل التخمير مع إضافة قليل من الماء وتقليب الخليط في صاج كبير من الحديد علي على نار موقدة بالحطب إلى ان يحمر أو يصبح بُنياً، وهو الذي يعطي المريسة لونها المميز ورائحتها الزكية أيضاً، وتستخدمه بعض القبائل مثل قبيلة الأدك في النيل الأزرق كوجبة غذائية كاملة".
3- الفُطَّارة "وهي عجين فطير يتم تقليبه علي النار في ذات صاج السُورج إلى أن يتحول إلى عصيدة عملاقة".
يتم خلط المكونات الثلاث مع بعضها البعض، ثم تترك ليوم كامل معرضة لبكتيريا التخمير بعد إضافة قدرٍ محسوبٍ من المياه، بعد ذلك تقوم الفدادية بتصفية الخليط، مستخدمة قطعة من قماش الدمور الخفيف، لتنتج المريسة ومعها المُشُكْ وهذا الأخير ألذ وجبة يمكن تقديمها لحيوان عزيز للنفس: حمارك المُفَضل، بقرتك الحلوب، أو ثورك الخاص أو بيعة كعلف لأصحاب الماشية. لكن معظم الفداديات يحتفظن بماشية في منازلهن للاستفادة من المُنْتَجْ المصاحب للمريسة الذي هو المُشُكْ، ونفس الخليط يمكن أن يصنع منه عرق العيش، عندما تقوم الفدادية بقليه على النار بعد أن تم تخميره- خليط السُورج والفُطَّارة- جيداً. بمعزل عن الهواء. وتمد صبابة "ماسورة" ملفوفة بقطع قماش مبلولة بالمياه، تنتهي في وعاء آخر مغلق وهو أيضاً غارقا في مياه باردة، تقوم بتغييرها كلما سخنت، والفدادية البارعة تعرف من درجة سخونة المياه كمية العرق ونوعيته. فتقوم في الحال بتعبئته في زجاجات، وهذا البكر لا يباع إلا لخاصة الزبائن، وهو الأثينول النقي التي تحدثت عنه ميمونة سُكوسُكو في حكاية أمي، ويُدلل كثيرا من قِبل الندماء، على الرغم من انه يقتلهم في بطء و صمت، بتحطيم خلايا أكبادِهم الحزينة وإتلاف البنكرياس، و من ثم تنتظر تقطير الفدادية العرق درجة ثانية، الذي يتم بيعة للعامة، وهو الأكثر خطورة لأنه يحتوي على الأثينول والميثانول وكثيرٍ من الشوائب التي بعضها شديد السُمية، وهذا يفضله الشعراء المفلسون وأغنياء المتشردين وبعض المبتدئين في مهرجان السُكر الذين لا طاقة لهم بتناول السُكوسُكو النقي، مثل صديقنا الطيب الحلزون وحبيبته مها عبدُه. هم يحتاجونه لنسيان شرور العالم الكثيرة التي تحيط بهم أو تأجيل الإحساس بها إلي حين. الفكي لا يتعاطاه، ليس لأنه يتسبب في تليف الكبد أو إتلاف البنكرياس، وهو لا يعرف عنهما شيئا، ولا يدري ما إذا كان له بنكرياس أم لا، لكنَّ قلبه هو الذي رفض هذه الأشياء، كما قال ويقصد بخبث شديد ان قوة خفية خلفه تمنعه من إتيان المهلكات وهي أيضا محاولات بائسة للنصب والاحتيال علينا.
لم ينم الفكي ولم تنم زوجته إلا متأخرين، وذلك لعدم تعودهما على النوم في حجرة أو على فراش، هي المرة الأولى في حياتهم جميعاً أن يدخلوا حجرة نظيفة- دخل الفكي السجن عدة مرات- و ينامون على سرير و ملاءة. و لأول مرة أيضا تدور مروحة فوق رؤؤسهم، قد أرعبهم صوتها المخيف، وظنوا أنها ستسقط عليهما، لم يعرف أي منهم كيف يتم إيقافها، أخيراً توكلوا على الله رقدوا جميعا على فرش فوق الأرض متلاصقين، عندما صعب عليهم النوم، فتحوا الباب وجميع النوافذ. كانوا يحتاجون لهواء أكثر. لفضاء أرحب. لرائحة الشارع حتى يناموا، وأخيرا أضجعوا حيث وجدتهم أمي في الصباح الباكر، عندما استيقظت لأداء صلاة الصبح. كانوا منكمشين على بعضهم البعض، تحت حائط الديوان مابين الباب وأصص الزينة المتراصة في فناء البيت، ملتحفين الأرض، تغطيهم السماء الشاسعة الرحيمة، تحوم حولهم قطتان ضالتان، كأنهم يمثلون لوحةً وحشيةً منسيةً للفنان لهنري ماتيس.
العُرسْ الوَحشيُ
أصبح كل شيء واضحاً الآن بعد ان تناقشنا بكل صراحة ووضوح، قال، كما هو الحال، إنه يحبني لكنه أيضا ليس بإمكانه ان يفعل شيئاً من اجل أمي، أمي تريدني آلا ادخل في علاقة ما، ما لم أكن متأكدة أنها سوف تنتهي بالزواج. وهو يعرف ذلك جيدا، قلت له
- شوف لي عريس.
في الحق كنت جادة معه. لقد تغيرت آرائي كثيرا في هذه الأيام القليلة. لقد تعلمت درسا مهما من الفكي و أسرته. ان السعادة لا تحتاج لتكلفة باهظة، تفكير، شروط أو تخطيط، إنها دائما هنالك. في القصر كما هي في المزبلة. قال إنه سوف لا يفعل. كان يعلم نقطة ضعفي، وهي أنني أحبه بعمق، لذا كان دائما لا يتنازل عن مواقفه. يدفعني أنا للتنازل، و يعرف تماما انه يستطيع ان يجدني كل ما شاء. من جانبي لا أرى في ذلك مشكلة، فكلما افعله معه كان دافعه الحب والرغبة الأكيدة في الفعل. لكن قررت ان ينتهي كل شيء اليوم، في هذا اليوم بالذات. لم ننتبه على إننا كنا نتحدث بصوت عال ومزعج إلى ان دخلنا المكتب. رأينا الدهشة في وجوه الزملاء، اعتذرنا لهم، واصلنا الحوار بهدوء في المكتب، لكن كان هذه المرة عن أسرة الفكي، لقد أصبحنا مرتبطين بهذه الأسرة المتشردة بصورة غير مهنية، وكنا نعرف إننا لا نستطيع ان نحل مشاكلهم الإنسانية، لا يمكننا ان نجعلهم يسكنون معنا في البيت، فبيتنا صغير و لا يتحمل أسرة أخرى، ليس بإمكاننا ان نستأجر لهم بيتا، فالإيجار غالي جدا في الخرطوم هذا إذا قبل صاحب المنزل استئجار بيته لمتشردين. كما إننا لا نستطيع ان نلتزم بالدفع شهريا وليس للفكي دخل يمكنه من دفع الإيجار بل لا يستطيع ان يوفر الطعام اليومي لأسرته. التي تتغذى الآن من سيوبر ماركت الطبيعة، وهي المزابل. وفقا لتجاربنا الكثيرة مع المتشردين نعرف أيضا أنهم لا يميلون للإقامة الدائمة في مكان ما، ما لم يتم ذلك تحت شروط إنسانية معينة تضع حالاتهم الخاصة في الحسبان. الشيء الأخطر هو كيف الحفاظ على أمنهم وحملات تجميع المتشردين تقوم بدورياتها المعتادة في كل الشوارع. المنظمة لا تستطيع ان تفعل شيئا في كل هذه الأمور ولا توجد أية مؤسسة تساعد في حل هذه المحنة، كان علينا في الآخر ان نقوم بطردهم من بيتنا، طبعاً إلى الشارع. هذا مؤلم، ولا يمكن تحمله ولو أنهم لا يتوقعون منا خيراً من ذلك. أحسست بألم في معدتي. كان بيتنا في الجانب الآخر من المنظمة. وهي كما سبق ان قلت هي جزء من بيت ورثناه من والدي رحمة الله عليه. لم اعمل بنصيحته: امشي البيت. اتفقنا على ان نشرك كل الموظفين في الحوار الخاص بأسرة الفكي، وهم جميعا يعملون في مجال العمل الإنساني ولهم خبرات في التعامل مع المتشردين والأطفال لا يستهان بها.
المدير العام رجل خمسيني أصلع. لا يتحدث كثيرا. لكنه يتميز بعلاقاته الواسعة وسنوات عمله الطويلة في المجال. فلقد عمل مع منظمات لها سمعتها في مجال حقوق الأطفال، مثل اليونيسيف، منظمة رعاية الأطفال السويدية والأمريكية، وأطفال الحرب. عمل أيضاً في منظمة رعاية كبار السن، ومن الزملاء حليمة حسين وهي على الرغم من صغر سنها إلا أنها عملت مع المتشردين كثيرا وخاصة في دارفور وجنوب السودان. هنالك عماد، مصطفي، أنا وبُقا كما، هي العادة ضيفا دائما علينا وهو في إجازته السنوية. توصلنا سريعا لحل فيما يخص الأطفال والأم أيضا وهو ان نودعهم بيت الحماية بالمايقوما، والأم سوف تقوم برعاية أطفالها بنفسها وخدمة الأطفال الآخرين بمقابل مبلغ ضئيل. المدير العام يستطيع ان يسهل ذلك والآن. أما الأب فبإمكانه ان ينام في المنظمة مع الخفير وان يعمل نهارا في غسيل السيارات في وسط الخرطوم طالما كان يستطيع ان يحتفظ بملابسه نظيفة ولا يتردد على المزابل وأوكار المتشردين الآخرين. ويمشط شعره بالمشط عندما ينمو له شعر. وهو لحسن الحظ – على حسب إقراره- لا يتعاطى المخدرات أو المكيفات. ومستعد لترك الدجل والشعوذة، لكن بُقا كان له رأي آخر، وهو : ان نجعل منه نجم.
لم يدهشنا اقتراح بُقا الغريب.على الرغم من أننا انفجرنا ضحكاً. ذهبنا جميعا بأفكارنا إلي الكيفية التي سيستثمر بها بُقا إمكانيات الفكي في الحفظ السريع. لكن هنالك مشكلة أخرى وهي ان الفكي لا يقرأ ولا يكتب ولا يفهم ما يحفظ. فهو مثل المسجل الإلكتروني لا أكثر. ولو انه يحفظ ما يسمع بأية لغة كانت. حتى ولو كان نُباح كلب. فهو يحاكي أصوات الحيوانات والطيور كلها. وكأنه من ذات الفصيلة، فقط تبقى لنا ان نعرف كيف سيصنع بُقَّا من الفكي نجماً. إذا تذكرنا شيئا محبطا آخر وهو ان الفكي كذاب ولا يمكن ان يوثق به وانه غير مستقر نفسياً، قال بُقا سيأخذ منه ذلك ما بين ستة اشهر إلى سنة من الآن:
- الموضوع عايز شوية تعب.
فُضَّ الاجتماع على صراخ أمي من خلف الحائط، شاكية من الأولاد الشياطين. حسكا وجلجل اللذان قلبا حياتها جحيماً، إنهما لا يسمعان الكلام. ولا تدري أين ذهب الفكي وأين ذهبت أمهم، قالت:
- شردوا وخلوا لي العيال.
وأضافت بصورة واضحة وجلية:
- إذا تأخرتوا تلقوني كتلتم "قتلتهم". ديل خربوا البيت خراب.
الطفلان اللذان يكاد ان يكونا في عمر واحد. نفس الطول نفس الحجم والملامح. نفس الصلعتين اللتين أنجزهما لهما أبيهما الفكي بماكينة حلاقة أبي الأثرية. نفس النزق، الشيطنة، النهم وحب الاستطلاع. إلا ان احدهم يكبر الآخر بعام كامل، حسب إفادة الفكي، فيمكن تقدير عمريهما مابين السنة الرابعة والخامسة.
قاما بقلب كل منقولات البيت رأساً على عقب. في فترة من الزمن لا تتعدى ربع الساعة حيث خرجت أمي لشراء رغيف من اجل وجبة الغداء. وكانت قد أغلقت باب الشارع عليهما جيداً. خوفا من ان يهربا ويجدهما من يضر بهما، خاصة أنهما خلعا ملابسهما جمعيا وبقيا عاريين كما ولدتهما نونو. تعفرا في التراب وأصبحا مثل شبحين خرجا لتوهما من القبر. أكثر ما أثار غيظ أمي وأغضبها أكثر هو أنهما حطما زجاجات العطور البلدية التي كلفت أمي الكثير في إعدادها وأنها تحتفظ ببعضها منذ زواجها، تريد ان تورثها لي عندما أتزوج، قد أكلا بعض الدلكة أيضا. وشربا جرعات لا شك أنها كبيرة من عطر "الخُمرة" البلدي قبل ان يدلقانه على الأرض، لذا كانا شبه سكرانين أو أنهما كانا في حالة سُكر تام. أصبحت رائحة البيت مثل خِدر العروس. في الحقيقة جعل ذلك أمي تتذكر يوم عُرسها، فبكت بكاء مُراً، بكت كما يبكي سكران مبتدئ. همس بُقا في إذني: الميثانول!
كان الأبوان قد اختفيا قبل ذلك الحفل بساعتين. خرجا في غفلة عن أمي. لم يسرقا شيئاً. تفقدنا كل حاجيات البيت. وجدناها كما هي. كان الطفلان يلعبان لا أكثر. أو قل أنهما أقاما عُرساً وحشياً بديعاً. شاركت فيه كل أدوات المنزل،عطور أمي، الأغذية المحفوظة في الثلاجة، صنابير المياه، التلفاز الكبير والأصص التي كانت قبل ساعات قلائل تحتوي في أحشائها على نباتات زينة حية جميلة و مخضرة. قمنا بغسلهما. ألبسناهما ملابسهما النظيفة. أعطيناهما حلوى حتى يكفان عن البكاء والصُراخ. لأن أمي ضربتهما ضرباً مُبرحاً وهي في حالة ثورة وجنون.
لم يسألا إطلاقا عن أبويهما. كانا يأكلان كل ما تقدمه لهما أمي التي يبدو ان ثورة غضبها قد انتهت إلى ثورة رحمة مفاجئة. كان نصيبنا منها غداء جيداً وشايا بالنعناع. أتينا بعربة المنظمة اللاندكروزر لنأخذهما إلى دار الرعاية بالمياقوما، وهو احدي الملاجئ الرحيمة التي تستقبل الأطفال فاقدي الرعاية الأسرية والذين أعمارهم فوق الرابعة. لقد أراحنا الله من مسؤولية الأبوين، طالما هربا بارادتهما. وخاصة ذلك الشرير الأكبر الفكي. ولو أننا بفقدنا له نكون قد فقدنا مرة أخرى أول الخيط لموردي الميثانول. وتعود قضية البحث إلى المربع الأول. إلا ان الخير كله في إنقاذنا لحياة الطفلين الشقيين وقد يصادفا مستقبلاً مختلفاً عن الذي كان يتربص بهما في مجاري المياه بأم درمان. إلا ان أمي فاجأتنا قائلة:
- خلوا الأولاد هنا، أنا عايزاهم يومين تلاتة يكونوا معاي.
قلت لها قد أغضبني انقلابها المفاجئ.
- يا أمي وطني نفسك، خلى عندك رأي واحد.
لدي أمي فلسفة في تغيير الآراء. حيث أنها تعتبر الإنسان السليم هو الإنسان الذي لديه المقدرة على الاقتناع بالأفكار الجديدة التي تطرأ عليه. والعمل وفقا لها فورا. ولديه مقدرة اكبر في ألا يتحرج من ذلك. بل ان يدافع عن أفكاره الجديدة، وهي تعتبر نفسها إنسانة سليمة، تحدثني أيضاً عن كتبٍ قرأتَها في هذا الشأن، عن فيلسوف غريب له باع في منهاج التفكير الإيجابي. لكن بيني وبين نفسي أميل لفكرة ان وراء تردد أمي وتغييرها المفاجئ لآرائها عنصر مَرَضِيٌ. ربما هي آثار ثانوية لنوبات الإحباط التي تداهما أحيانا، إنني لحد ما، ورثت عنها تقلب الآراء.
قالت وهي لا تعر غضبي اهتماما كعادتها.
- خلي صحتهم تتحسن شُوية ويمكن أخلاقهم تتحسن برضو. هم أطفال لا ذنب لهم. أطفال في غاية الذكاء والبراءة. خلينا نساعدهم شوية، هم شياطين أولاد كلب لكن ذنبهم شنو؟.
ثم سألتنا إذا كنا لا نريد الشاي بالنعناع مرة أخرى،على بُقا ان يقوم باللعب مع الطفلين لعبة الرسوم التي يحبانها، هذا إذا لم يكن لديه شيء آخر يفعله. أو انه لا يريد ان يذهب إلى بيته الآن.
إخوان في الرضاعة
حدثنا الفقيه المتشرد، حكايات لا ادري مدى صحتها، لكننا اتفقنا على ألا نكذبها تماما وألا نصدقها تماما وان نترك مهمة تصديقها وتكذيبها للأيام. قال الفكي في تلك الليلة التي قضاها معنا في البيت، بينما نحن نحاول ان ننتزع منه معلومة مفيدة قد تقودنا إلي معرفة مصدر الميثانول القاتل. إن بعض المتشردين سرقوا جركانتين من الاسبرت من متجر لتركيب العطور من السوق الشعبي بالخرطوم، وقاموا ببيع الكمية بوحدات اصغر في قارورات المياه الصغيرة جدا، بعد ان أضافوا إليه جركانتين أخيرتين من المياه، مما جعل لونه اغبش، باعوا القارورة الواحدة بجنيهٍ واحدٍ، نسبة لأن هذا المبلغ كان كبيرا جداً بالنسبة للمتشردين الذين لا يعملون، لا يسألون الناس ولا يسرقون، فان كل قارورة اشترك في شرائها أكثر من متشرد أو طفل، هذا حدث في الخرطوم، بل أكَّدَ لنا ان البعض تحصل عليها من غير نقود، ولم نسأل كيف.
- كويس بحري جاها من وين؟
- أم درمان جاها من وين؟
قال انه اشترى من أمه، أمه اشترت من الأسطى، أين الأسطى، هو لا يعرف له سبيلا، الأسطى هو صديق أمه، وأمه : دقست واتلحست.
هو أيضا لا يعرف شيئا عن المتجر الذي سرق منه المتشردون الميثانول، كلما يعرفه عنه انه في السوق الشعبي بالخرطوم. بقراءة بسيطة لمحكيات الفكي تثار أسئلة مهمة.
أولا كيف عرف الفكي ان اللصوص أضافوا جركانتين أخيرتين إلى الميثانول؟ لماذا لم تكن ثلاث جركانات أو أربع؟
من أين للفكي بالمال الذي يشتري به الميثانول.
هل هنالك حقا شخصية اسمها الأسطى غير الفكي ذاته؟
لماذا كان الفكي مختبئاً في الحديقة مع الجثث وفضل الموت جوعا على ان تقبض عليه الشرطة؟
الم يقر الفكي انه أول من باع الميثانول للشباب؟
ما هي حكاية أمه التي دقست واتلحست؟
لماذا تتدقس وتتلحس الآن؟
هل هؤلاء الأطفال، أطفاله حقا؟
هل نونو هي زوجته فعلا؟
هل هي زوجته فقط ؟
ما هو دور الفكي في كارثة موت مئات المتشردين بالميثانول؟
هل هنالك من يعمد على التخلص من الفكي لأنه يمتلك خيوطا قد تقود إلى جرائم ارتكبها هو أو ارتكبها آخرون يجب حمايتهم؟
ووجدنا أنفسنا فيما يشبه فليما بوليسيا معقدا، أو دوامة من الاحتمالات لا قبل لنا بها ولا مقدرة أو وقت لدينا لحل طلاسمها، مما وضع الأمر برمته في حيز الاستحالة، وأصبنا جميعاً بالإحباط واليأس، مما زاد الأمر تعقيدا هو اعتقال صديقنا الصحفي الباشا وحجزه من قبل جهة غير معروفة:
لا هي جهاز الأمن الوطني،
لا هم رجال الشرطة،
ليست الاستخبارات العسكرية،
وليسوا لأمن الشعبي،
ليسوا القوات المسلحة،
ليست شرطة النظام العام،
ليسوا قوات أب طيرة،
ليسوا قوات الدفاع الشعبي،
ليست قوات حرس الحدود،
ليست شرطة الدفاع المدني،
ليست القوات الخاصة لمستشاري ونواب الرئيس،
ليست الشرطة الشعبية.
لقد طرق أصاحبه، الناشطون الإنسانيون، وكثير من المحاميين، كل تلك الأبواب الخشنة، فكانت إجابتهم واحدة: ليس لدينا اسم كهذا، بل لم نسمع به إطلاقا.
من هنا نتج خوفنا عليه، لدينا خوف طبيعي من الأجهزة الأمنية وهو أمر مستحب ومقبول ولا عيب فيه، ولدي أمي حكمة جيدة في هذا الموضع فهي دائما ما تكرر:
"الما بخاف من الحكومة، ما بخاف من الله".
وهي توأم لحكمتها الأخرى:
"الما بخاف من الله، خاف منه".
وهما أختان صغيرتان لحكمتها الكبرى
" الخواف ربى عياله"
أما خوفنا الأعظم هو من الأجهزة غير الحكومية التي قد لا يكون خلفها قانون أو أية نوع من الرقابة أو المحاسبة مهما كانت ضئيلة وغير فاعلة، وهي جهات متطرفة اقرب إلى فرق الموت.
قررنا جميعا ان نترك موضوع المجزرة جانباً، وان نقوم بعملنا الروتيني في حماية ما تبقى من أطفال ومتشردين. ان نعمل على عودتهم للمنظمة كما هو في السابق. حيث يتناولون الإفطار، يغسلون ملابسهم، ويستحمون إذا أرادوا. ثم يعودون للشارع. للأسف هو المكان الذي يفضلونه على غيرة. تعلمنا من خلال عملنا الطويل مع المتشردين، إنهم لا يحبون ان يُحْجَزُوا إطلاقا في أي مكان كان. حتى إذا توفرت لهم فيه كل سُبل العيش، إنهم تواقون للحرية ويدفعون ثمنها بكل سخاء، الحرية بفهمهم الخاص الذي تكون من الأزقة،المزابل، المطاردات اليومية من قبل حملات الشرطة، المخازي،المآسي،الخيانات، الاغتصاب، الجوع، التسمم المزمن، التسمم الحاد والقتلة المجهولين. مع شروق كل شمس مخافة أو فكرة تستهدفهم، هم صامتون في عفنهم اليومي وحَزَنِهم المقيم، يكونون آراءهم في الحرية: الرأي الذي لا يستطيعون التعبير عنه إلا بالهروب المتواصل والانكماش في الذات، عندما يصبح الآخر، كل الآخر عدوٌ، تصبح الذات هي الملاذ الوحيد الآمن.
العمل الروتيني ليس بالسهل في هذه الأيام، حيث اختفى المتشردون تماما،كان عددهم ما يقارب 20 ألفا، إما اُخذوا في الحملات اليومية، أو اُعتقلوا لتهم غير واضحة ومبررة، أو اختبئوا في المجاري والغابات البعيدة عن يد الشرطة، أو أنهم قُتِلوا بالميثانول. كثير منهم هرب خارج مدينة الخرطوم، قِيَّل إنه تم ترحيلهم إجباريا، البحث عنهم قد يقود إلى صدام مع جهات ذات قوة و نفوذ لا قبل لنا بها. في واقع الأمر نحن نتجنب الدخول في صراع مع أية جهة كانت، نحب ان نقوم بعملنا بهدوء وصبر وأمان، فليست مسئوليتنا ان نغير العالم في ليلة وضحاها ولسنا أيضا الوحيدين المسئولين من ذلك والتفكير بهذه الطريقة هو المخرج الوحيد لنا من الأزمات النفسية، قد تدربنا على ذلك إلا إننا كنا دائما ما ننسي ما تعلمناه في غرف و حجرات التدريب إلى ما تعلمناه ونتعلمه يوميا في الحياة من صراعنا ومعاناتنا اليومية، وأما ورثناه من قيم إنسانية غير معيارية، أي إننا لا نستطيع ان نفرق بين ما هو واجب عملي نأخذ عليه أجرا شهريا، و بين ما هو واجب إنساني علينا القيام به، بدافع وجودنا في هذا الكون معا.
كنا محبطين وحزانى. لم نستطع ان نخرج من جحر تأنيب النفس والضمير، ودائما ما نجد سببا لذلك، كنا نحس بالتقصير، بودنا ان نفعل أكثر من ذلك. هنالك آلاف الفرص التي إذا كنا قد استغليناها بصورة مختلفة، لحققنا نتائج أفضل و لكان الواقع أفضل مما هو عليه الآن لو بنسبة ضئيلة. اقترحت دكتورة مريم ان نخرج من جُب الأحزان هذا وان نرفه عن أنفسنا، بان نذهب في رحلة جماعية إلى مكان بعيد عن العاصمة البائسة. كان اقتراحا وجيها جدا، لكن من يحمينا من المتشائمين، مثل الأستاذة حكمة الجميل التي عندما اتصلنا بها تلفونيا لكي تنضم إلينا قالت:
- إذا كانت عندكم قروش ما عايزنها. أنا بعرف طالبات فقيرات ما عندهم حق الفطور، ويحتاجوا لكتب و دفاتر للمحاضرات.
كانت تتحدث بجدية غريبة، قلت لها نحن لسنا مسئولين من حل مشاكل الشعوب السودانية، الدولة هي المسئولة،. وزارة الرعاية الإنسانية، مثلا:
- ما تعكري مزاجنا ونحن ماشين الرحلة، بلاش مثاليات بلاش كلام فارغ.
قالت إنها ستحضر. ما لشيء إلا لتعكر مزاجنا أكثر. وقالت :
- ح أجيب معايا الشاعر عثمان بشرى.
ومن الذي يخاف عثمان بشرى؟ فليأت الشيطان ذاته، ربما تكون هي جادة فيما تقول، لكنها تشير أيضا لحادثة غير حميدة حدثت لنا في رحلة سابقة كان عثمان بشرى طرفاً فاعلاً فيها. للذين لا يعرفونه هو شاعر مجيد لكنه يفعل كل شيء وفقاً لقوانين تخصه هو، لقد شتم شرطياً- ولا يفعل ذلك شخص طبيعي كامل الأهلية، كما تقول أمي -عندما طلب منه شرطي النظام العام إما ان يبتعد قليلاً عن سيدة جميلة كان يجلس قربها في الحديقة العامة، أو ان يبرز له قسيمة الزواج أو شهادتي الميلاد أو البطاقتين الشخصيتين اللتين توضحان أنهما أخوين، وذلك وفقا لقانون النظام العام:
- و دا ما من راسي يا زول.
فقال له عثمان بشرى إن البنت التي يجلس لصقها الآن، هي أخته في الرضاعة. لأنه لا يمكن إثبات ذلك، طلب منه الشرطي ترك ما يريبه لما لا يريبه، وهي قاعدة فقهية لا غبار عليها وعثمان بشرى ذو الخلفية الدينية، أدرى بها. فقالت له السيدة الجميلة الناهد المعجبة بنفسها كثيراً، وبصدرها أكثر، بينما تفوح منها رائحة عطر نسائي ساحر. في إمكانها إثبات ذلك الآن، بأن تُرْضِع عثمان بُشرى ثلاث رضعات مُشبعات أمام الشرطي، وبشهادتنا نحن الحضور جميعاً، بذلك تصبح أخته وأمه أيضاً في الرضاعة، فاعتبر الشرطي ان ذلك ليس سوى تلاعب مكشوف ودعارة بينة، وإنه ليس أكثر من حق أُريد به باطل، في الحقيقة كان الشرطي رجلا عاقلاً وسيماً أسود ذا ذقن حليقة بإتقان. كان يستخدم المنطق والحوار. لا يحمل معه بندقية ولا حتى سوطا من الجلد، يجادل عثمان بشرى بالتي هي أحسن واضعا على فمه الدقيق ابتسامة لا بأس بها، لكن عثمان بشرى فاجأنا بأن شتم الشرطي، هذا يعني ان الرحلة انتهت، وعلينا الهرب بأسرع ما يمكن، ولو ان الشرطي قبل اعتذارنا إلا انه لم يتنازل عن أخذ عثمان معه للقسم الأوسط، متهما إياه بالسُكر البين. أكدنا له إنها رائحة فمه الطبيعية وانه لا يتناول الكحول: إلا ان الشَرَطي أخذ يتصل بالرقم 999عبر تلفونه النقال، مما عجل بهروبنا جميعاً بما فينا عثمان بشرى، الذي اختفي كما تختفي الريح بين العُشبْ.
حسنا، وافق الكثيرون على الرحلة، تبرعت لنا أمي بخروف، لكنها تريد أيضا ان يكون هذا الخروف سماية، إنها تريد ان تغير اسمي الطفلين، من حسكا وجُلجُل، إلى جلال وحسبو، وتخرج لهما شهادتي تقدير العمر، لا احد يعرف الاسم الحقيق للفكي، ويستحيل معرفة اسم أبيه أيضا كما إننا نشك أيضا في أبوته لهذين الطفلين وهذا لا يمنع ان ندعوهما له، أما الأم فكان أمرها أيضا غريبا ومضللا، فهي ليست سوى نونو، هل يحق لنا ان نبتكر لها اسما كاملا يتكون من اسم لها ولأبيها وجدها.
ما قانونية ذلك : يا أستاذتنا حكمة الجميل؟.

ذاكرة المؤلف
الفصل القادم هو الفصل الأخير في هذه الرواية، بالتالي أريد ان انتهز هذه الفرصة ككاتب للرواية- وأظن من حقي الأدبي ان انتهز الفرص في رواية أنا أحد كُتَّابِها- ان اعتذر للشخصيات التي استخدمتها في هذه الرواية، الذين لم استشر منهم سوى شخصية واحدة وهي شخصية سلوى الساردة الأساسية في الرواية، لقد أعطيتها الفرصة كاملة بان تعبر عما يجيش بخاطرها تجاهي من حب وكراهية وبعض ما لا ينقال مرتين، لكنها أيضا لم تحسن القول أو قل إنها اخفت بعض الحقائق التي ربما تحسن من صورتي الشخصية أمام القراء وحملتني مسئولية فشل العلاقة، بل لا تغيب عن فطنة القارئ أنها أشارت في غير ما موقع أنني انتهازي، وهي صفة اكرهها، لكن كما يقول أستاذنا الروائي عيسى الحلو "من بعض مهام الكاتب ان يحافظ على نفسه" ومن هذا الباب، استمد الحق بان ادفع عن نفسي، واحكي أيضا لكم كيف تعرفت بي سلوى، لا أظنها ستنكر ما قالته لي بنفسها ذات صفاء، عندما كنا عاشقين هائمين ببعضنا حد الجنون، في نزوة تلك المحبة تصارحنا بصورة فظيعة وجميلة: كانت تشاهد التلفاز، وهي احدي العادات التي اكتسبتها منذ تخرجها من كلية البيطرة، القراءة و مشاهدة التلفاز، كانت تطوف على القنوات المحلية والعالمية، تختار ما يتناسب واستعدادها النفسي لمشاهدته، إلى ان عثرت على رجل، في منتصف العمر، يحاوره مذيع ضليع فصيح، في قناة محلية، يتحدثان بجدية في موضوع الأدب، قالت:
- عجبتني في اللحظة الشفتك فيها، قبل ما اعرف انك بتتكلم في شنو.
حسنا، إلى الآن لا تُوجد أية مشكلة، لكنها أضافت لنفسها: هذا هو الشخص الذي ابحث عنه.
أيضا لا أظن ان بالأمر مُشكلة ما، لكنها، أكدت لنفسها- أنا أحاول أن أتذكر جملتها بالنص- سأحصل عليه مهما كلفني ذلك: بالحلال، بالحرام، بالحسنة بالقوة، بأية طريقة كانت. سيبدو الأمر أيضا عاديا لولا أنها قررت بينها وبين نفسها، في حال فشلها في اصطيادي، أنها سوف لا تتجرأ في أن تستخدم ضدي أعظم سُلطة أُعطيتْ للمرأة، وهي السُلطة التي سجد لها إبليس- حدث ذلك سرا قبل أعوام كثيرة وكنت احد شهود العيان- الذي رفض ان يسجد لآدم من قبل: سُلطة الجسد.
أول ما التقينا، بعد مكالمات كثيرة، في الخرطوم عند بيت أختها الكبرى بامدرمان، على بعد أمتار قليلة من مبنى المحلية. كعادة أمدرمان في أوائل فصل الشتاء، كان اليوم مغبراً، تدور الأتربة في شكل دوامات صغيرة، نسميها نحن في القُرى صُفَّارَة الشيطان، فتحمل معها الأوراق، أكياس البلاستيك الفارغة، والأتربة المكدسة على جوانب الطريق، المبعثرة على الإسفلت. تحمل كل شيء وتعيد توزيعه، على وجوه الناس، العربات الفارهة، أسطح المنازل، أسفلت أخر، وكل ما يلتقي به الإعصار الصغير. كنت نظيفا أنيقا، كأنني في موعد غرام، لولا ان صادفتني صفارة الشيطان فور هبوطي من الحافلة، ملأت فمي بحفنة من الغبار المشحون بوسخ المدينة وأمراضها، دخلت مطعما قريبا أغسلتُ وجهي. طرقتُ الباب، عرفتها مباشرة، كان ترتدي فستانا قصيرا جميلا مرقطا مثل جلد النمر، يظهر ساقين جميلين بل مدهشين، لم تحدثني عنهما بالتلفون إطلاقا، على الرغم من أنها حدثتني عن أشياء اقل قيمة عندي، مثل عينيها، أنا أحب العطر، أحب ان اشممه في المرأة،عبر كل مسام جسدي المنغلقة بالغبار الأمدرماني، تسلل عطرها إلي مجرى دمي، كان صدرها معمولا بحيث ينتفض معلنا عن أنثي مثيرة، أعدت نفسها لتقتلني بالدهشة والشبق، ألا يكون لدي حل آخر غير الإعجاب بها، وأنا أرمل في منتصف عمرة، رقيق القلب ملَّ الكتب وصرير الأقلام، هذا ما حدث، أُخذتُ بجسدها، احتضنتني برقة وحميمية، مما أكد لي بأنه لا يوجد شخص مضجر في هذه اللحظة بالمنزل، في الصالون الأنيق، بعد لحظات قلائل لدخولي قدمت لي زوج أختها، ثم أختها، ثم أمها، ثم انسحب الجميع، ثم مضيت أنا أيضاً أخوض في أغبرة أمدرمان، تسلمني صفارة شيطان لأخرى، وكان يغمرني إحساس واحد ساخن وعنيد: تلك المُهرة لي، سأحصل عليها مهما كلفني ذلك: بالحلال، بالحرام، بالحسنة بالقوة، بأية طريقة كانت.
إذا شئتُ ان أحدثكم عن عبد الباقي صديقي، هو شخص في واقع الأمر، أي خارج هذا النص له شخصية مختلفة، لا اعني ان شخصيته أفضل أو أسوأ، هذا ليس من اختصاصي ولا اختصاص الرواية، كما ان المثالية العالية التي ظهر بها هنا، هي مثالية مبالغ فيها كثيراً بالنسبة لشخص لا يؤمن في الواقع بغير طموحه الذاتي المتمثل في المعرفة، وهو أيضا تقيا و متديناً وله بعض الميول الصوفية الواضحة، كما يُرْجَى ويُنْتَظَرْ من شخص مثله ان يكون محباً للشعر والنساء، هو أيضا أعزب ولا ينوي الزواج قريباً ما لم يتحصل على عمل ثابت بدخل معقول وزوجة تعمل في وظيفة ما: امرأة لا يشترط فيها ان تكون جميلة بصورة قاطعة في ملامحها الخارجية، لا يقترح لها لونا محددا، لا وزنا ولا عينين تشبهان شيئا ما. يريدها متعلمة وتخرجت في جامعة ما، طيبة، تحترم أمه كبيرة السن، تقبل ان تقيم معها في البيت، بإمكانها ان تنجب اكبر عدد ممكن من الأطفال، ليست تماما مثل أمه التي أنجبت أربعة عشر طفلة وطفلا، لكن امرأة تنجب وسعها، لا يكفر بُقْا بما يُسمى تنظيم النسل أو التخطيط الإنجابي، يؤمن بان كل طفل سيولد برزقه، لكن الشرط الأهم، انه لا يمتلك مالا للشيلة أو مهرا أو ما ينفقه للولائم والضيوف، كل ما يستطيع ان يقدمه لها هو الاحترام المتبادل، ماء حيويا طازجاً، يضيف: الصبر عليها في السراء والضراء. قلت له إنَّ مُعظم النساء اللائي نعرفهن بهذه المواصفات، ويقبلن بشروطه تلك.
قال في جد: إذا أنت لم تفهمني يا صديق!!
ظل عازفا عن الزواج إلى اليوم. أريد أيضاً ان أقدم اعتذارا خاصا للأستاذة حكمة الجميل، التي تم ذكر اسمها عدة مرات في هذه الرواية، لكنها لم تنل دورا كبيرا يليق بمكانتها الطبيعية خارج الرواية أو على الأقل بمكانتها عندي، فهي صديقة عزيزة لي، ولزوجتي سابقا وأطفالنا أيضا أصدقاء، ودرسنا معا بكلية الآداب جامعة أسيوط بجمهورية مصر العربية، هي فلسطينية من ناحية الأب، مصرية من ناحية الأم، تحمل الجنسيتين. التقينا بعد ذلك كثيرا في القاهرة، عمَّان وفرانكفورت، أحيانا صدفة، أحيانا بتدبير متعمد من أطفالنا، فزوجها متوفى، زوجتي أيضا متوفاة، لها بنت وولد ولي ولدان وبنت اسمها مريم، أنا تفصلني شهور قلائل عن الخمسين، هي في العام القادم سيصبح عمرها ثمانية وأربعون عاماً، حكمة الجميل نوع المرأة التي تجذبك بطريقة لبسها أولا، ثم عندما تكتشف ان بعينيها غربة وسحر، وتكسبك تماما إلى صفها إذا حدثتك. جمعتنا في الماضي الجامعة، ثم موت الزوجين ثم العلاقة الجميلة التي بدأت تنمو بين أطفالنا، أما ما يجعلنا مختلفين لكن بمحبة هو إشكاليات الهوية، حيث كان يغيظها جدا ان أعلن لها كلما دعي الأمر إنني كاتب سوداني اكتب باللغة العربية، ولست كاتبا عربيا، لأنني ببساطة لا طاقة لي ان أتحمل الإرث العربي الثقيل، بدءا بحروب البسوس، داحس والغبراء انتهاء بالحروبات العربية الإسرائيلية ومآلات القضية الفلسطينية مرورا بتفجيرات سبتمبر، حرب دارفور، احتلال العراق، معارك جبال النوبة، النيل الأزرق وما سوف يلي هذا وذاك، وأرى بصورة واضحة وجلية: إنَّ دخول السودان للجامعة العربية ما هو إلا ورطة حاكها السيد جمال عبد الناصر لأغراض تخص الأمن القومي المصري لا أكثر، وهي الآن تأجج الصراع السوداني السوداني القائم على اختلاف المفاهيم في مسألة الهُوية، أي تم حسم المسألة دون استطلاع لآراء الشعوب السودانية. هذا كله لا يهم لولا انه في ذلك الحين كنت ارتبط بعلاقة جادة مع سلوى عبد الله، لتزوجت حكمة الجميل في عيد ميلادها الخامس والأربعين، فقد كانت المرأة الصحيحة لي، وأنا أكثر ما يناسبها من رجال، ذلك حسب قولها، لذا ظللنا أصدقاء على خلفية باهته من المحبة وظلال الاشتهاء.
الشخصية الأخرى، التي لا تختلف في واقعها كثيرا عما هي في الرواية، بل يكاد ان يتطابق السردي فيها مع الواقعي، هي شخصية الشاعر عثمان بشرى، ربما الاختلاف الوحيد بين الشخصيتين ان عثمان بشرى الحقيقي لا يكتب الشعر أو الرواية أو أية من أصناف الأدب، له اهتمامات بالتصميم الهندسي والفن التشكيلي، أسوا ما فيه ليست مسالة السُكر، لكن سعيه الدءوب نحو التغير بأية صورة كانت، هذا ما يجعله كل ستة اشهر ينتمي لحزب سياسي مختلف، وهو الآن ترك كل شيء و انضم لجيش التحرير الوطني بإحدى صحاري دارفور: نصف إسلامي، نصف علماني ومجنون كامل، يتصل بي من وقت لآخر، يسأل عن أمه وبعض أقاربه.
الفكي المتشرد رجل تعرفت عليه بينما كنت أعمل في منظمة بلان سودان بمدينة خشم القربة، رجل يعاني من شلل الأطفال في رجله اليسرى، لكنها تعيقه من المشي بصورة مرعبة، مؤثرة على رجله الأخرى السليمة، بل أصبح جسده كله مائلا لجهة اليمين- "أفكاره تميل دائما لليسار"- حتى فمه وانفه وعينيه، وكتفه يميل كثيرا إلى جهة اليمين، كأنه يضع عليه حملا ثقيلا يجذبه للأسفل. بهذا الشكل الغريب، غير المألوف يعمد دائما على البقاء في المنزل ولا يخرج إلا للضرورة القصوى، لذا يحتفظ في حجرته الصغيرة بعدد من الحجارة الرخامية الملساء، كل منها يمثل أحد أصدقائه الحميمين، من بينهم حجر كبير اسود: هو أنا. لهذا الفقيه المتشرد- أنا الذي أطلقت عليه هذا اللقب فاسمه الحقيقي الطيب أوهاج- عادة غريبة، فهو عندما يغضب من أحد أصدقائه لأي سبب كان، مهما كان بسيطا تافها، فانه يعاقب صديقه بالبول عليه، إذا كان غضبه كبيرا جدا، قد يغوط عليه مرارا و تكرارا، كم هي الحجارة الملوثة ببوله و برازه مرمية خلف حجرته الصغيرة، أما إذا تشهي إحدى صديقاته فلا محالة انه يستمني عليها، ويترك سائله هنالك إلى ان تيبسه الشمس الحارقة. يعجبني فيه انه لا ينسى أي حدث مر به، أو كلاما سمعه، أو احد أصدقائه مهما أساء إليه، كان دائما ما يشكو لي من ذاكرته، إنها تؤلمني، إنها مليئة بكل شيء، الصالح والطالح، أحس بها ستنفجر في يوم ما، أريد ان أنسى. كان يكثر من شرب العرق، إلى ان يُغمي عليه من السُكر، لا يمكنك ان تكرمه إذا لم توفر له بعض زجاجات العرق البكر. ورث عن أبيه مالا كثيراً، لديه أختان ثريتان جميلتان.
حسنا، فللنظر لشخصية أخرى، السيدة نونو التي ظهرت في ذاكرة الخندريس كزوجة أو ما شابه ذلك للفكي المتشرد، هي سيدة أيضا عادية كل ما اذكره منها فعلتها تلك التي كررتها في فصل منطق الجسد، لا ادري أين هي الآن وماذا تفعل، لكن سمعت بعض قريباتي يتحدثن عن ابنة لها تزوجت وأنجبت أطفالا في إحدى قرى مدينة القضارف.
أما التوأم، فانا أدين لهما باعتذار بالغ، لقد استخدمتهما فيما سبق في روايتي "الجنقو مسامير الأرض"، باسمي عبد الرازق وعبد الرزاق، كثيرون منكم يذكرون ذلك، واسمهما الصحيح هو حسن وحسين، أصدقاء طفولتي في مدينة القضارف، في الحقيقة هما أعداء طفولتي، كلما أحاول ان أتخلص من ذكراهما بكتابتهما، يقفزان مرة أخرى إلى وعي، لم تكن علاقتي معهما حسنة، كانا يجيدان المصارعة و الرمي بالحجارة، وكل فنون القتال الصغيرة التي تناسب اعمارنا، لذا دائما ما كنت اخرج من معركتي الصغيرة ضدهما مهزوما و يسيل الدم من راسي و منخري، كانا لا ينهزمان ولا يكفان عن الشجار بل يفتعلانه، ولم استطع طوال فترة طفولتي ان ابتكر وسيلة تحميني منهما.
- الهرب.؟
كانا مثل صاروخين من الريح، يدركانني دائما قبل ان اقترب من باب بيتنا بمسافة كافية تفصلني عن كل سُبل النجدة المحتملة.
- العض.؟
يمتلكان أسنان سمكة قرش و أظافر قطط، ويردان لعضتي بقرمتين من لحم الكتفين، كل بجهة.
- الصُراخ.؟
كانا مثل شيطانين قُدَا من هزيم الرعد و فُسَاءِ الشياطين، قد صرخا مرة في أذنيَّ- كل من جانب- إلى ان أُغمي عليَّ.
- الرفس.؟
كانا مثل جحشين وحشيين من فصيلة منقرضة، يرسلان الركلات من كل جهات الدنيا وبكل الأوضاع، لا يفرقان مابين ما هو رأس وما هي كلية أو ساق، ينزلان بي من الأذى ما يجعلني الزم السرير أسبوعا كاملاً.
الحل الوحيد ان امتثل لطرائقهما في التفكير وأذعن لأمرهما بان أدفع لهما الجزية اليومية: نصف وجبة إفطاري اليومي، أو نصف سعر الإفطار. بعد ذلك قد يلعبان معي، يضحكان ويحكيان لي حكايات لا انزل الله بها من سلطان، مثلا كيف يتحولان لقطين أو عقربين وأحيانا عفريتين من الجن، ولقد قالا لي ذات مرة إنهما تحولا إلى رجلين عجوزين، حكاياتهما هذه أحيانا ترعبني بقدر ما تفعل رفساتهما. ربما لهذا السبب انتقمت منهما وصورتهما بتلك الصورة البشعة في هذا النص كمتشردين عفنين متسخين قذرين، وحبستهما في رواية الجنقو مسامير الأرض في سجن بالحُمَرةِ بإثيوبيا، وجعلت احدهما يطلق الهواء من دُبره مثل آلة الضغط الهوائي "كمبرسون"، تماما كما كنت أطلق الهواء عندما يوقعان بي في إحدى كمائنهما البغيضة. أتمنى ان يكونا بصحة جيدة الآن ويستطيعا القراءة- لقد تركا المدرسة في سن مبكرة- ليطلعا على اعتذاري الكبير لهما.
بقية الشخصيات لا تحتاج مني إلى اعتذار لأنها في الواقع ليست سوي شخصيات تخيلية بحتة، ابتكرتها مخيلتي، مثلها مثل شخصية ود امونة، وسارة، ونوار سعد، وجبارة الحفار وغيرها من الشخصيات الحبرية.
على الرغم مما يبدو، على إنني قد أنهيت ملحوظاتي عن الأبطال هنا، لكني تذكرت شخصية في غاية الأهمية والغني الفني في واقع الحياة، ولو أنها مرت في هذه الرواية مرورا عابرا، وأنها ستظهر ظهورا مفاجئا قبل نهاية الرواية بقليل، وهي شخصية الصحفي أحمد الباش، الذي جِيء به في هذه الرواية كشخصية مشاكسة، قد فقد وظيفته من جراء سؤال أحرج إدارة الجريدة وفصمها "فطمها" من إعلان تقتاد عليه. الباشا في الواقع الفعلي، أي خارج رواية ذاكرة الخندريس، رجل سياسي شرس، ومغني في غاية الرقة، ولو انه يغني عينة تلك الكلمات التي يغنيها أمير موسى، التجعلك بعد الاستماع إليها تسرع لأقرب متجر عطور، تشتري خمسين لترا من الأثينول، تحتسيهما في جرعتين كبيرتين، ناسيا ان لك كبدا قد يُهلك، لأنك إذا لم تفقد الوعي ستفقد روحك في اقرب مخفر للسلطة، إذا ما سولت لك نفسك بان تخرج في مظاهرة غير محسوبة العواقب ولا سبب لها معروف غير انفعالك الوقتي أو جنونك الطارئ. اقصد عينة الأغاني التي يؤلفها شباب مثل عاطف خيري، الصادق الرضي، طه القدال، أزهري الحاج والمُريبين عاصم الحزين وعثمان بشرى. تتجنب الشاعرات كنجلاء عثمان التوم، حكمة رابح وسارة حسبو كتابة نوع هذه الأغاني لرقة إنسانية ورثنها من الأم الأولى حواء وبعض الجدات اللاحقات. تتشكل عقليته من حروبات وأدبيات العصر الجيفاري الحار. مثله الأعلى هذا الرجل الثائر. تعرفت عليه عن طريق حبيبتي سلوى وبعض صديقاتها، حيث كانوا يجبرونني على حضور الحفلات التي يقيمها كجلسات استماع، في مقر الحزب الشيوعي بامدرمان أو في بيته أو بيت احد أصدقائه، أحيانا قليلة عند مكتبة عم سيف سمعريت بالصحافة. بالتأكيد، أيٌ منكم يستطيع ان يتخيل أين الباشا في هذه اللحظة، وما هو المصير الذي آل إليه، انه مفقود منذ ديسمبر 2009. لا أحد يعلم عنه شيئاً، ويُقال ما يُقال في شأنه، البعض يؤمن به كمَهَدِيٍّ مُنْتَظَرْ في يوم ما سيعود، ابنتي مريم واحدة من المؤمنين به.
قال لي ذات مرة، كنا قد احتسينا بعض الجن الحبشي الذي أتيتُ به من موقع عملي في مدينة الكرمك بالنيل الأزرق، أو لربما اشتريته من احد الموردين السريين بالخرطوم.
- صديقي بركة ساكن "وضع العود جانبا، مسح فمه العريض و شفتيه الغليظتين من بقايا الجن" الكتابة زى الغُنا يا بركة "وهو ينطق حرف الراء مشددا"، ما عندها جدوى، من الأحسن نمشي نحارب، لأن الحكومات الشريرة لا تسمع غير قعقعة الرصاص ولا تسجد إلا للبندقية، بل لا تحاور أصحاب الرأي المدنيين، لا تعترف بهم في الأصل: الرصاص، الرصاص يا صديق؟؟
قلت له، والقهوةُ تلعب بعقلي الذي يظل دائماً يقظاً ولو أنني احتسيتُ خَنْدَرِيس العالم كله:
- لا تنسي قَول المهاتما غاندي، "لا تحارب عدوك بالسلاح الذي تخاف أنت منه".
قال، وهو يأخذ عوده فجأة، يعزف لحناً مرتجلاً عنيفاً بنغمة دو شرسة.
- ومن الذي يخاف من الرصاص؟؟
على الرغم من سُكري البهي، إلا إنني كِدتُ ان انفجر من الضحك أو الخوف، شربنا كثيراً بعد ذلك، غنينا أغنية لا اذكر بدايتها، لكنني متأكد أنها انتهت بجملة: "وين نتلاقى تاني."
نعم، تذكرت الآن الأغنية، لقد طلبتها بنفسي، لأنها الأغنية المفضلة لدى أمي، هي من أجمل أغنيات صديقها وابن مدينتها الفنان المرحوم عبد العظيم حركة، أمي من مواليد مدينة كسلا بشرق السودان. تذكرت أيضا أنني الذي غنيتها، ليس صديقي الباشا، كان يعزف لي بالعود، انا لا أجيد العزف، بل لم أجربه مطلقا، لأنني في الواقع اشتر في العزف، في الرقص، اشتر أيضاً في الغناء، أكدت بعض الحبيبات أنني أيضاً اشتر في العاطفة.
ذات مرة، كنت أنا، هو وبنتي الصغرى مريم عمرها في ذلك الوقت 13 عاماً، نتجول في السوق العربي، كانت مريم تريد ان تشترى حذاءا لا أظن أنهم فكروا في صناعته بعد، ظللنا نبحث عنه طوال النهار، بَدْءً من شارع محمد نجيب انتهاءً بالسوق العربي، فأرهقنا المشي، جلسنا، باقتراح منه في مقهى "أتني" هو مقهى من مخلفات عصور الجمال والحريات في السودان، الآن ليست به سوى ذكريات حقب الستينيات والسبعينيات أي ما قبل ان يفكر النميري في حور وخندريس الجنان الحلال. يحتفي به المثقفون بان يتلقوا فيه أو بالقرب منه، قد يحتسون الأثينول والعَرَقْ البلدي، يعشقون أيضا على ذكرى العصور الغابرات. عصور لم يعشها معظمهم، لكنهم سمعوا بها وشاهدوا آثارها، مثل تلك الآلة الحاسبة الميكانيكية العجوز التي كل ما تبقي في مقهى أتني من تلك الأزمنة، وهي ما زالت تعمل. ابنتي مريم لا تحب تلك الأمكنة، كما أنني لا ادري بالضبط ما تحب. كعادته، أما ان يغني أو يجادلني في الثورة التي يؤمن أنها قائمة لا محالة، ليست مثل أكتوبر أو ابريل، بل ثورة لا يمكن سرقتها، لأننا سنحميها بالسلاح، ثورة الشعب المُسلح يا صديقي، أثناء حديثة كان يرتجل خلفيةً موسيقيةً رقيقةْ.
قلت له، أنا أفضل ان اسمع الغناء، الغناء الذي اختاره أنا، لكن ابنتي أصرت على الغناء الذي يختاره هو، قد ظهر لي جليا أنها من اشد المؤمنين به، تماما مثل سلوى حبيبتي وصديقاتها بل الكثير من الشباب والشابات، اعرف أيضا بعض العجائز الذين يحبونه وهم كثر، ولأنه فنان مشهور، خاصة بين المثقفين، تحول المقهى في لحظات إلى بيت عُرسٍ، عُرسْ الثورة المرتقبة، غنى لنا أغنيته المرعبة، التي لا أحبها أنا مطلقاً: بُكْرَةَ أحْلَىْ.
كانت تلك هي آخر مرة أراه فيها، أو يراه فيها احد أصدقائه أو المعجبين والمؤمنين به، لقد ذاب في الحياة مثل ذرة مُلح في البحر. اعرف إنني لم اطل كثيرا، وأتمنى ان تستمتعوا بالفصل الأخير من رواية ذاكرة الخَنْدَرِيسْ، إذا كنتم قد استمتعتم بالفصول السابقة، أريد ان أذكركم بشيء أخير، وهو إنني أمارس حقي الطبيعي في الثرثرة.

خالد محجوب محي الدين
10-21-2013, 04:50 AM
عودة البازنجر
سريعا ما ظهرت على الطفلين علامات الراحة. صارت بشرتهما ناعمة. نما على رأسيهما شعرٌ نظيفٌ ناعمٌ خالي من القمل والبراغيث. أصبحا يكسبان يوميا وزنا إضافيا. هذا هو الشهر الثاني لهما بمنزلنا. لا أكثر. تعلما كيف يستخدما المرحاض. وافتتنا بمشاهدة القنوات الفضائية، خاصة اسبيس توون، أم بي سي ثري واسبيس بور. بل أصبحت لهما أفلامهما ومسلسلاتهما المفضلة. تحسنت لغتهما، تجدهما عندما يتشاجران يستخدمان لغة مثل: أحذر أيها الغبي.
بدلاً من : هيييي أوع.
وأصبحا يدعيان أمي بلفظة "ماما"، بدلاً من "الجُلْكَا"
الغريب في الأمر اكتشفنا مؤخرا أنهما توأم. نتيجة لمعايشتنا لهما اليومية وملاحظة نظام نمو الأسنان والسلوك الذي يكاد ان يكون متطابقا. كما ان دكتورة مريم أخذتهما لاختصاصي أطفال، أكد لها ذلك. هو أمر كان دائما موضع شك لديَّ. كنت قد أحسست أنهما توأماً منذ اللحظة الأولى التي رايتهما فيها. لكن إصرار الفكي على عكس ذلك. جعلني أتجاهل الموضوع.
لكن أجمل المفاجآت، وأكثرها ارتباكا عندما قررت أمي و حبيبها وليد الجندي ذلك الروائي الغريب، الزواج. كان هذا حدثا عجيباً وجميلاً في نفس الوقت. كنت دائماً ما أفكر في سعادة أمي، فقدها المبكر لزوجها، صبرها الطويل علىَّ، ونوباتها النفسية المتكررة. التي كانت بقدر كبير نتيجة لفقدها والدي وحياة العزوبية الروتينية التي تعيشها. لا شيء غير الزوج يحل محل الزوج. كل الحذلقة الاجتماعية والطبيبات الأسرية لا تقنع امرأة عرفت متعة جسد الآخر، بان تستعيض عنه بالطقوس الاجتماعية وثرثرة الأهل والجيران. فالجسد يحن إلى جسد لا إلى لغة. قالت لي كل ما يعيبه كان شيئاً واحداً. حدثتني أمي بخجل. إنه يتعاطى الكحول، ليس كثيرا، لكنه يشرب العرق كل يوم، أليست هذه مشكلة كبيرة؟ ألا يفتت ذلك كبده، إذا لم يكن قد تفتت أصلاً؟
طمأنتها بأنها تستطيع ان تجعله يقلل من تعاطيه أو يتركه للأبد. حسب مجهودها معه، طالما لم يكن مُدْمِنا، فيمكن تدارك الأمر. لكن المُشكلة الأخرى:
- إيه المشكلة الأخرى يا أمي.؟
يصر على ان تنتقل أمي معه إلى بيته، هي لا ترغب في ان تتركني أعيش وحدي في هذا البيت.
- ح ترحلي معاي ؟
يستحيل ذلك بالطبع،ان انتقل معها لبيت زوجها. وهو أيضا يرفض ان يقيم معنا في البيت. فبيتنا لا يتحمل بنتاً، زوجاً، أما وطفلين مشاغبين. هذه الأمور المعلقة لم تنقص شيئا من سعادة أمي ونضارتها، حيث أنها أصبحت جميلة وندية مثل زهرة. أثبتت بالفعل أنها أجمل مني. أجمل بكثير بل أصغر عمراً. كنت أحس كلما تجملت أمي كانت تقصدني أنا بالذات. هذا الشيء لا يؤلمني ولا يربكني، لأنها ببساطة تريد ان تصبح يانعة مثل ابنتها الوحيدة التي هي أنا. مَرَّ الزواج برفق و سهولة، حيث تم عقد القران في بيت جدي بالقرية. انتهى كل شيء، وأقاما معي بالبيت إلى ان تُحل إشكالية بقائي وحدي، أمي قالتها صراحة: إنها لا تخاف علي من مكروه بقدر ما تخاف علي من نفسي. وأنني قد لا أستطيع ان اضبط سلوكي، بصراحة أكثر: الجاهل عدو نفسه، وأنني إذا بقيت وحدي بالمنزل سوف أخرب سمعتها وسمعة أسرتها.
الروائي وليد الجندي، يكبر أمي بسبع سنوات. ليس في عمرها كما كانت تقول هي. لم يتزوج من قبل. كانت له تجربة حب يتيمة مع المرحومة سيدة إبراهيم التي قُتِلتْ في تظاهرات شعبية، اختنقت بمسيل الدموع. بينما تعاني هي من مرض الأزمة. ماتت على الإسفلت، كانت تعمل في التمريض بمستشفى أم درمان. لا يحب ان يخوض كثيرا في هذا الأمر. يعمل هو مستشارا هندسيا مستقلاً. تخرج قبل سنوات كثيرة من كلية الهندسة جامعة القاهرة. عمل كثيرا جدا في كل بقاع السودان، لم يستقر بالخرطوم إلا قبل عشر سنوات فقط. أمي تعرفت عليه في احدي زياراتنا لقبر أبي، منذ سنوات بعيدة. بينما كان يزور هو ما اسماها صديقتنا سيدة إبراهيم. نشر روايته الأولى قبل شهر تقريبا، لكنه لم يحبط لأنها لم تخلق الأثر الذي كان يتوقعه، حيث لم يكتب عنها أي من النقاد الذين قاموا بقراءتها. فهو يظن انه قام بمجهود كبير من اجل ان تصبح روايته ذات قيمة فنية عالية، ان تصبح في نفس الوقت علامة فارقة في تأريخ الرواية السودانية على اقل تقدير، في ظنه، وهو صادق في ذلك. كما أشار بعض القراء إنها أول رواية في العالم تُكتب من وجهة نظر القلم الذي تُسطر به، الأوراق والحبر. هو يعرف ان الزمن خير الناقدين، سوف ينصفه. على كل هو ليس متعجلا، فالنقد في بلدنا بطيئا وهو غالباً ما يلحق بالكتابة بعد جري قد ينقطع نَفَسهُ أثنائه. قد كتب الرواية في ثمان سنوات. بإمكانه ان ينتظر بضعة أعوام أخرى لكي يأتي من يكتب عنها بعمق، يكفي أنَّ أمي احتفت بالرواية، احتفاء بالغاً، لدرجة أنها نادمته، غنوا معاً للفنان إبراهيم عوض الذي يفضلانه: عَزِيز دُنْيَاي.
اقنعي الجندي زوج أمي ان ارحل معهما في بيته، فهو بيت كبير في السلمة بالخرطوم. يتكون من طابقين عملاقين، يستطيع ان يوفر لي نوعا من الخصوصية:
- يَعْجبكِ.
وفعلا قبلت، لا لشيء لكن لأنني لم استطع ان أوفر هذه الخصوصية لأمي في بيتنا الصغير. وزوجها.
في زيارة مفاجئة. جاءنا الفكي في مكتب المنظمة. عندما وجد المستأجرين الجدد ببيتنا، وصفوا له المكتب. كان ما يزال نظيفا. بدا عليه الاهتمام بنفسه وهندامه، يبدو انه قد استحم عدة مرات في الشهور الماضية، وأغسل ملابسه كثيرا. لأنها بدت باهتة من اثر الصابون والشمس. فمن يراه يظنه عامل يومية كادح، ليس متشرداً عاطلاً، لا يرغب في العمل. ولو انه ما زال نحيفا، تفوح من جسده و ملابسه رائحة الشمس. بعد ان تناول بعض الماء. وكوب الشاي سأل عن لأطفال: حسكا و جلجل، سألته سؤالا مفاجئاً: أين هرب هو و نونو؟
قال لنا، كنت اعلم انه يكذب، إن نونو رفضت البقاء في البيت وأجبرته على الهروب. أين نونو الآن.؟ قال إنها في أم درمان، قال إنها تعمل مع إحدى النساء في سوق قندهار بأم درمان كمنظفة للآنية المتسخة، وإنها تنام في ذات المطعم، قال فجأة و دون مقدمات، واضعا على فمه ابتسامته المربكة
- أنا عايز أشيل أولادي معاي.
قلتُ في استغراب. وكأنه ليست هنالك صلة بينه وبينهم
- تشيلهم توديهم وين؟
قال بهدوء وفي فمه ذات الابتسامة الغريبة المربكة
- يقعدوا مع أمهم في قندهار. أمهم تبكي الليل و النهار لأنها مشاقة ليهم.
سألته بقسوة
- قل لي يا الفكي الأولاد ديل أولادك؟
قال بسرعة وبكل ثقة
- ايوا أولادي. في شنو؟
قلت له. هل يرغب في ان يعيش أولاده عيشة رغدة في بيت نظف ويتوفر لهما الطعام و الشراب وكل شيء. ويدرسان إلى ان يتخرجان من الجامعة و ينفعاه و ينفعان نفسيهما. ويظلان يحملان اسمه. وصورت له ما استطعت الحياة التي تنتظرهما في كنف أسرة مقتدرة.
قال بإصرار شبيه بالغضب و اختفت ابتسامته بصورة كاملة و نهائية
- عايز أولادي يتربوا معاي. أمهم عايزاهم.
انضم للحوار المدير التنفيذي للمنظمة و بعض الزملاء. سأله المدير التنفيذي. عن أيهما اكبر سنا. جلجل أم حسكا.؟
قال سريعاً
- حسكا.
سأله عن فرق العمر بين الاثنين
قال،دون تردد وهو يتجنب النظر في عيني المدير
- سنة.
قال له المدير التنفيذي. إنه كاذب، لأن الطفلين توأم. نكر ذلك وقال، إنهما يتشابهان لا أكثر و انه يعرف أطفاله جيدا. وأخيرا اتفق الجميع على ان تُجرى فحوصات طبية متقدمة لمعرفة حقيقة الأمر. مثل اختبار آل DNA. و الفحوصات المصاحبة، بعد ذلك:
- نديك أولادك لو طلعوا أنهم أولادك بالجد.
لم يفهم شيئا لكنه على ما يبدو عرف ان الموضوع أكثر تعقيدا مما يظن. فسأله المدير التنفيذي. بصورة ملتوية. ما إذا لو دُفِعَتْ إليه أتعابه بسخاء كبير وبسرية تامة. هل يتنازل عنهم لأسرة كريمة تقوم برعايتهم ؟ فسكت لفترة طويلة، فسألته، عن كم هي أتعابه:
- ادفعوا لي 500 جنيه و شيلوهم مرة واحدة.
قلت له، و أنا أحملق في عينيه:
- نديك 200.
قال قد برقت عيناه إثارة
- 500 بس، أنا جاملتكم، ألفي عمرهم دا الواحد 500، شيلوا الأتنين ب500.
كما يقول المثل: "كنا نريد ان نصطاد فأرا. فاصطدنا فيلا".
هاهي بوابة قميئة فتحت الآن، كنا نعلم بأنها موجودة في مكان ما لكن لا ندري أيا من خيوطها. بعد تشاور فيما بيننا. عزمنا على معرفة التفاصيل. التي سوف نحتفظ بها لأنفسنا،إلى ان يحين وقت العمل، هاهو أول الخيط، لن نفرط فيه بعد الآن، مهما كلفنا، اقترحنا بان نقوم بإغرائه بالمال، إذا رفض فإننا اتفقنا، على ننتزع المعلومات منه بالقوة. قررنا من حينها بسجنه في مكتب المنظمة إلى حين معرفة كل خيوط الشبكة. لكنه عندما رأي أول ألف جنيه. حدثنا عن الزبائن، هو لا يعرف غير الزبائن الوسطاء. أما كل ما عداهم في علم الغيب. بالطبع صدقنا ذلك لأن الزبائن ليسوا بالغباء الذي يجعلهم يكشفون له كل خيوط اللعبة، ولا الأهم منها، أو بعضها، فهو قد يقع في يد من يجبره على قول كل شيء في يوم ما، من ثم حدثنا عن الزبون الذي ينتظر في أم درمان لشراء التوأم. سألناه فيم يستفيد الزبائن من الأطفال. قال إنه لا يعرف، لكن يُقال إنهم يستخدمونهم: اسبيرات "قطع غيار".
عن طريق كمين قمنا بنصبه مع بعض أصحابنا في المباحث الجنائية و الشرطة، في اقل من ساعتين. كان في يدي البوليس احد أخطر الوسطاء في الخرطوم في المتاجرة بالأطفال، وهو من دل رجال المباحث على موقع "الجزارة البشرية"، طبعا بعد تمارين شاقة نفذها في غرفة الاعتراف والرقص الممتاز.
بالتأكيد، هذه الرواية ليست رواية بوليسية، وانتم تتفهمون ذلك، أيضا لكي لا نربك القراء وبعض النقاد المحتملين، فالراوي فيما يلي هو الكاتب نفسه، لأنني لاحظت ان الأبطال الحبريين، الذين صنعتهم بنفسي وبما لدي من مواهب في بنائهم الموضوعي، وتشكيلهم تاريخيا و نفسيا، أخذوا يسوقون الرواية نحو مخافر الشرطة، ينحون بها منحى بوليسي، ويتحدثون عن أصحاب لهم في الشرطة والمباحث الجنائية، أنا مثلي مثل الفريد هتشكوك، وكل المؤمنين البسطاء، أخاف من الشرطيين، لذا سأقود السرد هنا بنفسي، كروائي وراوي، حتى أجنب روايتي الوقوع في فخ الإجاثاكرستية،أو الكوناندولية، ان تصير رواية بوليسية، وبعد ان أنقذ روايتي سأعيد مِقْوَدْ الأمور للرَاَوِيَةِ الأساسية سلوى، أو غيرها ممن أتوسم بهم خيراً. هذا يعني ببساطة ان السرد سوف لا يعود القهقرى إلي كيف تم القبض على عصابة الاتجار بالأطفال، كيف قاوموا، كيف تحايلوا، كيف تبادلوا الركلات، الضربات وتراشقوا بالأسلحة البيضاء، ولا كيف استل الشرطيون أسلحتهم النارية في مواجهة عنف البازنجر، مَن مات، مَنْ جَرَحَ مَنْ؟ وأنني أيضاً سأتجاهل الأحداث التي كانت قبل وبعد ان يقول كبير ضباط الشرطة، و قد تتطاير الشرر الممزوج بالخوف من عينيه
- "أقتله، أقتله، عايز يخصيني، أرجوك"
لكنني كما يفعل ربان السفينة التي تمرد بحارتها، وأعلنوا تحولهم إلى قراصنة، سأتدبر، أمر روايتي بحكمة، بحرفية، وطول بال: لا ادري كيف تجمع السكان بهذه السهولة حول الموضع الذي سيصبح في الشهور القادمة حديث الصحافة والناس خاصة بعد فضيحة لجنة المنظمات التي تعمل في مجال حقوق الأطفال، تلك اللجنة الدولية التي جاءت تتقصي الخبر أو ما أسموه جريمة العصر، ودخلت البلاد بغير تصديق رسمي، حيث تم رفض طلبها من أولياء أمر الشعوب السودانية وسدنة أسرارها، وما سُمي بفضيحة هو نجاح بوليسنا الهمام في القبض عليهم متلبسين بالتحري في قضية "الجزارة البشرية" - هذا هو الاسم الذي أطلقه بعض المعارضين و الخونة للبيت الذي نحن بصدد التحدث عنه - بدون تصديق رسمي.
البيت بناية جديدة تتكون من طابقين، وهو سِمة البيوت الكثيرة التي بناها الأثرياء الجدد، شيد في مدينة الفردوس، حي الصفاء يجاور المبني الفخم لشركة نون، الرائدة والمحتكرة لتجارة وتوريد سيارات شركة تايوتا اليابانية. للذين يعرفون تفاصيل وأفرع شارع الستين نستطيع ان نصف لهم المكان بجملة قصيرة: "تقاطع ش 60 مع 33". في شارع غزر، هذه الصفة الأخيرة ليست استثنائية، فكل شوارع المدينة تتصف بها، حتى أكثر أحياء العاصمة رُقيا، حيث تتناثر في شوارعها أكياس البلاستيك الفارغة، فوارغ الأطعمة الجيدة، المزابل الحزينة، الأتربة، ونفاياتهم المنزلية القيمة. في العادة يُبقي الأثرياء على بقايا مواد وحفريات البناء، من طوب، اسمنت متحجر، قطع سيخ غير مفيدة، بعض الحصى، رمال صفراء خشنة،ما يمثل شحنة عربة نقل كبيرة من الأتربة وغيرها، تبقى عشرات السنوات بعد اكتمال المبنى إلى ان تصير هي ذاتها احد معالم المكان. لا ادري ما الحكمة من ذلك. قال لي احد الأصدقاء، مفسرا تلك الظاهرة: "إن جُلَّ هؤلاء الأثرياء الجُدد ذوي عقلية ريفية بسيطة مثلهم مثل السياسيين، وليس بإمكانهم ان يفرقوا مابين ما هو أوساخ وما هو زينة الحياة الدنيا"، يعجبني تعبير الروائي ميلان كونديرا قاصدا تلك الفئة: إنهم ليسوا أثرياء، لكنهم فقراء لديهم مال.
إذا تركنا النميمة جانباً، نجد كبار أثرياء المكان، بعض العاملين في بيوتهم و القليل من الأطفال الذين لم ينصاعوا لأوامر أسرهم بالبقاء في المنازل وألا يقلقوا بشأن ما يدور لأن التفاصيل ستصل إليهم في غرفهم الآمنة، نضيف إليهم ما لا يقل عن مئة شرطياً مدججين بأسلحتهم الأوتوماتيكية الرهيبة، عشرين من الصحفيين، ثم الأطفال الأحياء الذين يتم إجلائهم من المبنى الآن، يقادون مثل العميان إلى عربة الإسعاف. عند ما مر موكب الجثث أو الرفات المحروق بعد ذلك، يتبعه خيط من العفونة، كان الأهالي ذوو القلوب الرقيقة الرحيمة و الأنوف الطازجة قد هَرَبوا بعيداً قابضين بأناملهم على أنوفهم في تأفف مقيت، اثنان منهم على الأقل سقطا مُغْمَى عَليهما. كان عبد الباقي، سلوى، مدير المنظمة الأصلع و كثير من أصدقائهم يقفون في داخل قاعة الاستقبال معا و رجال المباحث. كانت دكتورة مريم ومعها مستشاران من الطب الشرعي، يتجولون حول ما يُشبه قبرا أسطوريا ضخما، أو اكبر قبر على وجه الأرض، قبر لا يمكن ملؤه، لأنه يحول الجثة إلى بعض رفات حنين وسهل التخلص منه. ينقسم المبني إلى قسمين رئيسيين مفصولين فصلا تاما عن بعضهما البعض، قسم للإعاشة وهو يتكون من مطبخ كبير، سُفرة تسع عشرين شخصاً وست حجرات، واحدة للمشرفة والطباخة، وخمس غرف أخرى بكل غرفة أربعة أسِرَّة. يحتل قسم الإعاشة هذا الطابق الأعلى من المبنى كله، كان معدا جيدا بحيث يشكل بيئة معقولة للأطفال الذين تتراوح أعمارهم مابين الرابعة والثامنة عشر، بينهم بنتان، ولو ان الأطفال كانوا في حالة من الإعياء بالغة، نتيجة للمخدر الذي يتناولونه بصورة مستمرة، أو كما لاحظ أبطالنا، كانوا شبه موتى، حسنا، إنهم مثل الزومبي Zombie، نصف أحياء ونصف أموات، يأكلون ويشربون ويذهبون للمرحاض، عندما يتكلمون لا يقولون شيئاً مفيداً، مجرد همهمات بائسات مملات في الغالب لا تعني شيئا يستطيع ان يفهمه المشرفون. وجوههم مسطحة، مسترخية لا تظهر أية مشاعر، كأنها أقنعة بلاستيكية. يقضون خمسين في المائة من يومهم - كما هو متوقع لمن في حالتهم- نيام.
الجزء الآخر من المنزل ينقسم إلي قسمين متصلين ببعضهما البعض، المقبرة والمشرحة، الأخيرة هي غرفة عمليات ميدانية معقمة، بها أجهزة بسيطة. تفسر دكتورة مريم ذلك إنهم لا يحتاجون لغير مشارط، بعض المقصات والقطن. يعطون الطفل جرعة كبيرةً من المخدر، لا يستيقظ بعدها أبداً، ثم يقومون بنزع أعضائه الحيوية، يحفظونها في ثلاجات خاصة- توجد اثنين منها- ثم يتخلصون من بقية الأحشاء والجثة في المقبرة المجاورة، والمقصود هنا الحجرة الأخرى، اعني الفرن، حيث يتم تجفيفها تدريجياً من تم الاحتفاظ برفاتها لسانحة التخلص منه. قد لا تحتاج هذه العملية طبيباً متخصصاً، بل يستطيع جزارٌ ماهرٌ تلقى فترة تدريبية قصيرة على يد شخص متمرس، القيام بكل ذلك، بسرعة وإتقان. أهم شيء في الموضوع هو الحفظ السليم في المكان السليم وسرعة التخلص من العضو بالبيع للزبون المناسب الذي في غالب الأحوال يتم توفره قبل العملية، عن طريق وسطاء ثقاة وذوي خبرة عالية في المجال. توالت المعلومات بصورة مُدهشة بعد ذلك، تم كشف ثلاث شبكات رئيسية، أكبرها فرع النيل الأبيض، مقرها مدينة ربك. الثانية فرع النيل الأزرق، مقرها مدينة سنار. الثالثة تسمى المكتب الرئيسي، مقره هذا المبنى بالخرطوم. أما الأفراد الذين ينطوون تحت هذه الشبكة، فإنني لا أستطيع ان اذكر أسمائهم هنا ولا وظائفهم أو أية معلومة عنهم، وكما تقول إحدى بطلات ذَاكِرةُ الخَنْدَرِيسْ، وأظن أنها أم سلوى: "خَوفُ المُؤمنِ عَلى نَفْسِه حَسَنة."، و انني اعلم ايضا انكم لا تتوقعون مني غير ذلك.
عَلىَّ ان أتوقف هنا، اسلم مِقْوَدِ السرد لأبطال الرواية، سلوى سوف تكمل معكم كلما ترغبون فيه ان يكتمل.
كنا في حالة نفسية جيدة و روح معنوية عالية،على الرغم من أننا فشلنا تماما في الوصول لأي خيط يقودنا إلى موردي الميثانول القاتل، وكان دائما ما ينقطع الخيط عند خط أحمر لا يمكن تجاوزه. فكل الموردين العشرين، أما أنهم قُبضوا، الآن تحت التحقيق، أو أنهم هربوا واختفوا نهائياً. اثنان منهم ماتا مسمومين بذات الميثانول، لكنا كنا سعداء جداً بما حققناه من نجاح في موضوع بيع الأطفال نجاح ما كنا نحلم به، أتى إلينا ساعيا بقدميه ونحن لم نبرح مكتبنا، لكن أليست الصدفة تأتي لمن يبحث عنها؟
كانت أمي في غاية السعادة. لم أرها مطلقا في تلك الحالة إلا في يوم زواجها. لدرجة أنها سمحت لي صراحة ان اذهب مع بُقا أينما شئت:
- اتفسحوا.
لكني قلت لها موضحة
- للأسف يا أمي أنا وبُقا انتهت العلاقة البينا.
قالت مندهشة
- لييه يا بت ؟
قلت لها محاولة ان يكون صوتي هادئا و عاديا
- أنا سوف لا أفكر في موضوع الزواج أبداً. في هذه الحياة ما هو أهم منه، أما الأطفال فالآن لدينا توأم، أنا و أنت شركاء. قالت بصوت منخفض
- شنو الأهم من الزواج؟
حسنا، يا سلوى، قولي لها ما هو الأهم من الزواج. لم تكن لدي فكرة محددة، أو إجابة مقنعة، أو أنني كنت أفكر في شيء بعينه. عندما قلت لها تلك الجملة، لكن من منطلق ان أجيب على سؤالها الذي هو أشبه بصفعة غير متوقعة من كف نمر على وجهي، لم اقل لها إن عبد الباقي يعتبر التفكير في الزواج انحراف من قبل البنت. ومحاولة فاشلة من الرجل على احتلال جسد المرأة وحسم معركته ضده بهزيمة أو بافتراسه، قلت لها:
- أهم من الزواج عدم التفكير فيه.
تراجعت أمي مبتسمة في حزن. بدا واضحا ان إجابتي لم تقنعها. بل ان إجابتي لم تقنعني أنا أيضاً،هكذا، تعكر مزاج أمي مرة أخرى، أخذت تعتذر لي ظنا منها إنني تأثرت برأيها السَلبي عن عبد الباقي، وإنني استجبت للضغط الذي فرضته عليَّ. فتركته، أكدت لي أنها لا تشك في أخلاقي وسلوكي بل ووعي بالحياة، لكن قلب الأم الذي لا يطمئن على شيء، كان دليلها الأوحد. قلق أمي وعكرة مزاجها لم يمنع ان يستمر الحفل في مكتب المنظمة إلى ساعة متأخرة من الليل. وان يغني صديقنا أمير موسى أجمل أغانية ويحكي لي في إذني نكتتين بذيئتين، ولم يمنع، أيضاً من أن أقضي باقي الليل في حجرتي الجميلة في صحبة حبيبي الجديد، الذي تم إطلاق سراحه قبل ساعتين، اتصل بي بمجرد ان وجد أول مركز اتصالات، كان هزيلاً، في أردية متسخة، لكن ليس بجسده أثر للضرب، إنهم لم يعذبونه مباشرة على جسده، فقط كانوا لا يسمحون له بالنوم. قال لي لاحقا:
- في الحقيقة كنت لا ارغب في النوم، إلا إذا باغتني النوم مباغتة، كنت خائفا جدا، خائف بالجد.
كانت تفوح من جوانبه رائحة أشبه بعبق الخشب المتعفن. كنا في الحمام. طلب مني ان أدلك جسده بيدي، قال ان يفتقد كثيرا ملمس رقيق. لم يمس جلده الماء طوال الأسابيع التي حُبس فيها، كان سعيداً جداً. يظن ان حياة جديدة قد كتبت له، ما كان يصدق انه سيخرج من ذلك الجب سالماً، العجيب في الأمر إلى تلك اللحظة، لم يستطع ان يتبن حقيقة الذين قاموا بحجزه طوال هذه الأسابيع. لم يخبره أي منهم عن سبب حجزه، كما انه لا يعرف لم أطلقوا سراحه أخيراً. سألته سُؤالاً ظل يُؤرقني لشهور كثيرة مضت: ما هو السُؤال الذي طرحه على وزير الرعاية الإنسانية. في المؤتمر الصحفي بمقر جريدة السودان في 20-7-2011. كان عليه بالساحق والماحق والبلاء المتلاحق. فقد وظيفته لأجله وما زال مطاردا من قبل جهات كثيرة. تحدث وهو مغمض العينين، يحاول ان يضع ابتسامة صغيرة علي شفتيه المبتلتين، لأن الصابون السائل كان يهبط من شعر رأسه على جفنيه وفمه مباشرة، قال من بين فقاعات الصابون: "سألته. هل تم تبادل أية خبرات فنية بين الحكومة الوطنية وحكومة البرازيل في شأن التعامل مع إشكالية التشرد.؟ وهل تمت الاستفادة من تلك الخبرات. إذ ما كان قد حدث هذا التبادل فعلا؟".
29-11-2011
الدمازين- النيل الأزرق

خالد محجوب محي الدين
10-21-2013, 04:06 PM
تدريس رواية "مخيلة الخندريس" للروائي السودانى بركة ساكن بالمعهد العالى بالنمسا

http://2.bp.blogspot.com/-HLZIou8_aMA/UmBAv60ln9I/AAAAAAAAAHc/nD7jiYS7I-A/s320/1385863_10201617015644012_1767636670_n.jpg

فيينا في 16 اكتوبر / بنا / قرر المعهد العالي الفني بمدينة سالفدن، سالسبورج النمسا، تدريس رواية "مخيلة الخندريس"، للروائي السوداني الكبير عبد العزيز بركة ساكن، للطلاب والطالبات في هذا العام الدراسي .
وقد ترجم الرواية للألمانية الدكتورة إشراقة مصطفى، وقام بنشرها المركز الأفريقي الآسيوي بفيينا عام 2011 .

جبر الدار محمد جبر الدار
10-22-2013, 11:33 AM
روايه جميله ومثيره تشدك وتجزبك ولا تستطيع مفارقتها
وذات معانى انسانيه ساميه


رمية تماس: العفش داخل البص على مسئوليه صاحبه

خالد محجوب محي الدين
09-11-2014, 10:14 PM
روايه جميله ومثيره تشدك وتجزبك ولا تستطيع مفارقتها
وذات معانى انسانيه ساميه


رمية تماس: العفش داخل البص على مسئوليه صاحبه


انته ذاتك ياحبيبو كتاب لدرجة قف تأمل بس متواضع وماشغال بالموهبة بتاعتك هسع لو قصصك البتكتبا دي لو وديتا دار نشر كان حتفرقع صاح ...حلوة العفش مسئولية صاحبو دي ههههههههه هي فضل فيها عفش ياجبرا